تحولت الوعود الحكومية "البراقة" بصرف حافز تدريس شهري بقيمة 1000 جنيه للمعلمين إلى كابوس بيروقراطي متكرر، يكشف عن هوة شاسعة بين القرارات الإعلامية والواقع المؤلم داخل الإدارات التعليمية. فبينما تتغنى وزارة التربية والتعليم بقرار رئيس الوزراء رقم 4094 لسنة 2025 لتحسين أوضاع المعلمين، يجد المدرسون أنفسهم عالقين في دوامة لا تنتهي من "تخليص الورق" وجمع الإمضاءات كل شهر، للحصول على حقهم الذي أصبح أشبه بـ"المنحة المستحيلة" وليس الحافز المستحق.

 

الأزمة لم تعد مجرد تأخير في الصرف، بل تحولت إلى "إذلال ممنهج" للمعلم الذي يقضي وقته بين المكاتب الإدارية والوحدات الحسابية بدلاً من الفصول الدراسية، مطارداً "أوهام" الصرف الفوري التي تروجها البيانات الرسمية، بينما الواقع يؤكد أن الحافز لم يصل لجيوب آلاف المستحقين حتى الآن.
 

 

دوامة "الورق والإمضاءات": الحافز مشروط بـ"الروتين"

 

رغم توجيهات الوزارة بدمج الحافز مع الراتب لضمان انتظام الصرف، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تعقيدات إدارية "مقصودة". فالمعلمون يشتكون من اشتراط الإدارات تقديم "كشوف استحقاق" شهرية، ومراجعات لا تنتهي للنصاب القانوني للحصص، ونسب الحضور، وتقارير الكفاءة، في عملية روتينية معقدة تستنزف الوقت والجهد.

 

هذا "الروتين القاتل" جعل صرف الحافز رهينة لمزاجية الموظفين الإداريين وسرعة إنجازهم للأوراق، حيث يتطلب الأمر الحصول على عشرات التوقيعات من مدير المدرسة وشؤون العاملين والتوجيه المالي والإداري كل شهر، وكأن المعلم "متهم" حتى يثبت استحقاقه، وليس موظفاً يؤدي واجبه. هذا العبء الإضافي حول "مكافأة" الألف جنيه إلى "عقاب" نفسي وبدني للمعلم.
 

 

تناقضات الوزارة: "صرفنا" في الإعلام.. و"لسه" في المدارس

 

المفارقة الصارخة تكمن في التناقض بين تصريحات المسؤولين وشكاوى الميدان. فوزارة التعليم تؤكد في بياناتها المتكررة أنها وجهت بسرعة الصرف وأن وزارة المالية وفرت الاعتمادات، بل وتزعم أن الصرف بدأ بالفعل مع رواتب نوفمبر. ولكن على الأرض، تنهال الشكاوى من مديريات تعليمية بأكملها لم تتسلم مليماً واحداً، أو صرفت شهراً وتوقفت، أو صرفت للبعض دون الآخر.

 

الخطابات الرسمية المتداولة حول "وقف الصرف لحين إعادة الدراسة" زادت الطين بلة، ورغم نفي الوزارة وتأكيدها أن الوقف يخص فئات محددة (مثل معلمي التكنولوجيا التطبيقية)، إلا أن حالة الضبابية وعدم الثقة باتت سيدة الموقف، مما جعل المعلمين يشعرون أنهم ضحية "لعبة توازنات" مالية تهدف لتأخير الصرف قدر الإمكان لتقليل العجز في الموازنة على حسابهم.

 

 

الشروط التعجيزية: حافز "على الورق" فقط

 

لم تكتفِ الحكومة بالبيروقراطية، بل وضعت شروطاً تعجيزية تفرغ الحافز من مضمونه. اشتراط "النصاب الكامل" للحصص وتوقيع 18 يوماً على الأقل، وربط الصرف بتقارير الكفاءة (مرتبة كفء)، يعني حرمان قطاع واسع من المعلمين لأسباب قد تكون خارجة عن إرادتهم (مثل الإجازات المرضية أو العارضة). كما أن استبعاد فئات كاملة (مثل الأخصائيين كما ذكرنا سابقاً) وخصم 50% من الحافز في حالة الغياب، يحوله من أداة تحفيز إلى "سيف مسلط" على رقاب المعلمين، يهدد استقرارهم المالي بدلاً من دعمه.

 

في النهاية، يبدو أن حافز "الألف جنيه" لم ينجح في حل أزمة المعلمين المعيشية، بل أضاف إليها أزمة "كرامة" جديدة، حيث يقف المعلم "دايخاً" في طوابير المصالح الحكومية، متسولاً حقه الذي أقرته الدولة "نظرياً" وسحقه الروتين "عملياً".