قال أوفير وينتر، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بجامعة تل أبيب إنه على الرغم من قرار الحكومة "الإسرائيلية" الموافقة على صفقة الغاز مع مصر، إلا أن عبدالفتاح السيسي لم يكن متعجلاً للانضمام إلى القمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن. 

 

وأضاف في مقال نشرته صحيفة "هآرتس"، أن "هذا التردد المصري يبرز حلقة مفقودة في صياغة الوضع في غزة بعد الأزمة: ألا وهي شراكة عميقة ومتعددة الأبعاد ومنسقة بين إسرائيل ومصر، لا تقتصر على تنسيق أمني دقيق فحسب، بل تشمل إطارًا استراتيجيًا مستمرًا".

 

وتستند وجهة نظر وينتر إلى ورقة بحثية نشرتها وحدة الأمن السياسي التابعة لمعهد ميتفيم ومؤسسة بيرل كاتزنيلسون بعنوان: "مصر: شريك لا غنى عنه في استقرار قطاع غزة في اليوم التالي للحرب".

 

وأوضح الباحث أنه "من وجهة نظر إسرائيل، تكمن أهمية هذه الشراكة في المقام الأول في الموقع الجغرافي: فمصر تشترك في حدود مع قطاع غزة، ولديها نفوذ مباشر، وخبرة متراكمة كوسيط. ولذلك، فهي تتمتع بقدرة فريدة على المشاركة في قيادة عملية استقرار وإعادة إعمار غزة، وفقًا للخطة الشاملة التي قدمتها إلى جامعة الدول العربية في مارس 2025، والتي حظيت بدعم عربي وإسلامي ودولي واسع".

 

ليست مجرد وساطة

 

على الصعيد الأمني، أشار وينتر إلى أن إسرائيل ومصر تتشاركان مصلحة واضحة: "إضعاف حماس، وتحييد قدراتها العسكرية، والحد من حدة القتال". 

 

ولفت إلى أن معارضة القاهرة لاستمرار حكم حماس، اشتدت بعد عامين من الحرب التي ألحقت أضراراً اقتصادية وأمنية جسيمة بمصر، تمثلت في تضرر حركة التجارة في قناة السويس (بقيمة تجاوزت تسعة مليارات دولار)، وتضرر قطاع السياحة، وتأجيج عمليات التطرف الداخلي والإقليمي.

 

استعدادًا لليوم التالي، ذكر وينتر أن مصر والأردن دربتا مئات من ضباط الشرطة الفلسطينيين على مدى أشهر للمساعدة في تشكيل حكومة بديلة لحماس. وفي الوقت نفسه، أبدت القاهرة استعدادًا مبدئيًا للمشاركة في قوة دولية لتحقيق الاستقرار، تُعنى بفرض النظام العام وسدّ الفراغ السياسي في قطاع غزة. 

 

لكنه أوضح أن مصر تضع شروطًا: يجب أن تكون هذه القوة محددة المدة، وجزءًا من إطار سياسي ملزم يُفضي في نهاية المطاف إلى حل الدولتين، لا أن تكون "قوة شرطة" تحل محل الجيش الإسرائيلي، وتحارب حماس، وتُصوَّر كقوة احتلال.

 

محور فيلادلفيا ومعبر رفح

 

حتى في قضية الحدود الحساسة، ولا سيما محور فيلادلفيا ومعبر رفح، أكد الباحث أن مصر تدرك أن الوضع الذي كان سائدًا قبل السابع من أكتوبر لن يعود إلى طبيعته. وهي تُقرّ بحاجة "إسرائيل" إلى الحد من التهريب، وخلال الحرب ناقشت مع "إسرائيل" والولايات المتحدة حلولاً تقنية وهندسية، بما في ذلك إنشاء حاجز جديد (مثل جدار طيني مزود بأنظمة استشعار) لرصد محاولات التهريب تحت الأرض.

 

وشدد على أهمية الشراكة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة لصالح سكانه، "فإلى جانب الاعتبارات الإنسانية، قد يُسهم الانخراط المصري في إعادة الإعمار في تعزيز حكومة بديلة لحماس، ويخدم مصلحة مشتركة تتمثل في الاستقرار والسلام والأمن". 

 

وذكر وينتر أن خطة إعادة الإعمار المصرية، التي تُنفذ على ثلاث مراحل خلال خمس سنوات تقدم حلولاً لقضايا رئيسة، تشمل: الإسكان، وإزالة الأنقاض، وهدم المباني المهجورة، وتجهيز الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، وبناء المدارس والعيادات.

