بقلم العلامة الدكتور / يوسف القرضاوي :
محتويات
١ تقديم
٢ الفصل الأول - معنى الإخلاص وضرورته للسالكين إلى الله
٢.١ تمهيد
٢.٢ الإخلاص من ثمرات التوحيد الخالص
٢.٣ ضرورة الإخلاص للسالكين
٢.٤ الإخلاص مطلوب لصلاح الحياة
٣ الفصل الثاني - أهمية النية في تحقيق الإخلاص
٣.١ استحضار النية وتجريدها لله
٣.٢ أهمية النية في القرآن الكريم
٣.٣ أهمية النية في السنة
٣.٤ حقيقة النية
٣.٥ النية إرادة جازمة
٣.٦ النية محلها القلب
٣.٧ الأعمال بمقاصدها
٣.٨ تنوع جزاء العمل الواحد بتنوع نيته
٣.٩ النية ومقاصد الشريعة
٣.١٠ أثر النية في المباحات والعاديات
٣.١١ النية لا تؤثر في الحرام
٣.١٢ إخلاص النية أساس القبول
٣.١٣ صعوبة تحقيق الإخلاص
٣.١٤ أهمية الإخلاص للدعاة والعلماء
٤ الفصل الثالث - فضل الإخلاص وخطر الرياء
٤.١ فضل النية والإخلاص
٤.٢ التحذير من الرياء
٥ الفصل الرابع - حقيقة الإخلاص
٥.١ تمهيد
٥.٢ عناصر مهمة في تكوين الإخلاص
٥.٣ تحقيق الغزالي في بيان الإخلاص
٥.٤ كلام الغزالي في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به
٦ الفصل الخامس- الطاعة والمعصية بين الكتمان والإظهار
٦.١ الطاعة بين الكتمان والإظهار
٦.٢ كتمان الذنوب
٦.٣ حب محبة الناس
٧ الفصل السادس- ضرورة الإخلاص لحملة الدعوة
٧.١ لماذا كان الإخلاص ضرورة
٧.٢ المخلصون هم جند الدعوات
٧.٣ خطر الطفيليين - صنفان متمايزان
٨ الفصل السابع
٨.١ من ثمرات الإخلاص
٩ الفصل الثامن
٩.١ من بواعث الإخلاص
ما سبق نشره : النية والإخلاص (4/1)
الفصل الثالث - فضل الإخلاص وخطر الرياء
فضل النية والإخلاص
لا غرو ـ إذا كان هذا شأن النية وأهمية الإخلاص ـ أن تتكاثر النصوص من القرآن والسنة في بيان فضلهما ومنزلتهما في الدين.
وقد أمر الله في كتابه بالإخلاص، وحث عليه في أكثر من سورة، وخصوصا في القرآن المكي، لأنه يتعلق بتجريد التوحيد، وتصحيح العقيدة، واستقامة الوجهة، فقال تعالى لرسوله: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين، ألا لله الدين الخالص).
وقال له: (قل الله أعبد مخلصا له ديني، فاعبدوا ما شئتم من دونه).
وقال له: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).
وقال سبحانه: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء).
وقال سبحانه: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا).
وقال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد).
وقد بينا أن القرآن يذكر النية والإخلاص بصيغ مختلفة، مثل: إرادة الآخرة، وإرادة وجه الله تعالى، أو ابتغاء وجهه وابتغاء مرضاته، وذكرنا من آيات كتاب الله ما يدل عليه.
وأحيانا يعبر عن ذلك بقوله: (في سبيل الله) وخصوصا مع الإنفاق والجهاد والقتال. وقد صح الحديث أن القتال لا يكون في سبيل الله، إلا إذا كان هدفه وغايته: أن تكون كلمة الله هي العليا، ومثل ذلك يقال في الإنفاق والجهاد بكل صوره، فلا يكون ذلك في سبيل الله ما لم يتحرر المقصود به، وهو إعلاء كلمة الله.
وقد بين القرآن الفرق بين غاية المؤمنين وغاية الكافرين في قتالهم، فقال: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)، فالأولون يقاتلون لإعلاء كلمة الله، وهي كلمة التوحيد والحق والعدل والخير، التي تتمثل في دينه وشرعه، والآخرون يقاتلون، لإعلاء كلمة الطاغوت، وهو كل ما يعبد أو يعظم ويطاع طاعة مطلقة من دون الله، وهي كلمة الشرك والباطل والظلم والشر والطغيان.
