قال "أفريكان سكيورتي اناليسيس"، إن قرار "إسرائيل" بالاعتراف بأرض الصومال مدفوعٌ بحسابات استراتيجية متعددة.
وأوضح أنه من الناحية الجغرافية، تحتل أرض الصومال موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية على مضيق باب المندب في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، والذي يُعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وشحنات الطاقة، بما فيها النفط والغاز، التي تنتقل بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وأشار إلى أنه في السنوات الأخيرة، هدد عدم الاستقرار في اليمن وهجمات الحوثيين المدعومين من إيران على السفن هذا الطريق، لافتًا إلى أنه ومن خلال توطيد العلاقات مع أرض الصومال، تكسب "إسرائيل" شريكًا على مقربة من سواحل اليمن، مما قد يتيح لها الوصول إلى قواعد أو موانئ من شأنها تعزيز عمليات المراقبة البحرية والأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وذكر أنه على سبيل المثال، يمكن أن يُستخدم ميناء بربرة في أرض الصومال (الذي تم تطويره باستثمارات دولية) كقاعدة انطلاق لعمليات الاستخبارات أو حتى الدعم اللوجستي العسكري ضد تحركات الحوثيين.
قرب "إسرائيل" من اليمن
ورأى التحليل، أن قرب "إسرائيل" من اليمن وسيطرتها على جزء من ساحل البحر الأحمر يمنحها موقعًا متقدمًا لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا الأمر ذو أهمية خاصة لأن "إسرائيل" انخرطت مؤخرًا في صراعات مع وكلاء إيرانيين؛ فوجود حليف بالقرب من جبهة معادية يوفر عمقًا استراتيجيًا وإمكانية إنذار مبكر.
إلى جانب الاعتبارات العسكرية المباشرة، أوضح أن هذا الاعتراف يندرج ضمن طموح "إسرائيلي" أوسع لتوسيع نفوذها الدبلوماسي. فمنذ توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020، سعت "إسرائيل" إلى إقامة تحالفات مع دول غير عربية في الشرق الأوسط وأفريقيا. ويمكن اعتبار ضم أرض الصومال إلى فلكها الدبلوماسي جزءًا من هذه الاستراتيجية، كوسيلة لكسر عزلة "إسرائيل" التقليدية في أفريقيا وكسب تأييد الحلفاء في المحافل الإقليمية.
وتابع التحليل: "وقد تأمل إسرائيل أن يؤدي بناء العلاقات مع أرض الصومال في نهاية المطاف إلى التأثير على دول أخرى في القرن الأفريقي أو تشجيعها على تعزيز علاقاتها معها (فعلى سبيل المثال، تربط إثيوبيا وكينيا علاقات غير رسمية منذ زمن طويل، كما أن للصومال نفسها اتصالات مع إسرائيل مرتبطة بالحوثيين)".
أما على الصعيد الاقتصادي، رأى التقرير أن "إسرائيل" قد تفتح أمامها طرقًا تجارية جديدة عبر أرض الصومال، ولا سيما الممر عبر بربرة إلى إثيوبيا غير الساحلية، ما قد يربط السلع والتكنولوجيا "الإسرائيلية" بأسواق شرق أفريقيا. وقد سبق لـ "إسرائيل" أن قدمت خبراتها في الزراعة وإدارة المياه للعديد من الدول، ومن شأن شراكة رسمية أن تفتح هذه القنوات.
تقويض وحدة أراضي الصومال
مع ذلك، رأى أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر جسيمة. فمن خلال تقويض وحدة أراضي الصومال، أطلقت "إسرائيل" العنان لتوترات قد تُزعزع استقرار القرن الأفريقي. فالحكومة المركزية الصومالية هشة ولا تزال تُحارب حركات التمرد الجهادية؛ ويُهدد نزاع إضافي حول الشمال بتحويل الموارد المحدودة.
