أعطى الإعلان الذي صرح به مدير مشروع سد النهضة الإثيوبي، كفلي هوارو، عن عزم بلاده الشروع في عملية الملء الثالث خلال شهري أغسطس وسبتمبر المقبلين، دلالات لسياسات ظلت تتبعها أديس أبابا في قضية السد بمواصلة نهج "القرارات الأحادية". فإلى أين تقود الخطوة المباحثات المتوقفة مع دولتي المصب؟ وما مؤشرات المستقبل تجاه المشروع في ظل الخلاف المتطور وسياسات الأمر الواقع التي تتبعها إثيوبيا؟

يأتي إعلان المسؤول الإثيوبي عن عملية الملء الثالث ضمن مسار التفاوض غير المباشر، الذي تحبذ إثيوبيا نهجه بعد تعطل المفاوضات الثلاثية منذ أكثر من عام. واعتبر كل من السودان ومصر التصريحات دليلًا جديدًا على تعمد إثيوبيا أحادية القرارات، وعدم الالتفات إلى تحفظات المصب.

نقطة اللارجعة

ومع اقتراب الملء الثالث، تغيرت توقعات خبراء مياه مصريون بشأن قدرة إثيوبيا على الوصول بارتفاع السد في 10 أغسطس 2022 إلى 595 مترًا مربعًا بعدما كانوا يشككون في قدرة إثيوبيا على ذلك.

ويعني الوصول إلى هذا الارتفاع امتلاء السد بـ18.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، ما يؤدي للوصول لنقطة اللارجعة، أي عدم قدرة مصر على القيام بعمل ضد السد.

وسخرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الصهيوينة في 5 أبريل 2022، من الموقف المصري المكتفي بالتصريحات السياسية فقط دون فعل شيء ملموس على أرض الواقع، وهو الموقف الذي وصفته بأنه "مؤيد ضمنًا" لإثيوبيا، متسائلة: "ماذا فعلت مصر لتنفيذ تهديدها والدفاع عن إمدادات المياه بعد عقد من الزمان من التهديدات؟".

وقالت إن "في الشرق الأوسط ومصر، إذا أدلى القادة بتصريحات، يكتفون بها كأنهم فعلوا شيئًا ملموسًا، وفعلوا ما عليهم، ولا يلزم اتخاذ أي إجراء، ويستمرون في حياتهم عادي"!

الملء الأخطر

على الصعيد التقني، كشف الخبير في شؤون مصر المائية هاني إبراهيم، أنه وفق تقديرات ومصادر دولية، نجحت إثيوبيا في 2 مايو 2022 بالانتهاء من رفع تعلية السد إلى 577 مترًا، ويوم 24 مايو تم الانتهاء من 581 مترًا.

وأضاف في سلسلة تغريدات، عبر تويتر، أنه متوقع يوم 4 يونيو 2022 الوصول لارتفاع 583 مترًا، وهو منسوب تشغيل مثالي لأول توربينين منخفضين.

وأوضح أنه مع دخول يوم 29 يوليو سيكون علو السد 593 مترًا، ما يعني الوصول لمنسوب إجراء تجارب على أول توربين علوي أيضًا.

ويحذر من أن أقصى طاقة تعلية للسد ستكون يوم 10 أغسطس بالانتهاء من 595 مترًا، ما يعني امتلاء السد بـ 18.4 مليار متر مكعب.

وسيعني هذا أن تستمر خطط إثيوبيا بلا عقبات لرفع منسوب السد في السنوات اللاحقة لتصل إلى منسوب 640 مترًا الذي يعادل 74 مليار متر مكعب من المياه.

وهي سعة تخزين السد، بما يعني خصم قرابة 15 مليار متر مكعب من نصيب وحصة مصر سنويًا، المقدرة بـ55 مليار متر مكعب.

من جانبه، أكد كبير المحللين في شؤون إثيوبيا بمجموعة الأزمات الدولية ويليام دافيسون لموقع "المونيتور" الأمريكي في 3 مايو، أنه لا توجد مفاجآت في رفع ارتفاع الممر الأوسط لسد النهضة ليصل 18.5 مليار متر مكعب كما تخطط إثيوبيا.

وأضاف: "مثلما اعترضت دول المصب على الملء الأول والثاني لخزان السد، دون التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد هذا الملء والتشغيل من قبل أديس أبابا، ستقوم إثيوبيا بالتعبئة للعام الثالث، وستحتج مصر والسودان بلا جدوى".

وتخشى مصر من أن تشغيل السد الذي تبنيه أديس أبابا على النيل الأزرق سيؤثر على إمداداتها المائية من نهر النيل، الذي تعتمد عليه مصر في 97% من احتياجاتها من الري ومياه الشرب.

رسائل

تصريحات الجانب الإثيوبي تأتي عادة في "رسائل" اعتادت أديس أبابا إرسالها وفق درجتها (السياسية)، فكون التصريحات الجديدة هذه المرة مصدرها مدير مشروع سد النهضة، فهي ذات بعد فني غير سياسي في حيثيات توقف المباحثات المتعثرة، التي ترغب إثيوبيا باستئنافها بحيث لا يمثل لها تصريح مدير السد عائقًا للمرحلة المقبلة، إلى جانب الإعلان عن عملية الملء الثالث التي ترى أنه لا يمكن تعطيلها بأي حال في ظروف هطول الأمطار خلال أشهر (يوليو وأغسطس وسبتمبر) لحاجتها الملحة في المضي قدمًا في توليد الكهرباء، الذي بدأته فعليًا في 20 فبراير الماضي بإطلاق المرحلة الأولى من إنتاج الطاقة الكهربائية من سد النهضة ضمن تصرف وصف كذلك بالفردية.

وترى أديس أبابا في عملية الملء الثالث للسد "حقًا" ولا يمثل "تجاوزا"ً، إلى جانب التصرفات السابقة، سواء أكانت ملئًا أحاديًا للسد، أو تشغيلًا لتوليد الكهرباء منه. وما تصفه مصر والسودان بـ"الأحادية" تصفه إثيوبيا بالاستقلالية لسد مائي تراه ضمن حقوقها الشرعية المرتبطة بأرضها وقرارها، السيادي.

خنق مصر

من جهة أخرى، توصف التصريحات الإثيوبية في عملية الملء الثالث رسالة داخلية أكثر من كونها خارجية، في ظرف ما تواجهه حكومة رئيس الوزراء آبيي أحمد من تحديات سياسية وضبابية المواقف تجاه السلام مع جبهة تحرير تيجراي، التي لا تزال تشكل خطرًا على استقرار إثيوبيا، فتأتي التصريحات حول سد النهضة لصرف الساحة الداخلية إلى ما يمثله السد من تحد قومي يتطلب وحدة الرأي ومؤازرة الحكومة.

وفي سياق متصل، "ثمة عوامل تاريخية وثقافية وحتى لاهوتية تدفع إثيوبيا لسلوك أسلوب إمبراطورية الحبشة تجاه دول الجوار"، حسبما يوضح أستاذ الدراسات الإفريقية في مصر الدكتور حمدي عبد الرحمن.

ويضيف: يعتقد كثير من الأحباش أن بلادهم متميزة ثقافيًا ومختارة من منطلق لاهوتي ديني حتى إنهم في كل احتفال بذكرى انتصارهم على إيطاليا في معركة "عدوة" يوم 1 مارس 1896، يصورون سد النهضة كرمز وانتصار جديد.

ويتابع: "هم يعدون أن مصر العدو الذي يمثل تهديدًا للأمن القومي الإثيوبي، لذا يتبعون كافة الأساليب لمحاصرتها وعزلها وتقويض نفوذها في منطقة القرن الإفريقي، وسد النهضة هو أداتهم للتحكم والسيطرة الإستراتيجية لخنق مصر".