وكم أشاد القرآن بالمخلصين الذين لم يريدوا بأعمالهم إلا وجه الله تعالى، يبتغون مرضاته، ولا يركضون وراء رضا الناس وثنائهم.
من هؤلاء: الأبرار الذين يطعمون الطعام لوجه الله، لا يريدون من أحد جزاء ولا شكورا، وهم الذين قال الله فيهم: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا).
ومن هؤلاء: المنفقون أموالهم في سبيل الله: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل، والله بما تعملون بصير).
ومنهم: الذين أمر الله خاتم رسله، وصفوة خلقه، أن يصبر معهم، ولا تعدو عيناه إلى غيرهم من أصحاب البريق الذي يخطف الأضواء، فقال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا).
ومنهم: أولو الألباب، الأوفياء بعهد الله، الذين صبروا على طول الطريق، وعلى أذى قطاعه، وكان صبرهم ابتغاء وجه الله، لا طلبا للثناء، ولا مخافة من ذمهم، ولا جريا وراء دنيا، ولهذا مدحهم الله بقوله: (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار).
ليس المهم أن تعمل العمل، إنما المهم أن تبتغي به وجه الله سبحانه، وبذلك تضمن قبوله عند الله، والمثوبة عليه في الآخرة. يقول تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).
ومن الأحاديث التي تذكر هنا: ما جاء في الترغيب في الحب لله، والبغض لله، والعطاء لله، والمنع لله، فذلك كله بعض مظاهر الإخلاص ومعانيه.
فعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان".
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار".
وعن ابن مسعود وابن عباس والبراء مرفوعا: "أوثق عرا الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله".
وفي الحديث القدسي عن عبادة بن الصامت: "قال الله تعالى: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في، المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء".
ومن ذلك: الأحاديث التي تنوه بالمغمورين الذين لا يتبوؤن المراكز الاجتماعية المرموقة، ولا يتمتعون بصيت ولا شهرة.
كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: "رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره" وفي رواية الحاكم: "رب أشعث أغبر ذي طمرين، لا يؤبه له، تنبو عنه أعين الناس، لو أقسم على الله لأبره".
وحديث سهل بن سعد عند البخاري، قال: "مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا"؟ قال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح (أي يزوج)، وإن شفع أن يشفع! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما رأيك في هذا"؟ قال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا أحرى إن خطب ألا ينكح، وإن شفع إلا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا".
وحديث ثوبان: أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن من أمتي من لو أتى أحدكم يسأله دينارا لم يعطه إياه، ولو سأله درهما لم يعطه إياه، ولو سأله فلسا لم يعطه إياه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها".
ومن الآثار في ذلك: ما كتب به عمر بن الخطاب إلى أبي موسى يقول: من خلصت نيته لله، كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس.
وكان مطرف يقول: من صفا صفى له، ومن خلط خلط عليه.
وكان معروف الكرخي يضرب نفسه، ويقول: يا نفس أخلصي تتخلصي!
وكتب بعض الصالحين إلى أخ له: أخلص النية في أعمالك يكفك منها القليل. وقال الجنيد: إن لله عبادا عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع.
التحذير من الرياء
وكما حفلت نصوص الكتاب والسنة بالترغيب في النية والإخلاص والصدق، حفلت كذلك بالترهيب والتحذير من آفة الرياء، وابتغاء وجه الناس ـ لا وجه الله ـ بعمل الآخرة.
كما حذرت ورهبت من أمر آخر، هو: حب الجاه والشهرة والمنزلة ورهبت من أمر آخر، هو: حب الجاه والشهرة والمنزلة في قلوب الخلق.
القرآن يحذر من الرياء والمرائين
إن الرياء من معاصي القلوب الشديدة الخطر على النفس وعلى العمل، وهو من الكبائر الموبقة، ولهذا اشتد الوعيد عليه في القرآن والحديث.
لقد جعله القرآن من أوصاف الكفرة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، أو المنافقين الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
يقول تعالى: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لا يقدرون على شيء مما كسبوا، والله لا يهدي القوم الكافرين).
وقال في سورة أخرى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا).
فهذا رياء الكفار الذين لا يؤمنون بالمبدأ ولا بالمعاد، فلا يتصور منهم أن يعملوا لله ولا للدار الآخرة.