وقال التقرير إن ثمة مخاوف من أن يرد قادة الصومال بمزيد من قطع العلاقات مع "إسرائيل"، أو حتى مع الدول العربية المعتدلة المتحالفة معها، وبتجميع الفصائل الداخلية تحت راية قومية. وفي أرض الصومال نفسها، قد يضطرب الوضع الراهن الهادئ الذي ساد لفترة طويلة.
لكنه توقع أن تنشأ حركة احتجاجية بين القبائل التي تُؤيد الوحدة مع الصومال، أو بين العناصر الإسلامية التي تُعارض العلاقات مع "إسرائيل". ومن المُحتمل أن تُحاول الصومال فرض سيطرتها عسكريًا أو عبر قوات وكيلة في شرق أرض الصومال (منطقتي سول وسناج، اللتين تُطالب بهما كلتا الإدارتين) - على الرغم من أن هذا من شأنه أن يُنذر بصراع مفتوح مع أحد الأجزاء القليلة المستقرة نسبيًا في الصومال.
التنافس بين القوى الإقليمية
وعلى مستوى المنطقة الأوسع، رجح التقرير أن تُؤدي هذه الخطوة إلى تكثيف التنافس بين القوى الإقليمية. فعلى سبيل المثال، قد تجد إثيوبيا، التي لها مصالح أمنية في استقرار أرض الصومال، وعلى الرغم من أن "إسرائيل" ربما لم تكن تنوي بشكل مباشر الإضرار بالتعاون ضد التهديدات المشتركة (فالصومال وإسرائيل تشعران بالقلق إزاء عدم الاستقرار والإرهاب)، والعداء المتزايد قد يعقد مثل هذه العلاقات الأمنية.
فيما رأى أن ردّ الاتحاد الأفريقي القوي ويُسلّط الضوء على مصدر قلق استراتيجي آخر: وهو إمكانية استناد جماعات انفصالية أخرى في أنحاء أفريقيا إلى هذه السابقة. فأفريقيا تضمّ العديد من الحركات الانفصالية النشطة أو المحتملة، والتي غالبًا ما ترتبط بمظالم تاريخية.
وقال إن رفض الاتحاد الأفريقي الاعتراف بأرض الصومال يعكس الخشيةً من أنه إذا بدأ المجتمع الدولي بالاعتراف بحركة انفصالية واحدة، فقد ترى حركات أخرى - من كازامانس في السنغال إلى الكاميرون الناطقة بالإنجليزية إلى مناطق مختلفة من الساحل- مبررًا لمساعيها الانفصالية.
ويُولي الاتحاد الأفريقي اهتمامًا خاصًا لحرمة الحدود، لذا قد يُؤدي ذلك إلى مزيد من الضغط لمعالجة هذه الصراعات.
واعتبر أنه من الناحية العملية قد تشعر الدول التي تواجه تمردات داخلية بالاستياء من اعتراف الغرب باستقلال أرض الصومال بينما لا تزال هي تعاني من القمع. وقد استند بيان الاتحاد الأفريقي إلى قرار الاتحاد الأفريقي لعام 1964 باحترام الحدود الموروثة، مُشيرًا إلى أن الاتحاد لن يقبل أي شيء يُخالف ذلك.
استثمارات إسرائيلية في مجال الزراعة
على الصعيدين الإنساني والاقتصادي، استبعد التقرير أن يحقق اعتراف "إسرائيل" وحده مكاسب فورية لأرض الصومال. فمن جهة، قد تجذب هذه الشراكة الجديدة بعض الاستثمارات أو المساعدات التقنية "الإسرائيلية"، على سبيل المثال في مشاريع الزراعة أو البنية التحتية، وهي مجالات تتمتع فيها إسرائيل بخبرة واسعة.
