تتصدر مصر وتركيا قائمة الأسواق الناشئة الرئيسة المعرضة "للتبعات الاقتصادية والمالية" الناجمة عن حرب أوكرانيا وفقًا لـ"بلومبرج إيكونوميكس"، التي تحتفظ بسجلات تقييم المخاطر المتراكمة في دول الأسواق الناشئة.

وفي تقريره الأخير عن آفاق الاقتصاد العالمي، شبّه صندوق النقد الدولي تأثير الحرب بـ"الموجات الزلزالية" التي تنتشر في الاقتصاد العالمي. وحذّر من العودة المحتملة في الأسواق الناشئة لما يسمى بـ"حلقة الهلاك" التي أدّت إلى تعثر روسيا في 1998، وساعدت في وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السلطة، ودفعت صندوق التحوط "لونغ تيرم كابيتال مانجمنت" إلى حافة الانهيار.

 

اقتصاد مصر يتدهور

وأكدت مديرة صندوق الدولي كريستالينا جورجييفا أن أوضاع الاقتصاد المصري تتدهور، وهناك عدد كبير من الناس في مصر معرضون لأوضاع معيشية صعبة، وعلينا التأكد من استمرار توفير الحماية الاجتماعية التي تم تخصيصها للوصول إلى هؤلاء الأشخاص.

تأتي تصريحات غورغييفا في اجتماع موسمي توقع خلاله صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في مصر بنسبة 5.9% في العام الحالي، وأن ينمو بنسبة 5% في عام 2023، ولكن سترتفع معدلات التضخم إلى 11% في 2023.

ويعاني الاقتصاد المصري من تبعات الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تأثرت الأوضاع المعيشية في واحدة من أكبر مستوردي القمح في العالم بارتفاع أسعار السلع عالميًا والتي تزامنت مع تراجع في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بنسبة 15% تقريبًا خلال الشهر الأخير.

 

تردي مستوى السكن والمعيشة

ويبدو أن أحد الأسباب الرئيسة التي تعقد مواجهة مشكلة تردي مستوى السكن والمعيشة يكمن في السياسة الاقتصادية لحكومة الانقلاب في مصر وإدارة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي؛ فهذا السياسة ما تزال رغم الوعود الحكومية الكثيرة تتجنب التركيز على تنمية الصناعات التحويلية ذات العمالة الكثيفة والتي تولد فرص العمل للشباب، وتوفر السلع الاستهلاكية بأسعار منافسة، وتستفيد من مردودها فئات واسعة تشمل في بلدان صناعية وناشئة 50 بالمائة أو أكثر من السكان.

ويدل على عدم التركيز هذا مراوحة الاستثمارات في الصناعات مكانها خلال فترة جائحة كورونا وقبلها، وهكذا فإن النجاح في تنفيذ الوعود المتعلقة بتنفيذ واحتضان آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة الإنتاجية والخدمية في كل محافظة من محافظات مصر ما يزال ضعيفًا.

 

هدر المال العام

مقابل ذلك يستمر قائد الانقلاب وإدارته في التركيز على بناء وتجهيز مشاريع ضخمة تلتهم عشرات مليارات الدولارات بجدوى غالبًا ما تكون متدنية، ومن المعروف أن هذه المشاريع تشكل في الوقت نفسه أرضًا خصبة لصرف مليارات أخرى من المال العام في غير مكانها، وضياع قسم منها في أقنية الفساد والرشاوي داخل مصر وخارجها.

كما أن مشاريع من هذا النوع خلال مرحلة البناء تحتاج إلى كثافة في رأس مال وليس إلى كثافة في العمالة. ومما يعنيه ذلك أن تأثيرها محدود على صعيد حل مشكلة البطالة وتحسين مستوى معيشة الناس، لاسيما وأن التحكم بإدارة مواردها ومردودها يبقى في أيدي المستثمرين المحليين والدوليين والشركات المنفذة وحفنة من البيروقراطيين الحكوميين.

وتظهر تجربة جميع الدول أن الأرباح والتعويضات والتجاوزات التي يقوم بها هؤلاء تحد من التأثير الإيجابي للمشاريع في الاقتصاد وتجعل مساهمتها في الدورة الاقتصادية التي تطال غالبية الناس ضعيفة.

 

تراجع النقد الأجنبي

كشف تقرير لوكالة بلومبرج أن الاحتياطيات الدولية للنقد الأجنبي في البنك المركزي المصري تراجعت إلى 37.08 مليار دولار بنهاية مارس 2022، هبوطًا من حوالي 40.99 مليار دولار بنهاية فبراير، أي بانخفاضٍ قدره 9.5% ليفقد 3.91 مليار دولار.

أضرّ الغزو الروسي لأوكرانيا الأوضاع الاقتصادية في مصر حيث دفع المستثمرين الأجانب إلى الفرار من الأسواق الناشئة. وكانت روسيا وأوكرانيا أيضًا من المصدّرين الرئيسيين للقمح إلى مصر، كما كانتا مصدرًا رئيسيًا لتدفق السياح.

وعزا البنك المركزي المصري تراجع الاحتياطي – الذي يحدث لأول مرّة منذ مايو 2020 - في بيان إلى 4 أسباب رئيسة، وهي قيامه باستخدام جزء منه "لتغطية احتياجات السوق المصرية من النقد الأجنبي، وتغطية تخارج استثمارات الأجانب والمحافظ الدولية، ولضمان استيراد سلع استراتيجية، وسداد الالتزامات الدولية الخاصة بالمديونية الخارجية".

