على الرغم من أن تصريح وزير الخارجية بدر عبدالعاطي المثير للجدل حول أن القاهرة رفضت رفضًا قاطعًا "عروضًا مالية ضخمة" وإلغاءً كاملاً للديون مقابل السماح بتهجير الفلسطينيين من غزة إلى شبه جزيرة سيناء" قد يفسر على أنه حفاظ على السيادة الوطنية، إلا أنه في عالم السياسة المصرية الغامض، نادرًا ما تكون التسريبات عرضية، والتوقيت ليس محض صدفة.
هكذا رأى منتدى الشرق الأوسط (ميدل إيست فورم) في تعليقه على التصريح الذي لاقى استحسانًا كبيرًا لدى الرأي العام في مصر، قائلاً إنه يصوّر عبدالفتاح السيسي لا كحاكم مستبد يُعاني من اقتصادٍ مُنهار، بل كقائد مبدئي يرفض التنازل عن القضية الفلسطينية العربية مقابل "دماء".
غير أنه يصف التصريح بأنه ليس دليلًا على القوة، بل هو بمثابة إشارةٍ يائسة أطلقها نظامٌ مُنيَ للتو بهزيمة استراتيجية كارثيةٍ على جبهته الجنوبية، وأن التوقيت الذي "كشفه" فيه عبدالعاطي يهدف لإخفاء حقيقة مُرّة، وهي أن مصر تخسر معركة البحر الأحمر.
كارثة القرن الأفريقي
وقال إنه "بينما كان الرأي العام المصري يُغذّى بروايات النصر الأخلاقي في غزة، كانت الخريطة الجيوسياسية للقرن الأفريقي تُعاد رسمها بطريقة تُشكّل تهديدًا وجوديًا لمصالح القاهرة"، وذلك بعد أن أصبحت إسرائيل قبل أيام قليلة من مقابلة عبدالعاطي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميًا باستقلال أرض الصومال.
واعتبر (ميدل إيست فورم) أنه هذه الخطوة بالنسبة لإسرائيل تُعدّ إحياءً بارعًا لـ"مبدأ المحيط"، إذ يضمن لها موقعًا استراتيجيًا على خليج عدن لمواجهة عدوان الحوثيين، فيما وصف الأمر بالنسبة لمصر بأنه كابوس استراتيجي.
وأشار إلى أن مصر أمضت العام الماضي في ضخّ موارد سياسية وعسكرية في الصومال. وقد نشرت القاهرة مؤخرًا قوات في مقديشو ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار (أوسوم)، ووقّعت اتفاقيات لتطوير موانئ في إريتريا وجيبوتي.
وأوضح أن الهدف من ذلك واضح: تطويق إثيوبيا، الخصم اللدود لمصر في النزاع على مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي، لافتًا إلى أنه ومن خلال دعم الحكومة المركزية في مقديشو، كان السيسي يأمل في كبح جماح طموحات إثيوبيا في إنشاء قاعدة بحرية على البحر الأحمر في أرض الصومال.
لكن التقرير يرى أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يُقوّض هذه الاستراتيجية، إذ يُضفي شرعية على الكيان نفسه –أرض الصومال- الذي يُقدّم لإثيوبيا ميناءً.
وعلق على هذا الإعلان المفاجئ الذي قوبل بالتنديد من 21 دولة عربية وإسلامية، قائلاً: فجأةً، تجد مصر نفسها في موقف لا يُمكن الدفاع عنه: قواتها مُنتشرة للدفاع عن "صومال موحد" قامت إسرائيل، شريكتها الأمنية الرئيسة في سيناء، بتقسيمه دبلوماسيًا.
وتابع: "أصبحت مصر الآن مُتحالفة بشكلٍ مُحرج مع تركيا والحوثيين في إدانة هذه الخطوة، بينما تُشكّل إثيوبيا وإسرائيل محور تعاون جديد يتجاوز القاهرة تمامًا".
تشتيت للانتباه
وأوضح أنه نظرًا لعجزه عن عكس الانقلاب الدبلوماسي الإسرائيلي أو مواجهة إثيوبيا عسكريًا دون المخاطرة بحرب كارثية، فقد تراجع السيسي إلى ساحة المعركة الوحيدة التي لا يزال يسيطر عليها: السردية الداخلية.
واعتبر أن تصريح عبدالعاطي، أو ما أسماه تسريب "الدين مقابل التهجير" بمثابة تشتيت انتباه فعّال، فالاقتصاد المصري يعاني من انهيار حاد، حيث يُثقل التضخم كاهل الطبقة المتوسطة، وتستنزف خدمة الدين الخارجي الميزانية.
وقال إنه "ومن خلال ادعاء النظام رفض مليارات الدولارات من إعفاءات الديون، فإنه يُحصّن نفسه استباقيًا ضد غضب الشعب. أما المغزى الضمني لتصريح عبدالعاطي فهو واضح: "إننا نعاني اقتصاديًا ليس بسبب سوء الإدارة أو الفساد، بل لأننا الوحيدون الذين ندفع ثمن القضية الفلسطينية"، وفق ما يذهب التحليل.
وأضاف: يُعيد هذا النهج صياغة البؤس الاقتصادي للبلاد ليصبح وسام شرف. فإذا طالب صندوق النقد الدولي بمزيد من التقشف، أو إذا انخفضت قيمة الجنيه أكثر، يُمكن للنظام الآن أن يُشير إلى هذه "العروض المرفوضة" ويدّعي أن القوى الغربية تُعاقبه لرفضه. إنه يُحوّل الضرورة الاقتصادية إلى مقاومة وطنية.
ستار دخاني للانحدار
علاوة على ذلك، فإن ما أسماه بخطاب "قانون الغاب" الذي استخدمه عبدالعاطي بشأن عروض التهجير يهدف إلى حشد الرأي العام العربي في وقت تتراجع فيه مكانة مصر الإقليمية.
وأوضح أن مصر، التي كانت ذات يوم القوة المهيمنة بلا منازع في العالم العربي، تراقب من بعيد بينما تتوسط قوى الخليج في النزاعات، وتعيد إسرائيل تشكيل البنية الأمنية لأفريقيا.
ويرى (ميدل إيست فورم) أن السيسي يلعب دور الضحية لأن ورقة "القوة الإقليمية" لم تعد موجودة في جعبته.
ويفسر التسريب بخصوص العرض المادي مقابل تهجير الفلسطينيين على أنه يؤكد أن القاهرة باتت تتفاعل مع الأحداث بدلاً من أن تصنعها، مُجبرةً على استغلال الشائعات الدبلوماسية القديمة للتغطية على إخفاقاتها الاستراتيجية الحالية، "قد تكون المليارات قد رُفضت، لكن ثمن تراجع نفوذ مصر سيكون باهظًا للغاية".
https://www.meforum.org/mef-online/why-egypt-is-playing-the-debt-for-displacement-card-right-now

