لم يعد المعلم المصري يواجه تحدي نقل المعرفة أو تطوير مهاراته التربوية فحسب، بل أصبح في مواجهة تهديد حقيقي لحياته وسلامته الجسدية داخل الفصول التي يفترض أنها بيئات آمنة للتعليم. معلم يُطعن بسلاح أبيض حتى يحتاج إلى 13 غرزة في جمجمته، ومعلمة تُعتدى عليها من طالب وأمه خارج أسوار المدرسة، هذه ليست حوادث عابرة بل مؤشرات على انهيار كامل في منظومة الاحترام والحماية التي يفترض أن تحيط بمن أوكلت إليهم الدولة مهمة بناء الأجيال.

 

واقعتا الإسماعيلية والجيزة تكشفان عن حقيقة مُرّة: الدولة تتحرك فقط حين يتحول الاعتداء إلى فضيحة إعلامية، وتكتفي بإصدار عقوبات فردية دون معالجة الأسباب الجذرية لظاهرة متصاعدة تهدد مستقبل التعليم برمته. الحكم بالحبس ثلاث سنوات وفصل الطالب المعتدي قرارات تبدو رادعة، لكنها في الواقع لا تتجاوز كونها مسكنات مؤقتة لأزمة هيكلية تحتاج إلى جراحة عميقة في المنظومة التعليمية والمجتمعية بأكملها.

 

انهيار هيبة المعلم: من قدوة مجتمعية إلى ضحية يومية

 

يحذر الدكتور كمال مغيث، الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، من أن تراجع مكانة المعلم في المجتمع المصري يمثل كارثة حقيقية تنذر بانهيار المنظومة التعليمية بأكملها. ويشير إلى أن النظرة المجتمعية للمعلم تحولت من الاحترام والتبجيل إلى الامتهان والاستخفاف، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية جعلت البعض ينظر إليه كمقدم خدمة وليس صاحب رسالة تربوية.

 

المشكلة لا تقتصر على الاعتداءات الجسدية فحسب، بل تمتد إلى منظومة متكاملة من التهميش والإذلال. الدكتور خالد محمود عبد الوهاب، أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة بني سويف، يرجع سبب العنف في المدارس إلى الغياب التام لدور الأخصائي النفسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن كليات الآداب والتربية يتخرج فيها سنوياً إخصائيون نفسيون واجتماعيون، لكنهم لا يجدون طريقهم إلى المدارس رغم الحاجة الماسة لوجودهم.

 

وزارة التربية والتعليم تصدر بيانات إدانة وتفتح تحقيقات عقب كل واقعة، لكنها لا تملك استراتيجية وقائية حقيقية. أين البروتوكولات الأمنية التي تمنع دخول أسلحة إلى المدارس؟ أين التدريب النفسي للمعلمين على التعامل مع المواقف العنيفة؟ أين الحملات المجتمعية لإعادة الاعتبار لمهنة التدريس؟ الإجابة واحدة: غياب تام لأي رؤية استراتيجية، واكتفاء بردود أفعال لحظية تنتهي بمجرد أن تختفي الواقعة من دائرة الضوء الإعلامي.

 

نمط متكرر وصمت مؤسسي فاضح

 

الدكتورة سماح عبد الغني، أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس، تؤكد أن العنف في المدارس بالشكل والحجم الذي يتواجد عليه اليوم يعد من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات التعليمية في مصر، بل هو مؤشر يدل على خطورة واقع يعيشه المجتمع بأكمله. وتشدد على أن التعامل مع هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة التي يقع على عاتقها الدور الأكبر في تهيئة وإعداد نشء سوي وصالح.

 

ما يثير القلق الشديد هو تكرار السيناريو نفسه في كل واقعة: اعتداء وحشي، انتشار على مواقع التواصل، غضب نقابي وشعبي، ثم تحرك رسمي متأخر ينتهي بعقوبة فردية. هذا النمط يكشف بوضوح أن الدولة تتعامل مع الأزمة كحوادث معزولة وليست ظاهرة منظومية تحتاج إلى إصلاح جذري. لماذا يصل طالب إلى حد استخدام سلاح أبيض ضد معلمته؟ ما الذي يدفع ولي أمر للاعتداء على معلم أمام طلاب المدرسة؟ هذه الأسئلة تبقى دون إجابات حقيقية، بينما تستمر وزارة التربية في إصدار قرارات عقابية تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي أكثر من معالجة الأزمة.

 

الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، يشير إلى أن العنف يجب أن يُعالج على مستوى المجتمع وليس داخل المدرسة فقط، مؤكداً أن دور المدرسة وحده ليس كافياً لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة. ويحذر من أن استمرار غياب المعالجة الشاملة سيؤدي إلى تحول العنف ضد المعلمين من حالات فردية إلى ثقافة مجتمعية مقبولة، وهو ما يمثل كارثة حقيقية.

 

الثمن الفادح: معلمون مرعوبون وجيل يتربى على العنف

 

التكلفة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تقتصر على الأضرار الجسدية والنفسية للمعلمين المعتدى عليهم، بل تمتد إلى تدمير العملية التعليمية برمتها. معلم يعيش في خوف دائم من طلابه أو أولياء أمورهم لن يستطيع أداء مهمته التربوية بفعالية. الطالب الذي يشهد اعتداءً على معلمه يتعلم درساً خطيراً: العنف وسيلة مقبولة لتحقيق المطالب، والسلطة يمكن كسرها بالقوة. هذا الدرس المدمر يُغرس في عقول الأطفال داخل الفصول، ليتحولوا إلى أفراد يمارسون العنف كأسلوب حياة في المستقبل.

 

الدكتورة سماح عبد الغني تطالب بعودة المدارس لسابق عهدها من حيث الانتظام في اليوم الدراسي وتعزيز الأنشطة المدرسية، مؤكدة أن الطلاب الذين يشاركون في أنشطة منتظمة أقل عرضة للانخراط في العنف. وتدعو إلى توفير أنشطة رياضية لتفريغ الطاقة الزائدة، وعودة مسرح المدرسة، وتنظيم رحلات لتعزيز الروابط الاجتماعية، إلى جانب استخدام التكنولوجيا في المتابعة والحماية داخل المدرسة.

 

المفارقة المرعبة أن هذه الاعتداءات تحدث في مجتمع كان يضرب المثل في تبجيل المعلم، حيث كانت عبارة "من علمني حرفاً صرت له عبداً" تجسد النظرة الاجتماعية للمعلم. اليوم، تحول المعلم إلى كبش فداء لكل إخفاقات المنظومة، يُحمّل مسؤولية ضعف التحصيل والانحرافات السلوكية، بينما يُحرم من أبسط أدوات الحماية والدعم. هذا التحول الخطير يتطلب حملة وطنية شاملة لإعادة الاعتبار للمعلم، ليس بالشعارات والخطب الرنانة، بل بإجراءات ملموسة تبدأ بتحسين أوضاعه المادية، وتعزيز صلاحياته، وتوفير الحماية القانونية والأمنية الفورية له.

 

الدكتور خالد محمود عبد الوهاب يطالب بضرورة استعادة هيبة المعلم التي تكاد تكون انتهت، مشيراً إلى أهمية وجود قانون رادع للطلاب مثل الفصل أو الغرامة المالية الكبيرة لمن يقوم بتصرفات غير لائقة أو أعمال شغب وعنف. ويؤكد أن الحلول الأمنية والإجراءات العقابية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تُستكمل بمنظومة متكاملة من الدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة بناء العلاقة بين المعلم والطالب والأسرة على أسس من الاحترام المتبادل والثقة.

 

النقابة العامة للمهن التعليمية تقوم بدور محمود في متابعة القضايا قضائياً وتوفير الدعم القانوني والمعنوي للمعلمين المعتدى عليهم، لكن جهودها تبقى محدودة في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الأزمة. الدولة مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة في حماية المعلمين، ليس فقط بالتعامل مع الحوادث بعد وقوعها، بل بمنع وقوعها من الأساس عبر إصلاح شامل للمنظومة التعليمية يعيد للمعلم مكانته ويضمن له بيئة آمنة تليق بالرسالة المقدسة التي يحملها.