 

وفيما تُبدي القاهرة استعدادها أيضًا لتكون بمثابة "البوابة المدنية والاقتصادية" لغزة على العالم الخارجي، بما يُقلل من اعتماد القطاع على إسرائيل. ويمكن لبعض البنى التحتية التي طُوّرت في سيناء خلال السنوات الأخيرة أن تخدم القطاع، مع مراعاة بعض التعديلات، مثل: إمدادات المياه والكهرباء من محطات تحلية المياه ومحطات توليد الطاقة في سيناء، وطريق للاستيراد والتصدير عبر موانئ ومطار العريش، وإمكانية إنشاء مناطق صناعية وتجارية على حدود غزة-سيناء، ما سيُوفر آلاف فرص العمل. كما تُبدي مصر استعدادها للمساعدة في تطوير حقل "مارين" للغاز قبالة سواحل غزة، مع دمجه في سوق الطاقة الإقليمية.

 

معركة الوعي


علاوة على ذلك، يرى تقدم أن دور مصر المحتمل يمتدّ ليشمل بُعد الوعي. فالقاهرة تمتلك خبرة طويلة، تخللتها أحيانًا معارك دامية، في النضال ضد الحركات المتطرفة، بدءًا من جماعة الإخوان المسلمين وصولًا إلى داعش. ومن منظورها، لا تُعدّ حماس قوة عسكرية فحسب، بل حركة فكرية أيضًا، ولذا فإن إضعافها يتطلب حملةً للتوعية. 

 

من هنا، أبرز الباحث إمكانية تبنّي نماذج نُفّذت بنجاح في مصر ضمن عمليات مكافحة التطرف المزمعة في غزة، ولا سيما الجمع بين التدابير الأمنية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تغيير الخطاب في الخطب والإعلام والنظام التعليمي.

 

إلى جانب مزايا هذه الشراكة، فإنه رأى أن الطريق إليها محفوف بالخلافات. ويتمثل الخلاف الرئيس في الموقف تجاه السلطة الفلسطينية. 

 

وأوضح أنه بينما يسعى نتنياهو منذ سنوات إلى إضعاف السلطة، ترى مصر أنها الكيان الشرعي الوحيد القادر على احتكار السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

 

ومن وجهة نظر القاهرة، كما ينقل الباحث، فإن البدائل - الاحتلال الإسرائيلي الجزئي أو الكامل، أو الفوضى، أو حكم العشائر، أو بقاء حماس مسيطرة على جزء من القطاع - كلها تُنذر بعدم استقرار سيمتد إلى الأراضي المصرية، ويُهدد أمنها القومي، ويُبدد أي أمل في التوصل إلى تسوية سياسية.

 

مع ذلك، لا تتجاهل مصر مواطن الضعف في السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية، كما يرى وينتر. وتشمل خطتها لإعادة تأهيلها مطلبًا بإجراء إصلاحات هيكلية تمهيداً لـ"سلطة فلسطينية مُصلحة": انتخابات عامة للبرلمان والرئاسة خلال عام، وتحسين الشفافية، ومكافحة الفساد، وإزالة المحتوى الضار من النظام التعليمي.

 

نزع سلاح حماس

 

ثمة خلاف آخر حول تكتيكات نزع السلاح. إذ يؤكد أن إسرائيل تتمسك بنزع سلاح حماس فورًا، طوعًا أو بالقوة، وتعتبر ذلك شرطًا أساسيًا لتحديد ما إذا كانت ستمضي قدمًا في تنفيذ خطة ترامب أم ستنظر في العودة إلى القتال العنيف. 

 

ومن الخيارات التي قد تدرسها إسرائيل، والتي قد لا تُرضي مصر، إقامة واقع مُقسّم: جزء من قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، وجزء آخر تبقى فيه حماس ذات سيادة وتعمل على استعادة نفوذها، بحسب الباحث الإسرائيلي.

 

من جهة أخرى، بين وينتر أن مصر تفضل عملية طويلة الأمد وتدريجية ومتفق عليها لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتسعى لتجنب الإكراه العسكري الذي من شأنه أن يحول حماس إلى "عامل تخريبي" ويؤدي إلى تجدد العنف. 

 

وترى مصر أن هذه العملية قد تشمل التسليم الطوعي للأسلحة إلى كيان عربي متفق عليه، ودمج عناصر حماس في آليات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب إرساء أفق سياسي. يتطلب هذا النهج الصبر، ونجاحه ليس مضمونًا، ولكنه يوفر مسارًا عمليًا لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة.

 

وقال إنه توجد ثغرات أيضًا فيما يتعلق بمدة تواجد الجيش الإسرائيلي على محور فيلادلفيا وتشغيل معبر رفح. ومع ذلك، يمكن تقدير أن مصر قد تقبل - ولو ضمنيًا - بالسيطرة الإسرائيلية المؤقتة على المناطق العازلة الأمنية وحرية العمل لإحباط التهديدات "الإرهابية"، طالما لا ينطوي ذلك على فرض حكومة عسكرية دائمة أو وضع مصر في الخطوط الأمامية للقتال.

