في واحدة من أخطر فضائح الفساد النقابي، تكشفت وثائق قضائية مُدينة تُثبت تواطؤاً صريحاً بين قيادات نقابة المهندسين وإدارة شركة "المهندس يوتن للدهانات" أدى إلى انهيار حصة صندوق معاشات المهندسين من 30% إلى 4% فقط، في عملية وُصفت بـ"السرقة المُنظمة" لأموال المهندسين.

 

المستندات القضائية التي حصلت عليها وسائل إعلام كشفت أن النقابة عدّلت طلباتها القضائية تحت مسؤوليتها، وسحبت اعتراضها على زيادة رأس المال التي أدت مباشرة إلى تذويب حصتها، في خطوة تُشير إلى تواطؤ مُسبق لنهب المال العام.

 

تعديل الطلبات.. دليل التواطؤ

 

تُظهر صحيفة الدعوى المُقامة في 28 ديسمبر 2023 أن النقابة اعترضت على 4 بنود أساسية من قرارات الجمعية العمومية لشركة "جوتن"، أهمها البند السادس الخاص بزيادة رأس المال بمبلغ 1.4 مليار جنيه. لكن المفاجأة الصادمة جاءت في صحيفة دعوى لاحقة بتاريخ 11 مايو 2024، حيث طالبت النقابة المحكمة الاقتصادية بتعديل طلباتها وسحب اعتراضها على البند السادس تحديداً، وهو القرار الذي تسبب مباشرة في تقليص حصة النقابة من 30% إلى 4% فقط.

 

يقول محسن عليوة، المفكر والخبير العمالي والنقابي، إن "العمل النقابي في مصر يواجه أزمة ثقة حقيقية، فالنقابات المهنية التي كانت حصناً للدفاع عن حقوق أعضائها تحولت في بعض الحالات إلى أدوات لتمرير صفقات مشبوهة".

 

​خسائر بالمليارات وصمت مُريب

 

أكد المهندس عبدالله سالم، رئيس لجنة التدريب الأسبق بنقابة مهندسين القاهرة وأحد المتقدمين ببلاغ ضد النقيب، أن حصة النقابة البالغة 30% كانت قيمتها 526 مليون جنيه في مارس 2024، لكنها تحولت بعد زيادة رأس المال إلى 3% فقط.

 

وأضاف سالم أن "الشركة استحوذت على أسهم النقابة بقيمتها عام 1983، وأن تعديل الطلبات في المحكمة يؤكد تعمد النقابة خفض حصتها بالشركة". وفي هذا السياق، يُشير المحلل الاقتصادي محمد نصر الحويطي إلى أن "كشف الفساد المليارى غالباً ما يرتبط بحدوث صراعات بين القوى أو اختلاف المصالح بينهم، وليس بفعالية الأجهزة الرقابية".

 

​اتهامات بإهدار المال العام والتواطؤ

 

تقدم أعضاء من النقابة ببلاغ رسمي إلى النائب العام ضد نقيب المهندسين طارق النبراوي والمديرين التنفيذيين لشركة "يوتن" بتهمة تسهيل إهدار المال العام. وتضمنت لائحة الاتهامات الحصول على قروض بقيمة 50 و60 مليون دولار دون موافقة صندوق المعاشات، وزيادة رأس المال بشكل غير قانوني دون عقد جمعية عمومية غير عادية.

 

في المقابل، أصدر النقيب بياناً أكد فيه أن النقابة لن تبيع أو تتنازل عن أي جزء من حصتها، ووافق مجلس النقابة على تقديم بلاغ للنيابة العامة ضد محامي النقابة السابق لوجود شبهة تواطؤ. يُعلق هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق الذي سُجن بسبب كشفه عن فساد بـ600 مليار جنيه، بأن "مصر تعاني من أزمة حقيقية في آليات الرقابة والمحاسبة، فالذين يكشفون الفساد يُعاقبون بدلاً من الفاسدين أنفسهم".