ومن المرجح أن تسعى قيادة أرض الصومال إلى حثّ الجهات المانحة الدولية وبنوك التنمية على أخذ هذا "الإنجاز الدولي" بعين الاعتبار، على أمل استغلاله للحصول على مساعدات أو قروض. ولكن عمليًا، ستظل معظم المؤسسات متعددة الجنسيات والحكومات الغربية تتعامل مع السلطات المركزية في الصومال أو مع أرض الصومال فقط بموافقة مقديشو، كما يقول التحليل.
وتوقع التقرير أن يتوخي المانحون الغربيون الحذر، خشية انتهاك سيادة الصومال أو تمويل منطقة تُعتبر الآن كيانًا انفصاليًا. وقد تشهد أرض الصومال إلغاء بعض برامج المساعدات أو تأجيلها، في انتظار توضيح الوضع السياسي. أما بالنسبة للمواطنين، فمن المرجح أن تكون الفوائد المباشرة رمزية (شعور بالاعتراف) وليست مادية.
بينما رأى أن الوصول إلى الدعم الدولي لا زال محدودًا، "إذ لا تستطيع أرض الصومال الانضمام إلى صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي كعضو مستقل، ولا تزال تعتمد على الترتيبات الثنائية".
من الناحية الاقتصادية، قال التقرير إن الأصول الحقيقية في أرض الصومال - ميناؤها واستقرارها النسبي – كانت تجذب بالفعل اهتمام المستثمرين (بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والصين). ولا يُؤدي اعتراف "إسرائيل" بها تلقائيًا إلى زيادة هذا الاهتمام، وقد يتريث بعض المستثمرين لمراقبة تطورات النزاعات الدولية الأوسع نطاقًا.
ومع ذلك، رجح أن تشجع إقامة علاقات رسمية مع "إسرائيل" بعض الشركات "الإسرائيلية" الخاصة على دراسة الاستثمار في أرض الصومال؛ فقد أبدت شركات "إسرائيلية" اهتمامًا بالأسواق الأفريقية سابقًا. ومع ذلك، من المرجح أن تعتمد أي صفقات بنية تحتية واسعة النطاق على تمويل متعدد الأطراف (وهو أمر غير مرجح في ظل الاعتراف الأحادي) أو على الدول الداعمة لأرض الصومال. على أي حال، قد تكون موارد إسرائيل وقدراتها محدودة نظرًا لأولوياتها الأخرى (التهديدات الأمنية الداخلية والتزاماتها الخارجية).
ووصف هذه الخطوة بأنها تبدو محدودة الدعم من جهات فاعلة عالمية رئيسة أخرى، مما يعيق تأثيرها العملي، إذ يبدو أن "إسرائيل" كانت تأمل في أن يشجع ضم أرض الصومال إلى الاتفاقيات الإبراهيمية دولًا أخرى على الاقتداء بها، لكن لم تنضم أي دولة أخرى حتى الآن.
بل على العكس، أوضح أن رد فعل حتى أقرب حلفاء "إسرائيل" في المنطقة وخارجها كان فاترًا أو سلبيًا. وقد خالفت إدارة ترامب في الولايات المتحدة "إسرائيل" صراحةً في هذا الشأن، رافضةً الاعتراف بأرض الصومال ومؤكدةً على وحدة الصومال؛ بينما ظلت إدارة بايدن (التي تولت السلطة في يناير 2025) ملتزمةً بهذا الموقف.
وقال إنه لم تتخذ دول أخرى شريكة في الاتفاقيات الإبراهيمية، مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين، أي خطوات نحو الاعتراف. ونتيجةً لذلك، يقف إعلان إسرائيل وحيدًا إلى حد كبير، فبدون دعم دولي إضافي، ستكون الفائدة الدبلوماسية لأي من الطرفين رمزية في الغالب. ولن تحصل "إسرائيل" على مقعد لأرض الصومال في مجلس الأمن، ولا يمكنها الاعتماد على أصوات جديدة هناك.
https://www.africansecurityanalysis.com/reports/implications-of-israel-s-recognition-of-somaliland-s-independence

