في موجة جديدة تعيد للأذهان سيناريوهات التسعينييات، تصدرت المشهد الإعلامي مؤخراً ظاهرة الاحتفاء بـ"المراجعات الفكرية" لشباب خرجوا حديثاً من المعتقلات. الظاهرة التي تُقدم في غلاف "تجديد فكري" وثقافي، يراها مراقبون مجرد "إعادة هندسة" للعقول تحت ضغط أمني، تهدف لضرب مصداقية تيار الإسلام السياسي من الداخل، وتحويل الضحية إلى شاهد إثبات ضد نفسه ورفاقه، في وقت تواصل فيه السلطة استخدام ملف المعتقلين كورقة ضغط ومساومة، دون حل جذري لأزمة الآلاف القابعين خلف القضبان.
هذه الحملة، التي تتزامن مع إفراجات محدودة وانتقائية في أواخر 2025، تعتمد على استراتيجية مزدوجة: "شيطنة التنظيم" بألسنة أبنائه السابقين، و"تلميع التائبين" عبر منابر إعلامية رسمية وشبه رسمية، لتصدير صورة النظام "الأبوي" الذي يحتضن العائدين، بينما هو في الحقيقة يعيد تدويرهم كأدوات في ماكينته الدعائية.
صناعة "البطل النادم": بين التوظيف الأمني والتناقض الإعلامي
تبرز في هذا السياق حالة شاب أفرج عنه بعد 11 عاماً، ليتحول بين ليلة وضحاها إلى كاتب في صحف قومية كالأهرام، ومنصات محسوبة على النظام. المفارقة التي رصدها مراقبون تكمن في الارتباك الواضح في الخطاب الإعلامي الموالي، كما ظهر في مقالات بموقع الصحفي مصطفى بكري. فالكتّاب يتأرجحون بين وصف هؤلاء الشباب بـ"المخدوعين الأبرياء" تارة، وبين ربطهم بـ"الخلايا النوعية المسلحة" تارة أخرى لتأكيد إجرام الجماعة، دون حسم: هل هم ضحايا يجب احتضانهم أم "إرهابيون" يجب الحذر منهم؟
وفي هذا الصدد، يشير الدكتور خليل العناني، أستاذ العلوم السياسية والخبير في حركات الإسلام السياسي، إلى أن: "ما نراه ليس مراجعات فكرية بالمعنى الأكاديمي أو الشرعي الذي حدث في السبعينيات، بل هو ’إذعان قسري‘. النظام لا يريد أفكاراً جديدة، بل يريد ’صكوك براءة‘ لنفسه وإدانة لخصومه. توظيف معتقلين سابقين لجلد الذات علناً هو تكتيك أمني قديم لإحداث صدمة نفسية داخل قواعد التنظيم، لكنه يفقد مصداقيته سريعاً بسبب التناقض الفج بين القول بانتهاء الجماعة والتحذير المستمر من خطرها."
ويضيف العناني أن الاحتفاء المبالغ فيه بشاب قضى عقداً في السجن ثم يخرج ليلعن ماضيه في صحف السلطة، يطرح تساؤلات حول الثمن المدفوع لهذه "الحرية المشروطة".
"سيدز" والأهرام: واجهات ثقافية لمشاريع أمنية
لم تقتصر الحملة على المقالات الفردية، بل امتدت لتشمل مراكز بحثية مثل "سيدز" (SEEDS) التي تعقد ندوات حول "التجديد"، يرى فيها نشطاء امتداداً لسياسات "غسيل الدماغ". ففي صحيفة الأهرام، انبرى كاتب (كان يوماً عضواً طلابياً بالجماعة) لتعميم تجربة فردية وإسقاطها على تنظيم كامل، مستخدماً مصطلحات دينية (القيم، الرسالة) لانتقاد "توظيف الدين"، في مفارقة تكشف هشاشة الطرح الفكري.
يعلق المهندس والإعلامي نور عبد الحافظ على هذه الظاهرة عبر حسابه، مشيراً إلى انتقائية النقد الموجه للإخوان مقارنة بتيارات أخرى كاليسار أو الوفد. ويرى عبد الحافظ أن جاذبية نقد الإخوان تنبع من كونها "مادة دسمة" لجذب القراء، لكنه يتساءل عن سر تجاهل إخفاقات التيارات الأخرى التي شاركت في "حرق العجين" السياسي، مؤكداً أن الجماعة كتيار اجتماعي لا يمكن اختزالها في تجارب فردية، مهما حاول الإعلام تضخيمها.
الخيانة باسم "المراجعة": تحذيرات من "خناجر مسمومة"
في المقابل، حذر أكاديميون من خطورة تحول الاختلاف الفكري إلى عمالة للأجهزة الأمنية. الدكتور عصام عبد الشافي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وصف عبر حسابه على "إكس" بعض هؤلاء "المتراجعين" بأنهم يتحولون إلى "خناجر مسمومة" تعمل لصالح الاستبداد، مشيراً إلى أن النظام يستخدمهم كأدوات مؤقتة للتفكيك والتخريب، ثم يلقي بهم "في أقرب مزبلة" بمجرد انتهاء دورهم.
ويؤكد عبد الشافي أن الاختلاف مع الإخوان حق مكفول، لكن "الخيانة" والتحول لأداة في يد الجلاد لتشويه الرفاق هو ما يثير الريبة، خاصة حينما يتزامن مع عودة مفاجئة من الخارج تحت شعارات وطنية زائفة، سرعان ما تتكشف عن فراغ معلوماتي ووظيفي.
ويتفق معه الحقوقي خلف بيومي، مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان، الذي يرى أن استمرار اعتقال الآلاف من القيادات والرموز يكذب سردية "التسامح" التي يروجها النظام عبر هؤلاء الشباب. ويؤكد بيومي أن "أي مراجعة تتم داخل أسوار السجن أو تحت تهديد المتابعة الأمنية هي باطلة وفاقدة للأهلية، وما يجري هو عملية ابتزاز سياسي رخيصة تستخدم معاناة المعتقلين لتلميع صورة النظام خارجياً."
في المحصلة، تبدو "موضة المراجعات" الحالية أشبه بمسرحية رديئة الإخراج، يحاول فيها النظام ستر عورة القمع بورقة توت "ثقافية"، مستغلاً يأس بعض الشباب ورغبتهم في النجاة، ليعيد إنتاج سيطرته، ليس فقط على الأجساد، بل على الذاكرة والرواية التاريخية.

