يشهد المجتمع المصري تصاعدًا مستمرًا في ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج مع دخول العام الجديد 2026، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي تفاقمت خلال السنوات الماضية. وبينما تتزايد المطالب المادية من قبل أسر الفتيات وترتفع تكاليف الزواج بشكل جنوني، يجد الشباب أنفسهم عاجزين عن تلبية هذه المتطلبات، مما يدفعهم إلى تأجيل قرار الزواج أو التخلي عنه تمامًا.

 

ويتزامن هذا العزوف مع ارتفاع معدلات الطلاق بشكل مقلق، حيث كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن تراجع نسب الزواج بمعدل 2.5% خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق، بينما بلغ عدد حالات الطلاق 273 ألفًا و892 حالة بزيادة 3.1% عن عام 2023. هذه الأرقام تشير إلى أزمة اجتماعية عميقة تهدد بتفكك النسيج المجتمعي وتفاقم الكوارث الاجتماعية المترتبة على تفكك الأسر.

 

الضغوط الاقتصادية والمطالب المبالغ فيها

 

تمثل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة العائق الرئيسي أمام إقدام الشباب على الزواج، حيث لا يمتلك أغلبهم الإمكانات المادية التي تؤهلهم لتلبية المتطلبات المتزايدة. فبينما تغالي بعض أسر الفتيات في كلفة الشبكة والمهور وتشترط شراء شقة تمليك في منطقة راقية وإقامة الفرح في أكبر الأندية، يجد الشاب نفسه أمام سقف طموحات يستحيل الوصول إليه.

 

وأشارت الدكتورة عزة فتحي أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس إلى أن الكثير من الشباب يرفضون تدخلات الأسر في إقناعهم بالزواج، ويتخوفون من جلسات مقابلة أسر الفتيات وارتفاع سقف طموحاتهم. وأضافت أن المطالب تبدأ من المغالاة في المهور وكلفة الفرح وقضاء شهر عسل في أغلى الأماكن الساحلية، فضلاً عن اشتراط تجهيزات محددة للشقة، مما يجعل الكثير منهم يفضلون حياة العزوبية هربًا من هذه الالتزامات المادية المرهقة.

 

وأوضحت أن هناك قناعة لدى كثير من الشباب بأن نسبة الفشل في العلاقة الزوجية أكبر من النجاح، خاصة مع مشاهدة كثير من الزيجات تنتهي بالانفصال والوصول إلى ساحات المحاكم، مما أحدث رعبًا لديهم من الإقدام على تلك الخطوة. ولفتت إلى أن انتشار ظاهرة العزوف أكثر وضوحًا في الحضر منها في القرى والأرياف.

 

تغير الأولويات وتأثير العولمة

 

أرجع الدكتور عبد الحميد زيد نقيب الاجتماعيين تغير المزاج العام بالنسبة لأولويات الزواج لدى بعض الشباب إلى ما أحدثته ثورة التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي، ومتغيرات العولمة ودخول ثقافات غربية على المجتمع أسهمت في إزالة الحواجز بين الشعوب والثقافات.

 

وأوضح زيد أن الشباب أصبح متأثرًا بمصادر القيم الغربية ويستحسن وجود نماذج بديلة للمعيشة دون الارتباط أو تكوين أسرة أو التقيد بأعباء المسئولية. وأشار إلى أن فكرة الحرية باتت تداعب أحلام الشباب، خاصة إذا كانوا يمتلكون القدرة على إقامة علاقات منفتحة ولديهم صداقات متعددة مع الفتيات.

 

وأضاف أن الشاب أصبح يحرص في أولوياته على امتلاك سيارة أو شقة بدلًا من تكوين أسرة وإنجاب أطفال، مؤكدًا أن بعض الرجال أصبحت لديهم نزعة عشق الذات والأنانية والتهرب من المسئولية الجماعية بسبب تزايد الضغوط المعيشية والأوضاع الاقتصادية، مما جعل فكرة العزوبية الملاذ الآمن لكثير منهم.

 

كما أشارت الدكتورة عزة فتحي إلى أن انتشار منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت والأفلام الإباحية أسهم في إحداث تغيرات فكرية لدى بعض الشباب، وتسبب في تأخر سن الزواج والانفتاح في العلاقات داخل المجتمع ووضع مقاييس وشروط محددة للفتاة التي يرغب في الارتباط بها.

 

الوصم المجتمعي والآثار النفسية

 

أكد الدكتور ممتاز عبد الوهاب رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي أن تأخر سن الزواج لدى الرجال أصبح أمرًا مألوفًا وشائعًا، معتبرًا ذلك أحد مظاهر وعلامات الخلل النفسي والاجتماعي لدى بعض الرجال. وأوضح أن المتعارف عليه أن يسعى الرجل إلى الزواج والارتباط وتكوين أسرة، لكن حين يتخذ قرارًا بالعزوف، فهذا يعني أنه يواجه معوقات إما اجتماعية أو نفسية.

 

واعتبر عبد الوهاب أن عزوف الشاب عن الزواج سواء بإرادته أو هربًا من المسئوليات يتحول في المجتمع المحيط به إلى ما يشبه الوصم المجتمعي. وأشار إلى أن التعامل مع هذا الأمر يتوقف على قدرات الشاب ذاته، فإذا كانت لديه علاقات جيدة ومنفتحة ووضعه الوظيفي والتعليمي لائقًا فسيتعاملون معه بقدر من الوعي، أما إذا كانت لديه مشكلات مع المحيطين فسيتحول الأمر إلى موضع تنمر وسخرية.

 

وكشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن الفئة العمرية 35-40 سنة سجلت أعلى نسبة طلاق بـ47 ألفًا و367 إشهادًا بنسبة 18.2%، بينما بلغ إجمالي أحكام الطلاق النهائية 14 ألفًا و195 حكمًا، من بينهم 11 ألفًا و906 حالات بسبب الخلع، مما يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تتطلب تدخلًا عاجلًا من المؤسسات المعنية لمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة.