غيّرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني نظرتها المستقبلية إلى القاهرة من مستقرة إلى سلبية، في الوقت الذي أبقت فيه تصنيفها لمصر عند B2 مع تزايد مخاطر تراجع قدرة الدولة السيادية على امتصاص الصدمات الخارجية، في ضوء التراجع الملموس لاحتياطي النقد الأجنبي.
مخاطر التمويل العالمية المشددة
مؤسسة التصنيف الائتماني أوضحت في أحد تقريرها عن مصر، مساء الخميس الماضي، أن شروط التمويل العالمية المشددة تزيد من مخاطر ضعف التدفقات النقدية مقارنة بالتوقعات الحالية لدعم الوضع الخارجي لمصر.
وقالت المؤسسة إن مصر تتطلع إلى سداد خدمة الدين الخارجي التي تتراوح بين 25 و30 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وفقًا لـ"إندبندنت".
وتشير تقديرات وكالة التصنيف العالمية إلى أن حجم الدين المصري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من المرجح أن يصل إلى 93.5 في المئة في العام المالي 2022-2023، كما أشارت أيضًا إلى المخاطر السياسية المتزايدة، "لا سيما في سياق الزيادة الحادة بتضخم أسعار المواد الغذائية، معتبرة أنه في حال عدم تخفيفها قد تؤدي إلى توترات اجتماعية.
وتعني النظرة المستقبلية السلبية أن "موديز" من المرجح أن تخفض تصنيفها لمصر بدلًا من رفعه أو الإبقاء عليه مستقرًا في تقييمات مقبلة للمرة الأولى منذ عام 2013.
قدرة القاهرة ضعيفة
قال المتخصص في شؤون الاقتصاد الكلي، هاني توفيق، إن تحول نظرة "موديز" المستقبلية تجاه مصر من مستقرة إلى سلبية تعني أن قدرة القاهرة أصبحت أضعف في مواجهة وامتصاص الصدمات بشكل عام، وخصوصًا قدرتها على سداد مديونيتها الخارجية في مواعيدها المحددة مسبقًا.
وأشار توفيق إلى أنه على الرغم من إيمانه القاطع أن غالبية مؤسسات التقييم الدولية، بما فيها الصندوق والبنك الدوليان، مؤسسات مسيسة من الطراز الأول وتخدم من يمولونها أساسًا (على حد قوله) فإنه يتفق معهم على خطورة الموقف في مصر، وهذه الخطورة تتضح في ندرة الموارد اللازمة لسداد مديونيات مصر الخارجية في ظل هذه الظروف الدولية غير المواتية.
وشدد على أن الأزمة الحالية يجب أن تكون على رأس قائمة أجندة مؤتمر الحوار الاقتصادي المنتظر عقده في القريب، مع دعوة متخصصين من ذوي الخبرات العالمية والقدرات العلمية الكبيرة، في محاولة للخروج بمصر من هذا التقييم السلبي.
واعتبر أن الحل يبقى في أيدينا بالعمل على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القاهرة، ودراسة أسواق التصدير، مع تحديد سعر صرف مرن للجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، وخصوصًا الدولار الأمريكي، وتحديد سعر فائدة مميز لتحفيز التشغيل والاستثمار، علاوة على ضخ حزم مالية إضافية لمعاونة المتضررين وتطبيق الشمول المالي بشكل كامل.
ومنذ 21 مارس الماضي، رفعت لجنة السياسة النقديـة بالبنك المركزي المصري أسعار العائد الأساسية، بواقع 300 نقطة أساس، ما يعادل 3% على دفعتين: الأولى بواقع 1% في جلسة استثنائية، 21 مارس الماضي، ثم بمعدل 2% في الاجتماع الأخير، 19 مايو الحالي، لتصل معدلات الفائدة إلى 11.25 و12.25 و11.75 في المئة على الترتيب.
الحلول لا تزال في يد الحكومة
من جانبها، قالت نائب رئيس بنك مصر السابق، سهر الدماطي، إن تثبيت "موديز" الجدارة الائتمانية لمصر عند مستوى B2 أمر جيد في حد ذاته نتيجة الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته القاهرة منذ عام 2016.
وحول النظرة السلبية للاقتصاد المصري في المستقبل، قالت الدماطي، إن تلك التوقعات المستقبلية ترجع إلى الفترة الضبابية التي يعيش فيها العالم، ولا يعلم أحد متى ستنتهي، بالتالي انعكست على مصر، وارتفاع الأسعار غير المسبوق في أسعار النفط والسلع الغذائية الأساسية على مستوى العالم، والقاهرة جزء من العالم بكل تأكيد، دفع التضخم إلى معدلات قياسية وانخفضت القوى الشرائية للمواطنين، ما أجبر البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة مرتين.
الدماطي طالبت بسرعة تنفيذ الدولة وعودها بالتخارج مما يزيد على 75 قطاعًا اقتصاديًا وصناعيًا وتجاريًا لصالح الاقتصاد الخاص، إلى جانب الخروج من 45 قطاعًا آخر مستقبلًا، مع العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية بشكل أسرع بمنح أراضٍ للمستثمرين بحق الانتفاع، وتسهيل الإجراءات وتقديم حزمة كبيرة من الحوافز الضريبية والجمركية، مشيرة إلى أن المستثمر في مصر يقع في شبكة عنكبوتية من الضرائب تصل إلى أكثر من 25 نوعًا، ويجب حصرها في عدد قليل لخفض الضرائب التي يدفعها المستثمر المصري والأجنبي.
وتابعت أن على الدولة سرعة توفير العملات الأجنبية أمام المستوردين والمصنعين والمستثمرين لمعاونتهم في جلب المواد الخام ومستلزمات الإنتاج من الخارج لدفع عجلة الإنتاج وزيادة قدرة الصادرات المصرية وتقليل الفجوة في توفير العملة الأجنبية.
وارتفعت معدلات التضخم في مصر بمقدار 7% خلال 120 يومًا فقط، إذ قفز المؤشر من 8% في يناير الماضي، إلى 14.9% خلال أبريل، متأثرًا بالتداعيات السلبية للحرب الروسية على أوكرانيا، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
كما ارتفع حجم الدين الخارجي على القاهرة إلى مستويات قياسية في نهاية ديسمبر الماضي بعد أن سجل نحو 146 مليار دولار، ووفقًا لبيانات البنك المركزي سجل الدين الخارجي في نهاية العام المالي 2020-2021 نحو 137.4 مليار دولار مقابل نحو 123.490 مليار دولار في نهاية العام المالي 2019–2020، ليزيد إجمالي الدين الخارجي بنحو 14 مليار دولار خلال عام واحد.
وسجل نصيب الفرد في مصر من الدين الخارجي في نهاية العام المالي 2020-2021 نحو 1273 دولارًا، مرتفعًا من 1140 دولارًا في نهاية العام المالي 2019-2020.