وإذا كانت نفقتهم رياء، فإن خروجهم للقتال والغزو رياء كذلك، لا نصيب فيه لله، كما قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله).
وأما المنافقون فقد قال تعالى في شأنهم: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا).
وقال تعالى: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون، ويمنعون الماعون) فتوعدهم الله تعالى بالويل، وهو الهلاك والعذاب.
الأحاديث النبوية ترهب من خطر الرياء
وأما الحديث فكثير، أكتفي منه بما انتقيه من كتاب "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري.
فقد ذكر في "الترهيب من الرياء" جملة من الأحاديث، انتقيت منها عشرة، بدأها بالحديث الخطير، الذي رواه مسلم وغيره، ونصه في صحيح مسلم:
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتى به، فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: هو جرئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما علمت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" (رواه مسلم والنسائي، ورواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه، وكلاهما بلفظ واحد).
أقول: وفيه أن معاوية لما بلغه هذا الحديث، بكى حتى غشي عليه، فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله. قال الله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار).
وقد يسأل بعض الناس: لماذا هذا العذاب والوعيد الذي يتطاير شرره، وقد فعل الخير؟ والجواب: أن الإسلام يهتم بالباعث على العمل أكثر من العمل نفسه، وقد علم بالفطرة أن التزوير من الإنسان على إنسان مثله من شر الرذائل، وأبشع الجرائم، فإذا كان التزوير من المخلوق على خالقه، فالجريمة أبشع وأشنع، وهذا هو عمل المرائي، يعمل لوجه الناس، وهو يريهم أنه يريد الله، كذبا وزورا، فلا غرو أن يفضحه الله يوم تبلى السرائر، وأن يسحب على وجهه إلى النار! ولذلك قال قتادة: إذا راءى العبد قال الله لملائكته: انظروا إليه كيف يستهزئ بي؟!
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد).
وفي رواية للبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشر هذه الأمة بالتيسير، والسناء، والرفعة بالدين، والتمكين في البلاد، والنصر، فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب".
وعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمع سمع الله به، ومن يراء يراء الله به" (رواه البخاري ومسلم).
"سمع" ـ بتشديد الميم ـ ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله ينته الفاسدة في عمله يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأشهاد.
وعن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة" (رواه الطبراني بإسناد حسن).
وعن محمود بن لبيد قال: خرج النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر" قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر" (رواه ابن خزيمة في صحيحه).
وعن زيد بن أسلم عن أبيه، أن عمر رضي الله عنه خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: "اليسر من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة" (رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي في كتاب الزهد له وغيره، وقال الحاكم: صحيح ولا علة له).
وعن محمود بن لبيد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء: يقول الله ـ عز وجل ـ إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا: هل تجدون عندهم جزاء"؟! (رواه أحمد بإسناد جيد، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في الزهد وغيره).
وعن أبي هريرة أن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: "قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك" (رواه ابن ماجه واللفظ له، وابن خزيمة في صحيحه، والبيهقي، ورواه ابن ماجه ثقات).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة، فتنصب بين يدي الله تعالى، فيقول تبارك وتعالى: ألقوا هذه، واقبلوا هذه، فتقول الملائكة: وعزتك وجلالك ما رأينا إلا خيرا، فيقول الله عز وجل، إن هذا كان لغير وجهي، وإني لا أقبل إلا ما ابتغي به وجهي" (رواه البزار والطبراني بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح، والبيهقي).
وعن أبي علي ـ رجل من بني كاهل ـ قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبدالله بن حزن وقيس بن المضارب، فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون، فقال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخلى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا : اللهم إنا نعود بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" (رواه أحمد والطبراني، ورواته إلى أبي علي محتج بهم في الصحيح، وأبو علي وثقه ابن حبان، ولم أر أحد جرحه. ورواه أبو يعلى بنحوه من حديث حذيفة إلا أنه قال فيه: "يقول كل يوم ثلاث مرات").
وكما حذرت الأحاديث النبوية من آفة الرياء، حذرت من آفة أخرى هي: حب الجاه والشهرة، والحرص على علو المكانة عند المخلوقين.
وقد جاء في بعض الآثار: "حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل".