 

ارتفاع الأسعار

قررت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية المعنية بمتابعة وتنفيذ آليات تطبيق التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، رفع الأسعار الحالية للبنزين في مصر للمرة الخامسة على التوالي للربع الحالي من أبريل ولنهاية يونيو 2022، وجاءت الأسعار كالتالي:

البنزين 80 بسعر 7,50 جنيه للتر، والبنزين 92 بسعر 8,75 جنيه للتر، والبنزين 95 بسعر 9,75 جنيه للتر.

وثبتت اللجنة سعر السولار عند 6.75 جنيه للتر، وقالت إن سعر طن المازوت المورد لباقي الصناعات زاد 400 جنيه، ليصل إلى 4600 جنيه، وثبتت أسعار المازوت المورد للصناعات الغذائية والكهرباء.

وارتفعت كذلك أسعار السلع الغذائية مرتين؛ الأولى أرجعتها حكومة الانقلاب لتبعات الحرب الروسية الأوكرانية، أما الثانية فكانت بسبب قرار البنك المركزي تحريك سعر العملة منتصف ليل الإثنين-الثلاثاء (21-22 مارس 2022)، وانهيار الجنيه أمام الدولار، الذي ارتفع بنسبة 14% تقريبًا متجاوزًا 18.40 جنيه مقابل الدولار، مقارنة بـ15.6 جنيه مصري حتى ليل الأحد، والمواطنون الغلابة في انتظار الموجة الثالثة من الغلاء بعد زيادة البنزين.

ووفقًا لاتحاد الغرف التجارية المصري، ارتفع متوسط أسعار اللحوم البلدية إلى 180 جنيهًا، بينما كان يتراوح بين 120 و140 جنيهًا قبل مدة قصيرة، أما أسعار الدجاج البلدي فتراوحت بين 45 ود46 جنيهًا للكيلو، وفقًا لرئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، الخميس 14 أبريل، بعد أن كان 30 جنيهًا، ووصل سعر زجاجة زيت القلي 900 مل متوسط الجودة إلى 32 جنيهًا، وتعدى سعر البيضة جنيهين، كما ارتفع سعر كيلو السكر- الحُر غير المدعوم – ليصل إلى 15 جنيهًا، بينما زاد سعر الأرز بنحو 6 جنيهات، ليصل سعر الكيلو الواحد إلى 16 جنيهًا مصريًا، كما رفع بعض أصحاب المخابز سعر رغيف الخبز بنسبة 100%، وهي أسعار غير مسبوقة.

 

الديون الخارجية

أعلن البنك المركزي المصري، الاثنين 18 أبريل، ارتفاع الدين الخارجي للبلاد إلى 145.529 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2021، مقابل 137.42 مليار دولار بنهاية سبتمبر من العام نفسه، بزيادة تقدر بنحو 8.109 مليارات دولار خلال 3 أشهر فقط، وبنسبة زيادة بلغت 5.9%.

ومثلت الديون طويلة الأجل النصيب الأكبر من الديون الخارجية، بقيمة بلغت 132.7 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي 2021-2022، مقابل 125.939 مليار دولار في الربع الأول من نفس العام.

ووفقًا لبيانات البنك المركزي، بلغت قيمة الديون قصيرة الأجل 12.842 مليار دولار، من إجمالي الدين الخارجي خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري، مقابل نحو 11.480 مليار دولار في الربع الأول من العام نفسه. وأعلن صندوق النقد الدولي أن مصر ستقدّم إليه طلبًا للحصول على قرض جديد، وتشير التقديرات أن قيمة هذا القرض قد تصل إلى قرابة 6 مليارات دولار.

ووفقًا لصندوق النقد الدولي، يتم الآن الاحتفاظ بمبلغ قياسي من هذا الدين في الميزانيات العمومية للبنوك المحلية بالاقتصادات الناشئة، ما يزيد من مخاطر الدخول في حلقة من ردود الفعل المتتالية، التي تضطر فيها البنوك إلى التراجع عن الإقراض، مع تباطؤ الاقتصادات، وانخفاض قيمة السندات الحكومية التي يملكونها. وهذا بدوره يؤدي إلى نوع من "حلقة الهلاك" الاقتصادية التي دفعت روسيا إلى التخلف عن السداد في عام 1998، والأرجنتين إلى مصير مماثل بعد بضع سنوات.

وخلال الشهر الماضي، سمح البنك المركزي للعملة بأن تضعف بأكثر من 15% في غضون بضع ساعات، كما رفع سعر الفائدة المرجعي الخاص به للمرة الأولى منذ 5 سنوات، وسط نزوح العملة الصعبة إلى الخارج.

ويحثّ قائد الانقلاب السيسي الناس على الاكتفاء بوجبات أقل سخاءً عندما يفطرون في رمضان، لكن عزت محمد، الذي يعيش في محافظة القليوبية الريفية، التي بدأت المتاجر فيها بتقديم الطعام بالاستدانة، يرد عليه بشكل غير مباشر: "تطالبنا الحكومة بترشيد استهلاكنا، لكننا قمنا بذلك بالفعل".