في الوقت الذي تتغنى فيه سلطات الانقلاببـ"الإنجازات الاقتصادية"، يعيش غالبية المصريين كابوساً حقيقياً من انهيار القدرة الشرائية وتآكل الأجور أمام تضخم مفترس وسياسات مالية قاسية.

 

العامان 2025 و2026 لم يكونا مجرد فترة صعبة، بل شهدا تحولاً جذرياً في نمط حياة المصريين، حيث باتت السلع الأساسية كاللحوم الحمراء حلماً بعيد المنال، والملابس رفاهية لا يستطيع الكثيرون تحملها.

 

في الوقت نفسه، تفجرت ثروات غير مسبوقة لطبقة المليونيرات الجدد، مما يطرح تساؤلات خطيرة حول آليات تكوين الثروة في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

 

انهيار القدرة الشرائية: من 18 طناً إلى 9

 

شهد استهلاك المصريين من اللحوم الحمراء انهياراً تاريخياً، إذ تراجع من 18 طناً لكل ألف من السكان عام 2018 إلى 9 أطنان فقط عام 2022، وفقاً لإحصائية المجلس المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة".

 

هذا التراجع الحاد يعكس كارثة اجتماعية حقيقية، حيث بات الفرد يستهلك 750 جراماً شهرياً فقط، أي أقل من نصف كيلوجرام أسبوعياً.

 

يؤكد الدكتور رشاد عبده، رئيس المركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن "الحكومة تلجأ لأسهل الطرق بزيادة الأسعار بدلاً من تحسين إدارة الاقتصاد"، مشيراً إلى أن زيادة أسعار المحروقات ستدفع معدلات التضخم إلى مستويات جديدة لا يمكن توقعها.

 

في خضم هذا الانهيار، أصبحت فئة الـ200 جنيه تمثل 66.4% من إجمالي النقد المتداول بنهاية ديسمبر 2024، بارتفاع 2.5% خلال ستة أشهر فقط.

 

يوضح الدكتور جمال سيام، الخبير الاقتصادي الزراعي، أن "الأمن الغذائي يتحقق عن طريق زيادة الإنتاك والاكتفاء الذاتي"، لكن السياسات الحكومية أدت إلى العكس تماماً، حيث أصبحت مصر أكثر اعتماداً على الاستيراد وتدهورت القدرة الشرائية للمواطنين.

 

هذا التناقض الصارخ بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي يكشف فشل السياسات الاقتصادية في حماية القدرة الشرائية للمواطنين.

 

الركود التضخمي: الوحش الذي يحاصر المصريين

 

مع رفع أسعار المحروقات، خاصة السولار، تزايدت المخاوف من حدوث "الركود التضخمي"، الحالة المرضية التي يعاني فيها الاقتصاد من تضخم مرتفع ونمو اقتصادي منخفض في آن واحد.

 

يشير الخبير الاقتصادي هاني توفيق، رئيس مجموعة المستثمرين الدولية، إلى أن "انخفاض التضخم لم ينتج عنه انتعاش في عملية البيع والشراء في مصر، بل جاء نتيجة لانخفاض القوة الشرائية للجمهور".

 

هذا يعني أن تراجع معدلات التضخم لم يكن مؤشراً إيجابياً، بل دليلاً على تدهور الطلب ودخول الاقتصاد في حالة ركود حقيقي.

 

في هذا السياق، أصبحت الملابس رفاهية بعيدة المنال بالنسبة للأسر المصرية.

 

كشفت بيانات الغرف التجارية عن تراجع في عدد قطع الملابس المباعة في الموسم الشتوي (مارس 2025) بنسبة 20%، رغم زيادة قيمة المبيعات بنسبة 10-15% بسبب ارتفاع الأسعار.

 

يؤكد توفيق أن "خفض فوائد البنوك أدى إلى خفض استهلاك بعض المصريين، خاصة الذين يعيشون على الفوائد"، مما يعمق حالة الركود في الأسواق.

 

الأسر المكونة من 4 أشخاص تحتاج الآن ما لا يقل عن 20 ألف جنيه شهرياً للحياة الكريمة، وهو رقم بعيد المنال عن دخل غالبية المصريين.

 

ثروات طارئة وفقر مدقع: لعبة المليونيرات في زمن الأزمة

 

في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من تدهور مستوى المعيشة، تفجرت ثروات غير مسبوقة لطبقة المليونيرات الجدد.

 

تضم قائمة مليونيرات مصر حالياً (من يملكون 100 مليون دولار لأقل من مليار دولار) نحو 49 شخصاً، بينهم 27 يقيمون بالقاهرة، تحتل بهم مصر المرتبة الأولى إفريقياً.

 

يطرح الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، تساؤلات حول "خلل إدارة المشهد" الاقتصادي، مشيراً إلى أن "الدعم بالنسبة للحكومة نفسها وليس المواطن هو السبب" في الأزمة.

 

يؤكد النحاس أن سياسات الحكومة أدت إلى ظهور "مليونيرات فجأة" دون سابق إنذار، مستفيدة من تحرير سعر الصرف الذي غير معادلة الثروة، حيث أصبح من يملك 21 ألف دولار فقط مليونيراً بالجنيه المصري.

 

يضيف الدكتور رشاد عبده أن "الأزمة الاقتصادية في مصر لم تتحسن، والدليل على ذلك أن معدلات الأسعار مازالت مرتفعة"، مما يكشف أن الإصلاحات الاقتصادية لم تخدم غالبية الشعب بل طبقة محددة استفادت من الأوضاع.

 

هذا التناقض الصارخ بين تفجر ثروات قلة وانهيار معيشة الأغلبية يطرح أسئلة خطيرة حول طبيعة السياسات الاقتصادية ومن يستهدفها حقاً.

 

في الختام، تكشف الأرقام والشهادات الخبيرة أن ما يُسمى "الإصلاح الاقتصادي" في مصر لم يكن سوى ورشة لإعادة توزيع الثروة لصالح طبقة محددة على حساب غالبية المصريين.

 

بينما تتغنى الحكومة بانخفاض معدلات التضخم، يعيش المواطنون واقعاً من الركود والغلاء وانهيار القدرة الشرائية.

 

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف تتكون الثروة في زمن الأزمة، ومن يدفع الثمن الحقيقي لسياسات صندوق النقد الدولي؟

 

الإجابة واضحة في معاناة الملايين من المصريين الذين باتوا يحلمون بكيلوجرام لحم بينما يتكدس المليونيرات الجدد.