وربما كان حب الجاه والمنزلة عند بعض الناس أهم بكثير من حب المال، فقد يبذل المال طيب النفس، ليحصل على الجاه والشهرة، وقد ذكر الإمام الغزالي إلى أن الجاه أهم من المال لأوجه ثلاثة ذكرها.
وقد جاء مرفوعا من حديث كعب بن مالك: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه".
والمراد بالشرف في الحديث: المكانة والجاه عند الخلق.
وكل ما مضى من النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في التحذير من الرياء، وحب المال والجاه والشهرة، يدلنا بكل جلاء على خطر معاصي القلوب، وآفاتها وآثارها المدمرة للأعمال التي ظاهرها الصلاح، ولهذا كانت طاعات القلوب مقدمة على طاعات الجوراح، والإخلاص في مقدمة هذه الطاعات، لأنه شرط قبولها كلها، فما حقيقة هذا الإخلاص؟؟
هذا ما نبينه في الفصل التالي.
الفصل الرابع - حقيقة الإخلاص
تمهيد
اختلفت عبارات أهل السلوك ـ على عادتهم ـ في تحديد ماهية الإخلاص، فكل منهم نظر إلى جانب، أو لفت إلى معنى من معانيه، أو أكد ما ذكره الآخر، وإن كانت العبارة مغايرة.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" :
الإخلاص: إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو: أنه يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى، ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.
ويصح أن يقال: الإخلاص: التوقي عن ملاحظة الأشخاص.
وقال شيخ القوم الجنيد: الإخلاص: سر بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله.
وقد ورد في ذلك حديث قدسي ذكره القشيري بسنده عن رب العزة قال: "الإخلاص سر من سرى، استودعه قلب من أحببت من عبادي".
وقال أبو عثمان: الإخلاص: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى فضل الخالق.
وقال حذيفة المرعشي: الإخلاص: أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن.
وسئل بعضهم عن الإخلاص، فقال: ألا تشهد على عملك غير الله عز وجل.
وقال ذو النون: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة.
وقال سهل بن عبدالله: لا يعرف الرياء إلا مخلص.
عناصر مهمة في تكوين الإخلاص
وهذه الأقوال تشير إلى عناصر مهمة تتكون منها حقيقة الإخلاص، من هذه العناصر:
أ. أن يهتم المخلص بنظر الخالق لا بنظر المخلوقين، فإنهم لم يغنوا عنه من الله شيئا، وقد قال الفضيل بن عياض: العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجل الناس رياء، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.
ب. أن يستوي ظاهر المخلص وباطنه، وعلانيته وسريرته، فلا يكون ظاهره عامرا وباطنه خرابا، ولا تكون علانيته عسلا، وسريرته علقما، وقد قال سرى السقطي: من تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله تعالى.
ج. أن يستوي عنده مدح الناس وذمهم، وقد قيل: ما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله، والعكس أيضا صحيح.
د. ألا ينظر إلى إخلاصه، فيعجب بنفسه، فيهلكه عجبه، ولذا أكد العارفون عدم رؤية الأعمال، حتى قال أبو يعقوب السوسي: متى شهدوا في إخلاصهم الخلاص، احتاج إخلاصهم إلى إخلاص!
وقال أبو بكر الدقاق: نقصان كل مخلص في رؤية إخلاصه، فإذا أراد الله تعالى أن يخلص إخلاصه، أسقط عن إخلاصه رؤيته لإخلاصه، فيكون مخلصا لا مخلصا.
وقال أبو عثمان المغربي: الإخلاص ما يكون للنفس فيه حظ بحال، وهذا إخلاص العوام، وأما إخلاص الخواص، فهو ما يجري عليهم لا بهم، فتبدو منهم الطاعات، وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها ولا بها اعتداد، فذلك إخلاص الخواص.
ومعنى هذا: أنهم فنوا عن أنفسهم وعن أعمالهم، وعن إخلاصهم، فلم يروا إلا الله تعالى الذي أخ لصهم لدينه، فأخلصوا له الدين.
هـ. ومن عناصر الإخلاص: نسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة، لأن المخلص لا يأمن أن يكون عمله مشوبا بحظ للنفس قد يخفى عليه، فلا يحظى عمل بالقبول عند الله تعالى، فقد قال تعالى (إنما يتقبل الله من المتقين).