 

ولفت إلى أنه بإمكان إسرائيل ومصر التوصل إلى حل وسط قائم على اتفاقيات دنيا، تشمل تطبيقًا صارمًا لنزع سلاح قطاع غزة ومنع تهريب الأسلحة، بمساعدة قوة الاستقرار الدولية القائمة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. 

 

وبهذه الطريقة، ستكون مصر شريكًا أساسيًا في آلية التنفيذ، وستُدار المعابر الحدودية بين غزة ومصر تحت إشراف دولي دقيق، وستُنقل المسؤولية المدنية والأمنية في القطاع تدريجيًا إلى السلطة الفلسطينية، شريطة أن تُثبت قدرتها على التنفيذ والتزامها الجاد بتعزيز عمليات الإصلاح ومكافحة التطرف، وفق قوله.

 

ثمن الشراكة 


مع ذلك، أكد الباحث أن طريق الشراكة مع مصر ليس خاليًا من العقبات، لكن التخلي عنه قد يكون مكلفًا: فالخيار ليس بين الشراكة واستمرار الوضع الراهن، بل بين تطوير رؤية استراتيجية مشتركة لمستقبل قطاع غزة وبين صراع متعدد الأبعاد في غياب الاتفاقات، في ظل سيناريوهات احتلال غزة، أو قيام حكومة عسكرية إسرائيلية، أو عودة حماس إلى السلطة.

 

إذا انهار وقف إطلاق النار واستؤنف القتال، سيزداد التوتر بين إسرائيل ومصر، وستعود المخاوف المصرية بشأن تأثير الوضع في غزة على أمنها واقتصادها إلى الظهور، وفق تحذيره. 

 

من وجهة نظر مصر، أبرز وينتر التهديد الأخطر الذي يتمثل في تدفق استباقي أو مستقل للاجئين الفلسطينيين نحو حدودها: وهو سيناريو قال إنه قد يسمح للعناصر "الإرهابية" بالتسلل إلى أراضيها، ونقل "المقاومة" إلى سيناء، وتقويض الاستقرار الأمني، بل وحتى خلق انطباع بمحاولة "حل" القضية الفلسطينية على حسابها.

 

علاوة على ذلك، قال وينتر إن القاهرة تتابع بقلق ما تعتبره استمرارًا للسياسة الإسرائيلية في التمييز بين غزة والضفة الغربية تحت غطاء وقف إطلاق النار، دون أي أفق لعودة السلطة الفلسطينية. 

 

وأشار إلى أن هذا الواقع يُبعد الحلول المستقرة في غزة، ويُمكّن حماس من إعادة بناء قدراتها العسكرية وحكمها المدني، والتهرب من عملية نزع السلاح النووي.

 

وحذر الباحث من أن تجنب الشراكة مع مصر قد يؤدي إلى زيادة الضغط الإقليمي والدولي على إسرائيل وتعميق عزلتها. وتعمل مصر مع جهات فاعلة أخرى لتعزيز عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة وإيجاد مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية، وهي مواقف تحظى بإجماع دولي واسع، كما يتضح من قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي أقر خطة ترامب.

 

وتوقع في حال نشوب صراع مع مصر، أن تفقد إسرائيل معظم فوائد الشراكة: فبدون مشاركة مصرية في إعادة الإعمار، ستُترك إسرائيل وحيدة تقريبًا في مواجهة الأعباء الاقتصادية والمدنية والأمنية في قطاع غزة. 

 

ورأى أن التقرير الذي يُفيد بمطالبة أمريكية لإسرائيل بتحمّل تكاليف إزالة الأنقاض في غزة يعتبر بمثابة إشارة تحذير في هذا السياق. في ظل هذا الواقع، يُتوقع مواجهة صعوبات جمّة في تحقيق الاستقرار في غزة، إلى جانب تآكل الموارد الاقتصادية وتضرر مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية.

 

وفي المقابل، تُعدّ الشراكة مع مصر، مع سعيها لتقريب وجهات النظر، عنصرًا أساسيًا في أي خطة تهدف إلى إرساء نظام مستدام في غزة وفي النظام الإسرائيلي الفلسطيني. فهي تُتيح تقاسم المسؤولية، وتُسهم في إضعاف حماس، وتُعزز الثقة في علاقات السلام بين إسرائيل ومصر..

https://www.haaretz.co.il/blogs/mitvim/2025-12-31/ty-article-magazine/0000019b-54b2-d2b2-affb-56fed0a10000