منذ ساعات وقف مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد على منبر المؤتمر الدولي السادس لكلية الإعلام بنين بجامعة الأزهر بعنوان "الإعلام الدعوي وبناء الإنسان"، ليعلن على الملأ "اعتزازه" بدعوة عبد الفتاح السيسي لصياغة الشخصية المصرية وتأهيل الشباب وبناء دعاة مستنيرين.
بهذا التصريح الموثق في بيانات دار الإفتاء ووسائل الإعلام الموالية، انتقل المفتي خطوة إضافية في تحويل منصب الإفتاء من مرجعية دينية للمجتمع إلى بوق رسمي في ماكينة صناعة "إنسان السيسي" المطيع، تحت لافتة تجديد الخطاب الديني وبناء الإنسان.
تفاصيل التصريح: متحدث باسم مشروع السلطة
خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، قدّم نظير عياد نفسه ليس كمفتي جمهورية يفترض أن يمثل ضميرًا شرعيًّا مستقلًّا، بل كجزء من منظومة دعاية رسمية تشيد بدور "الإعلام الدعوي" في بناء الإنسان وصون كرامته، وتربطه مباشرة برؤية النظام لبناء الوعي.
وفي ختام كلمته، قال نصًّا – وفق تغطيات صحفية وبيانات دار الإفتاء – إنه يؤكد اعتزازه بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي الداعية إلى صياغة الشخصية المصرية وتأهيل الشباب للمشاركة الفاعلة في تطوير الدولة، وإعادة تأهيل الدعاة بالثقافة الإسلامية الصحيحة، وتكوين علماء ربانيين مستنيرين لمواجهة التطرف ونشر الفهم الرشيد.
هذه العبارات ليست مجاملة بروتوكولية عابرة؛ هي اصطفاف صريح مع مشروع سياسي يعلن صراحة أنه يريد إعادة تشكيل وعي المجتمع من أعلى، مستخدمًا المؤسسة الدينية كأداة هندسة اجتماعية ناعمة تكمّل القمع الخشن في الشارع والإعلام.
شيوخ القصور: من علماء أمة إلى موظفي خدمة نظام
مشاركة المفتي في مؤتمر "الإعلام الدعوي وبناء الإنسان" جاءت ضمن حضور كثيف لقيادات دينية رسمية، بينها مسؤولون من الأزهر والأوقاف، في إطار رؤية معلنة توظف الإعلام الدعوي لبناء الوعي وترسيخ "الاستقرار" و"الأمن الفكري".
الرسالة واضحة: لا مكان لخطاب ديني خارج النسخة الرسمية التي يرسمها الحاكم، ولا مساحة لاجتهاد مستقل أو نقد جذري لسياسات السلطة، بل تكامل تام بين المنبر والكرسي الرئاسي تحت لافتة "الوسطية" و"مواجهة الاضطراب الفكري".
حين يربط نظير عياد بين الإعلام الدعوي وبناء الإنسان وبين مشروع السيسي لصياغة الشخصية المصرية، فهو يعلن أن دار الإفتاء لم تعد صوتًا يذكّر الحاكم بحدود السلطة وحقوق الناس، بل ذراعًا أيديولوجية تلمّع خطاب السلطة وتعيد تسويقه بلغة دينية.
بهذا المعنى، يتحول "المفتي" من فقيه يضبط الحاكم بنصوص الشرع ومقاصده إلى موظف فوق العادة في جهاز الدعاية، يضبط نصوص الشرع على مقاس سياسات الحاكم وخطوطه الحمراء.
مصنع رسمي لإنتاج مواطن مطيع وداعية مدجّن
التصريح الأخطر في كلام المفتي هو تبنيه الكامل لفكرة أن السيسي صاحب "دعوة" لإعادة صياغة الشخصية المصرية، بما يشمله ذلك من تأهيل الشباب وإعادة تأهيل الدعاة.
في دولة تسحق السياسة الحرة وتغلق المجال العام وتطارد المعارضة، يصبح "تأهيل الشباب" مجرد اسم حركي لصناعة جيل منزوع المخالب، يردد خطاب السلطة عن الوطنية والاستقرار، ويبتعد قسرًا عن العمل النقابي والحزبي والاحتجاجي الحقيقي.
أما "إعادة تأهيل الدعاة بالثقافة الإسلامية الصحيحة" في السياق نفسه فتعني عمليًّا تطهير المنابر من أي صوت مستقل، وإخضاع الأئمة والخطباء لدورات ومواد وتعليمات تضبط لغتهم وموضوعاتهم لصالح الرواية الرسمية عن الدولة والدين والمجتمع.
بهذا تتحول المساجد والمنابر والبرامج الدينية من فضاءات متوقعة للوعظ والنقد الأخلاقي والإنذار من الظلم إلى خطوط إنتاج متتابعة لمحتوى ديني معقّم، يجرّم الغضب الشعبي، ويقدّس السلطة، ويعتبر الاعتراض تهديدًا لوحدة الوطن.
دلالات أعمق: حين يصبح تجديد الخطاب الديني غطاءً لخنقه
منذ سنوات يرفع النظام شعار "تجديد الخطاب الديني" ويربطه بمفاهيم مثل "بناء الإنسان" و"حماية الوعي" و"محاربة التطرف"، لكن الممارسة الفعلية على الأرض كانت تعني شيئًا واحدًا: إخضاع المؤسسات الدينية التاريخية بالكامل لإدارة سياسية وأمنية مركزية.
ما يقوله نظير عياد في مؤتمر الأزهر هو النسخة الدينية لخطاب سياسي معروف: هناك حاكم يزعم امتلاك خطة شاملة لإعادة تشكيل المجتمع، ومن يعارض أو يشكك أو يقف خارج صف هذه الخطة يُصنف تلقائيًّا على أنه متطرف أو مخرّب أو جزء من "حرب الوعي".
بهذه الطريقة، يصبح المفتي ودار الإفتاء وشيوخ القصور جزءًا من سياج حديدي يطوّق المجتمع من كل الجهات: قانون قمعي، وإعلام موجه، واقتصاد يحتكر الثروة، ومنابر دينية تشرعن كل ذلك وتدعو الناس إلى الصبر والسمع والطاعة تحت عنوان "بناء الإنسان".
المفارقة أن من يفترض بهم شرعًا أن يقولوا للحاكم الجائر "اتق الله" صاروا أول من يصفقون لمشروعه في "طبخ" شخصية شعب بأكمله على نار بطيئة، حتى لا يخرج من القدر إلا مواطن خاضع وداعية مخصي، في جمهورية لا تعلو فيها كلمة مفتي ولا عالم على كلمة الحاكم.

