في مشهد يعيد إنتاج الكارثة الإنسانية الأشد وطأة في التاريخ المعاصر، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب جرائمها بحق قطاع غزة، متحدية كل المواثيق الدولية واتفاقيات وقف إطلاق النار التي لم تكن يومًا أكثر من حبر على ورق. فمنذ 11 أكتوبر 2025، لم تتوقف آلة القتل والتدمير، بل تحولت إلى نمط ممنهج من العقاب الجماعي يستهدف المدنيين في ملاجئهم والمقاومة في أنفاقها على حد سواء.
يحكم الاحتلال قبضته على أكثر من 50% من مساحة القطاع، ويرفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، فيما يعيش ملايين النازحين كارثة إنسانية مكتملة الأركان تحت الأمطار الغزيرة وفي ظل انعدام المأوى. إن ما يجري ليس مجرد خروقات عسكرية، بل إبادة ممنهجة تستهدف إنهاء وجود غزة ككيان حي ومقاوم.
خرق ممنهج لوقف النار: القصف مستمر والنازحون في مهب الريح
لم يكن وقف إطلاق النار الذي روّج له الوسطاء الدوليون سوى فترة استراحة للاحتلال لإعادة ترتيب أوراقه ومواصلة حربه بأساليب أكثر وحشية. فمنذ توقيع الاتفاق، لم تتوقف طائرات الاحتلال عن التحليق في سماء غزة، ولا الدبابات عن إطلاق النار على المدنيين في المناطق الحدودية.
يوميًا، تسقط ضحايا برصاص القناصة أو القصف المدفعي أو الغارات الجوية التي تستهدف المنازل والمباني السكنية في كل أرجاء القطاع، من حي الشجاعية إلى خانيونس وعسقولة. يتحجج الاحتلال بـ"الأنفاق" و"التهديدات الأمنية"، لكن الحقيقة أن الهدف هو إبقاء غزة في حالة حرب دائمة، ومنع أي محاولة لإعادة الإعمار أو استقرار الحياة.
الوضع الإنساني يتفاقم بشكل مروع. فمع استمرار الاحتلال في احتلال الشريطين الجنوبي والشرقي ومناطق واسعة من الشمال، باتت مساحة العيش للنازحين محدودة بشكل كارثي. والآن، مع المنخفض الجوي الذي يضرب المنطقة، يعيش مئات الآلاف في خيام ممزقة أو في العراء، دون مأوى يحميهم من الأمطار الغزيرة والبرد القارس.
تمنع قوات الاحتلال دخول مستلزمات الإيواء العاجلة، في خرق صارخ لكل الالتزامات الدولية، مما يجعل الكارثة الإنسانية أشد فداحة. إن المجتمع الدولي يكتفي بالبيانات الرنانة، بينما يموت الأطفال والمسنون ببطء تحت أنظار العالم بأسره.
حرب الأنفاق: اعتراف بالفشل وأساليب أمريكية لتدمير المقاومة
في اعتراف نادر بالفشل، كشف مسؤولون في جيش الاحتلال ومخابراته أن عمليات الكشف والتدمير المكثفة التي نفذتها آلياتهم وطائراتهم لم تصل إلا إلى نحو 50% فقط من شبكة الأنفاق التي حفرتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. يقدر الاحتلال أن الطول الإجمالي للأنفاق يبلغ حوالي 400 كيلومتر، لكن كبار المسؤولين العسكريين يعتقدون أن الرقم الحقيقي يتراوح بين 560 إلى 720 كيلومترًا، مما يعني أن نصف الشبكة على الأقل لا يزال نشطًا وقادرًا على العمل.
لمواجهة هذا التحدي، أصدر وزير الحرب يسرائيل كاتس تعليمات عاجلة برفع وتيرة العمليات وتسريعها، وفقًا لما أورده موقع "واللا" العبري. تشمل التعليمات تعزيز حجم القوات العاملة، وتوسيع استخدام الآليات الهندسية الثقيلة، وزيادة عدد الطواقم التي تعمل بنظام ورديات مكثفة على مدار الساعة.
وبدأت القيادة بدمج أساليب متعددة، من بينها استخدام وسائل تفجير بطرق مختلفة، وضخ مواد خاصة تتصلب داخل الأنفاق وتمنع إعادة استخدامها. تزعم مصادر هندسية أن هذه المادة "تختصر الجداول الزمنية وتقلل المخاطر على القوات"، لكن الحقيقة أن هذه الأساليب الجديدة لم تمنع انهيار مساحة كبيرة تحت الأرض على بعد 800 متر من السياج الفاصل شمال القطاع، كشفت عن نفق مهم لحماس لم يكن معروفًا من قبل.
الأمر الأكثر خطورة هو التورط الأمريكي المباشر. فقد نقل الموقع العبري عن مصادر قولها إن ضباطًا من القيادة المركزية في الجيش الأمريكي اطلعوا على المعلومات والمعطيات الاستخبارية، وأبدوا "دهشتهم الكبيرة" من حجم الشبكة. هذا التنسيق العسكري الأمريكي-الإسرائيلي يكشف أن واشنطن ليست وسيطًا نزيهًا، بل شريك مباشر في الحرب على غزة، تزود الاحتلال بالمعلومات والتكنولوجيا والدعم اللوجستي لإبادة المقاومة وإخضاع القطاع.
إبادة ممنهجة وتواطؤ دولي: غزة بين المطرقة والسندان
ما يجري في غزة ليس مجرد عمليات عسكرية محددة الأهداف، بل إبادة ممنهجة تستهدف البنية التحتية والإنسانية على حد سواء. فالاحتلال لا يكتفي بمحاولة تدمير الأنفاق، بل يستخدم هذا الذريعة لإبقاء السيطرة على أكثر من نصف مساحة القطاع، ومنع دخول مواد الإعمار والإيواء، وخلق أوضاع كارثية تجعل الحياة مستحيلة. إن الهدف النهائي هو إجبار السكان على النزوح القسري أو الخضوع التام لإرادة الاحتلال.
التواطؤ الدولي يتجلى في صمت المجتمع الدولي عن الخروقات اليومية لوقف إطلاق النار، وفي استمرار تزويد الولايات المتحدة للاحتلال بالأسلحة والمعلومات الاستخبارية. فالأمم المتحدة تكتفي بإصدار بيانات "قلقة"، بينما تستمر آلة القتل في العمل. والدول الأوروبية تتحدث عن "الحل السياسي"، لكنها لا تتحرك لوقف الإبادة الجماعية. هذا الازدواجية في المعايير تجعل غزة ساحة تجارب لأسلحة الدمار الشامل، وشاهدًا على فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين.
إن المشهد في غزة اليوم يؤكد أن الاحتلال لا يسعى فقط لتدمير المقاومة، بل لإعادة رسم خريطة القطاع بشكل دائم، وتحويله إلى سجن مفتوح لا حياة فيه. والمقاومة، رغم الضغط الهائل، تثبت يوميًا أنها قادرة على الصمود والتكيف، وأن شبكة الأنفاق التي بنتها بدماء شعبها لا تزال تشكل تحديًا استراتيجيًا يعجز الاحتلال وحلفاؤه عن حله. لكن السؤال الأخلاقي يبقى: كم من الدماء الفلسطينية يجب أن تسيل حتى يدرك العالم أن السكوت على الجريمة هو مشاركة فيها؟

