في مشهد عبثي يكشف عن عمق المأساة التي تعيشها منظومة الصحة وحقوق الإنسان في مصر، استيقظ أهالي مدينة البدرشين بالجيزة على "انتفاضة هروب" جماعية لأكثر من 200 شاب من داخل إحدى المنشآت التي تطلق على نفسها "مصحة لعلاج الإدمان". الواقعة التي وثقها مقطع فيديو انتشر كالنار في الهشيم، لم تكن مجرد فرار من مكان احتجاز، بل كانت صرخة إدانة مدوية في وجه حكومة تركت مواطنيها فريسة لـ "بيزنس العلاج الوهمي"، ولا تتحرك أجهزتها الرقابية إلا بعد وقوع الكارثة وافتضاح الأمر على الملأ.
الفيديو أظهر مئات الشباب يركضون في الشوارع بملابس رثة وهيئات مذعورة، مستغيثين بالمارة وموثقين شهادات عن "حفلات تعذيب" ممنهجة، وتجويع وصل حد الاكتفاء بـ "رغيفين محشوين بالجبن" طوال اليوم. وبينما سارعت الأجهزة الأمنية –كعادتها– للإعلان عن تشكيل لجان تفتيش "طارئة" لملاحقة مراكز بير السلم في المريوطية وشبرامنت، يبقى السؤال الذي يطرحه المراقبون: أين كانت هذه الدولة "اليقظة" حينما تحولت تلك الأوكار إلى سجون خاصة تُدار بالسوط والتجويع؟
الجريمة الطبية: "سلخانات" تحت لافتة العلاج
لم تكن صرخات الشباب الهاربين من "الجوع والضرب" سوى رأس جبل الجليد لفساد ينخر في جسد المنظومة العلاجية. فما حدث في البدرشين ينسف الدعاية الحكومية المستمرة حول الإنجازات في ملف الصحة، ويؤكد أن الرقابة غائبة تمامًا.
وفي تعليق على هذا النمط من الانتهاكات، يرى أستاذ الطب النفسي الشهير د. أحمد عكاشة، أن ما يحدث في مثل هذه الأماكن لا يمت للطب بصلة، بل هو "جريمة مكتملة الأركان". ويشدد "عكاشة" دائمًا في تحليلاته لمثل هذه الكوارث على أن "علاج الإدمان هو عملية علمية دقيقة تستهدف استعادة التوازن الكيميائي والنفسي للمريض، أما استخدام التقييد، الضرب، أو الحرمان من الطعام كوسيلة للسيطرة، فهو ليس علاجًا بل تعذيب يؤدي إلى تدمير الجهاز العصبي للمريض بدلًا من تعافيه، ويحوله إلى قنبلة موقوتة، وهو ما يثبت فشل الدولة في توفير بدائل علاجية حقيقية وآدمية".
تتقاطع هذه الرؤية مع الواقع المرير الذي كشفه الهروب الكبير؛ فالشباب أكدوا أنهم "يريدون العلاج لكنهم لا يجدونه"، ما يعكس عجز المؤسسات الرسمية عن استيعابهم، وتركهم فريسة لسماسرة الموت.
غياب الدولة: بيزنس يزدهر في الظلام
الجانب الآخر من الكارثة يتعلق بالشق الإداري والرقابي. فكيف لمنشأة تحتجز مئات البشر أن تعمل في الخفاء؟ يشير د. عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، في سياق الحديث عن المعايير الغائبة، إلى أن "البروتوكولات العلاجية المعتمدة عالميًا ومحليًا تشترط وجود فرق طبية متكاملة، ونظم تغذية محددة، ورقابة دورية". إلا أن الواقعة تثبت أن هذه البروتوكولات تظل "حبرًا على ورق" في ظل تراخي القبضة الرقابية لوزارة الصحة، التي يبدو أنها تكتفي بدور "مسجل الحوادث" بدلاً من المنظم والمراقب.
وتلتقط الخيط الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والناشطة البارزة في الدفاع عن الحق في الصحة، لتؤكد أن هذه "السلخانات" هي نتاج طبيعي لانسحاب الدولة من دورها الخدمي. وترى "مينا" أن "الفقر وتدهور الخدمات الصحية الحكومية هو ما يدفع الأهالي الغلابة للجوء إلى أماكن غير مرخصة ورخيصة، ظنًا منهم أنها طوق نجاة، ليكتشفوا أنها مقابر للأحياء". وتضيف أن "مسؤولية ما حدث في البدرشين لا تقع على صاحب المصحة وحده، بل تمتد لتشمل كل مسؤول في وزارة الصحة تقاعس عن التفتيش الدوري، وسمح لهذا البيزنس القذر بالنمو".
التواطؤ الحكومي والمساءلة القانونية الغائبة
التحرك الأمني الذي تلا الفضيحة، والذي شمل حملات على أبو النمرس والحوامدية، وصفه حقوقيون بأنه "ذر للرماد في العيون". فالحكومة التي تمتلك ترسانة من القوانين والأجهزة الأمنية، لا يمكنها الادعاء بأنها "فوجئت" بوجود هذه الأماكن.
قانونيًا، يؤكد الفقيه الحقوقي نجاد البرعي أن توصيف ما حدث لا يجب أن يقف عند حدود "إدارة منشأة بدون ترخيص". ويشير "البرعي" إلى أن "احتجاز مواطنين وتعذيبهم وتجويعهم هي جرائم جنائية جسيمة ترتقي لمرتبة (الاتجار بالبشر) و(الاحتجاز غير القانوني)". ويحمل البرعي الحكومة المسؤولية السياسية والجنائية، معتبرًا أن "الدولة التي تفشل في حماية مواطنيها من التعذيب داخل مؤسسات تدعي العلاج، هي دولة شريكة في الجريمة بالصمت والتقاعس".
وفي السياق الحقوقي ذاته، وتحت مظلة المبادئ التي طالما دافع عنها الراحل حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، فإن هذه الوقائع تعيد التذكير بمعركته الطويلة ضد أماكن الاحتجاز غير الرسمية. وتؤكد أدبيات ومواقف مدرسته الحقوقية أن "أي مكان يُسلب فيه حرية الإنسان يخضع وجوبًا لرقابة النيابة العامة والقضاء، وأن ترك هذه الأماكن لتديرها عصابات تحت مسمى (مصحات) هو انتهاك صارخ للدستور". إرث أبو سعدة الحقوقي يصرخ اليوم بأن الكرامة الإنسانية لا تسقط عن المدمن، وأن الدولة ملزمة بمعاملته كمريض لا كمجرم أو عبد، وهو ما ضربت به إدارة مصحة البدرشين – ومن خلفها الحكومة المتراخية – عرض الحائط.

