اعتقال ستة سعوديين بينهم ثلاثة من أبرز وجوه السوشيال ميديا – فلاح المسردي، فهد الرويس، وسلطان العطوي – بتهمة “استهداف تأجيج الرأي العام” يكشف مستوى جديدًا من الهلع داخل نظام محمد بن سلمان من أي صوت يمتلك جمهورًا خارج عباءة السلطة. ورغم أن هؤلاء لا ينتمون إلى معارضة منظمة ولا يحملون مشروعًا سياسيًا، فإن مجرد تعبيرهم عن رأيهم في قضايا اجتماعية واقتصادية، بينها حملات مقاطعة براندات الراجحي والاعتراض على تعثر برامج الدعم، كان كافيًا لجرّهم إلى النيابة العامة وإشهار سيف “الأمن الاجتماعي” فوق رؤوسهم. الرسالة واضحة وفجّة: في مملكة بن سلمان، عدد متابعيك قد يتحول من مصدر قوة اجتماعية إلى تهمة جنائية جاهزة.

 

ستة متهمين.. “جريمة” التأثير في الناس

 

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام أعلنت رسميًا إحالة ستة أشخاص إلى النيابة، بتهمة نشر محتوى “يستهدف تأجيج الرأي العام”، مع تعهّد بمتابعة الإجراءات وصولًا إلى المحكمة المختصة. من خلال تسريبات وبيانات منظمات حقوقية، تبيّن أن من بين الأسماء فلاح المسردي، فهد الرويس، وسلطان العطوي، إلى جانب ثلاثة آخرين لم تُذكر أسماؤهم في البيان الأول.

 

تقارير حقوقية وإعلامية ربطت بشكل مباشر بين هذه الاعتقالات وبين موجة مقاطعة الشركات والعلامات التجارية المملوكة لعائلة الراجحي، بعد تصاعد الغضب من قطع الضمان الاجتماعي وتعثر برامج الدعم للفئات الفقيرة والمتوسطة. هؤلاء المؤثرون لم يطلقوا دعوات انقلاب ولا دعوا للنزول إلى الشارع؛ كل ما فعلوه هو التعبير عن تضامنهم مع المتضررين من سياسات اقتصادية قاسية، والتفاعل مع غضب شعبي حقيقي عبر المنصات التي يتابعهم عليها ملايين السعوديين.

 

قانون للأمن أم عصا سياسية؟

 

التهمة الرسمية: “نشر محتوى يستهدف تأجيج الرأي العام”. صياغة مطاطة تكفي لابتلاع أي كلمة، من انتقاد ارتفاع الأسعار إلى مناقشة قرارات وزير، وتمنح النيابة العامة مساحة مفتوحة لتحويل كل رأي إلى خطر أمني، وكل وسم إلى مؤامرة. هذا الاستخدام الفضفاض لقوانين جرائم المعلوماتية والإعلام يجعل من كل حساب مؤثر رهينة مزاج الأجهزة الأمنية، لا لمعيار قانوني واضح ومحدد.

 

منظمات حقوقية دولية وثّقت، منذ سنوات، نمطًا متكررًا في عهد محمد بن سلمان: استخدام تهم “الإخلال بالأمن”، و“زعزعة اللحمة الوطنية”، و“التحريض عبر الشبكات” كيافطات جاهزة لإسكات أصوات متباينة تمامًا؛ من أمراء ورجال أعمال إلى دعاة ونسويات وأكاديميين وصحفيين. في هذا السياق، اعتقال صناع محتوى وترفيه لمجرد تضامنهم مع حملة مقاطعة أو نقدهم لسياسة دعم ليس حادثًا عرضيًا، بل حلقة جديدة في مشروع شامل لخنق المجال العام بالكامل.

 

من “تحديث” مزيّف إلى دولة رعب رقمية

 

يسوّق بن سلمان لنفسه في الخارج كمهندس “السعودية الجديدة”: حفلات، مواسم ترفيه، فتح المجال للسينما والحفلات الموسيقية، واستقدام نجوم الرياضة والترفيه. لكن خلف هذه الواجهة، ترسم تقارير بحثية وحقوقية صورة مغايرة تمامًا؛ دولة تُدار بالخوف، اعتقالات بالجملة، وتعذيب، ومنع سفر، وتهديد للأسر، لكل من يجرؤ على كسر الرواية الرسمية.

 

اعتقال مؤثرين اجتماعيين غير مسيّسين – نسبيًا – يوضح أن النظام لم يعد يرى خطره في “المعارض التقليدي”، بل في أي شخص قادر على تحريك المزاج العام أو فضح ظلم اجتماعي واقتصادي بلغة قريبة من الناس، ولو عبر مقطع قصير على تيك توك أو سناب شات. هذه ليست “حملة تنظيف للفوضى” كما يحاول بعض أنصار السلطة تسويقها، بل خطوة لتأديب كل من يتوهم أن بإمكانه استخدام شهرته في أي شيء يتجاوز التطبيل للسلطة أو الترويج لمشاريعها.

 

شهرة تحت فوهة النيابة: رسالة تخويف موجهة للشباب

 

المشاهير الثلاثة المعتقلون يعبّرون – بوعي أو بدونه – عن شريحة شبابية واسعة، ترى في السوشيال ميديا مساحة شبه وحيدة للتنفيس والتعليق والنقاش بعيدًا عن الإعلام الرسمي الخاضع بالكامل للتوجيه. عندما يُساق هؤلاء إلى النيابة بتهمة “تأجيج الرأي العام”، فإن الرسالة للشباب مفادها: حتى هذه المساحة الصغيرة سيتم خنقها إن تحوّلت من ترفيه فارغ إلى أداة تضامن أو غضب جماعي من سياسات الدولة.

 

في ظل غياب أي صحافة مستقلة، وبرلمان حقيقي، ومنظمات مجتمع مدني فاعلة، يتحوّل المؤثر إلى “بديل” عفوي لمنصات التعبير، ولو بشكل جزئي أو مشوّه. لذلك يتعامل النظام السعودي مع أي مؤثر يتجرأ على لمس ملفات مثل الغلاء، البطالة، تراجع الدعم، أو امتيازات العائلات النافذة كتهديد سياسي، حتى إن لم ينطق بكلمة “سياسة”.

 

نحو مجتمع مكسور الإرادة وإعلام منزوع الأسنان

 

التراكم هنا هو الأخطر: من الريتز كارلتون واعتقال أمراء ورجال أعمال، إلى سحق أصوات الدعاة والناشطات، وصولًا اليوم إلى مطاردة المؤثرين الذين يحركون هاشتاغات المقاطعة أو ينتقدون سياسات وزراء بنبرة غاضبة. في كل مرة ينجو النظام من ضغوط دولية حقيقية، يتشجع على رفع منسوب البطش، ويمضي خطوة إضافية باتجاه دولة لا مكان فيها لأي رأي مستقل، مهما كان صاحبه بعيدًا عن السياسة التقليدية.

 

في النهاية، اعتقال فلاح المسردي، فهد الرويس، وسلطان العطوي، ليس قصة “مخالفات فردية” ولا “تنظيم محتوى السوشيال ميديا”، بل رسالة رعب مكتوبة بوضوح: محمد بن سلمان يريد شعبًا لا يصنع رأيًا عامًا، ولا يقاطع، ولا يحتج، ولا يغضب، بل يصفّق ويستهلك الترفيه في صمت، بينما تتحول النيابة العامة وهيئات التنظيم إلى عصا غليظة تهوي على كل من يجرؤ على أن يكون له صوت مسموع خارج جوقة المديح الرسمية.