والأعمال وإن عظمت فإنها لا تكافئ أدنى نعمة من نعم الله تعالى على عبده، على أن التوفيق للعمل إنما هو من الله تعالى، فهو صاحب الفضل أولا وآخرا، فلا يقتضي العمل في ذاته ثوابا في نظر المخلص، بل يرى الثواب إحسانا من الله إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدكم الجنة عمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (متفق عليه عن أبي هريرة).
و. الخوف من تسرب الرياء والهوى إلى النفس، وهو لا يشعر، فإن للشيطان سراديب خفية وملتوية، يدخل بها إلى النفس، وقد يئس من إيقاع المؤمن في المعاصي الظاهرة، فعمله الدائم معه في المعاصي الباطنة، وبها يستطيع أن يضيع عليه عباداته وأعماله التي يرجو بها الله والدار الآخرة.
ولهذا قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص، لأنه ـ لخوفه منه ـ يرقبه ويتتبعه، ويعرف أغواره ومداخله، ولا يكذب على نفسه، ويزين لها سوء عمله فتراه حسنا.
ومن أجل هذا صعب الإخلاص، وقل المخلصون، وفيه قال سهل أيضا: أهل "لا إله إلا الله" كثير، ولكن المخلصين منهم قليل! هذه العناصر التي ذكرناها هي مقومات الإخلاص الكامل، والسعيد من توافرت له كلها وقليل ما هم، وعلى قدر حظ المسلم منها يكون حظه من الإخلاص.
تحقيق الغزالي في بيان الإخلاص
وللإمام الغزالي بحث عميق في "إحيائه" في بيان حقيقة الإخلاص، وهو فارس الميدان في هذا المجال، علما وعملا، وهو الذي رأى عمله في التصنيف والتدريس في علوم الفقه والأصول والكلام والرد على الفلاسفة والباطنية وغيرها ـ مما بوأه مقعد الشهرة والإمامة في العالم الإسلامي كله يومئذ ـ رأى ذلك كله عملا من أعمال الدنيا، وشهوات النفس، وطلب المنزلة والجاه في قلوب الخلق، فاعتزل ذلك كله، ليطلب الخلاص من الإخلاص.
ولهذا كان كلامه هنا كلام خبير بأهواء النفس البشرية ومنعطفاتها وتمويهاتها، وبتلبيس إبليس على الإنسان، حتى يحسب أنه يعمل لله، وهو إنما يعمل لذاته.
يقول الغزالي:
"اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا، قال الله تعالى: (من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين)، فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من دم والفرث، ومن كل ما يمكن أن يمتزج به، والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ليس مخلصا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات، فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية، والشرك منه خفي، ومنه جلي، وكذا الإخلاص، والإخلاص وضده يتواردان على القلب، فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات.
"وقد ذكرنا حقيقة النية، وأنها ترجع إلى إجابة البواعث، فمهما كان الباعث واحدا على التجرد سمى الفعل الصادر عنه إخلاصا، بالإضافة إلى المنوى، فمن تصدق وغرضه محض الرياء فهو مخلص، ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص، ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل، ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق، ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للهلاك، ولسنا نتكلم فيه، إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات.
"وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصده التقرب، ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر، إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس، ومثال ذلك أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب، أو يعتق عبده ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده، أو ليهرب عن عدو له في منزله، أو يتبرم بأهله وولده، أو بشغل هو فيه، فأراد أن يستريح منه أياما، أو يغزو ليمارس الحرب ويتعلم أسبابه، ويقدر به على تهيئة العساكر وجرها، أو يصلي بالليل وله غرض في دفع التعاس عن نفسه به ليراقب أهله، أو رحله، أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال، أو ليكون عزيزا بين العشيرة، أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع، أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث، أو تكفل بخدمة العلماء أو الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس، أو لينال به رفقا في الدنيا، أو كتب مصحفا ليجود بالمواظبة على الكتابة خطه، أو حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء، أو توضأ ليتنظف، أو يتبرد، أو اغتسل لتطيب رائحته، أو روى الحديث ليعرف بعلو الإسناد، أو اعتكف في المسجد ليخف كراء المسكن، أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام، أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله الأكل عنها، أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض، أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله، أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار، فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى، ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه، بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص، وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك، وقد قال تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشركة.
"وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط في حظوظه، منغمس في شهواته، قلما ينفك فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته، عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس، فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعزة الإخلاص، وعسر تنقية القلب من هذه الشوائب، بل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى، وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفى شدة الأمر على صاحبه فيها، وإنما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرب وانضافت إليه هذه الأمور، ثم هذه الشوائب، إما أن تكون في رتبة الموافقة، أو في رتبة المشاركة، أو في رتبة المعاونة كما سبق في النية.
"وبالجملة فأما أن يكون الباعث النفسي مثل الباعث الديني، أو أقوى منه، أو أضعف، ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره، وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها، قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه، وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستهتر بالله، مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار، حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا، بل تكون رغبته فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة، فلا يشتهي الطعام لأنه طعام، بل لأنه يقويه على عبادة الله تعالى، ويتمنى أن لو كفى شر الجوع، حتى لا يحتاج إلى الأكل، فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة، ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده، لأنه ضرورة دينه، فلا يكون له هم إلا الله تعالى، فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب، أو قضى حاجته، كان خالص العمل صحيح النية في جميع حركاته وسكناته، فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة، وكان له درجة المخلصين فيه، ومن ليس كذلك فباب الإخلاص في الأعمال مسدود عليه إلا على الندور، وكما أن من غلب عليه حب الله وحب الآخرة فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه وصارت إخلاصا، فالذي يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرياسة وبالجملة غير الله، فقد اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة، فلا تسلم له عباداته من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا.
"فإذن علاج الإخلاص كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر الإخلاص، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله، ويكون فيها مغرورا، لأنه لا يرى وجه الآفة فيها، كما حكى عن بعضهم أنه قال: قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد في الصف الأول، لأني تأخرت يوما لعذر فصليت في الصف الثاني، فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني، فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي، وسبب استراحة قلبي، من حيث لا أشعر! وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله، وقل من يتنبه له إلا من وفقه الله تعالى، والغافلون عنه يرون حسناتهم كلها في الآخرة سيئات وهم المرادون بقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا)، وبقوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء، فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح والاستتباع، والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبس عليهم ذلك، ويقول: غرضكم نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق، ووعظه للسلاطين، ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه، وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين، ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظا، وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى، إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره، ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه، ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود، ولا يدري المسكين أن انقياده للحق، وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابا، وأعود عليه في الآخرة من انفراده. "فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق، يغرق فيه الجميع، إلا الشاذ النادر والفرد الفذ، وهو المستثنى في قوله تعالى: (إلا عبادك منهم المخلصين)، فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق، وإلا التحق باتباع الشياطين وهو لا يشعر".
كلام الغزالي في حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به
ومما بحثه الغزالي وحققه في كتاب "النية والإخلاص" من "الإحياء": بيان حكم العمل الذي امتزجت به بعض الشوائب الدنيوية، أو الحظوظ النفسية، ولم يخلص كله لله، ولم يكن كله للرياء، وهل يستحق المسلم به بعض الثواب أو لا؟
وكلامه هنا جيد ينبغي أن ينقل أيضا، ففيه نجد عقل الفقيه، وقلب الصوفي معا.
يقول رضي الله عنه:
"اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى، بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس، فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابا، أم يقتضي عقابا، أم لا يقتضي شيئا أصلا، فلا يكون له ولا عليه؟
وأما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا، وهو سبب المقت والعقاب.
وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب.
وإنما النظر في المشوب، وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له، وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه.
والذي ينقدح لنا فيه، والعلم عند الله، أن ينظر إلى قدر قوة الباعث.
فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا، وصار العمل لا له ولا عليه.
وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع، وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب، نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء، ولم يمتزج به شائبة التقرب.
وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر ـ فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني، وهذا لقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، ولقوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها). فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان غالبا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت الزيادة، وإن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد.
وكشف الغطاء عن هذا: أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها، فداعية الرياء من المهلكات، وإنما غذاء هذا المهلك وقوته العمل على وقفه، وداعية الخير من المنجيات، وإنما قوتها بالعمل على وقفها، فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان، فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء فقد قوى تلك الصفة، وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب، فقد قوى أيضا تلك الصفة، وأحدهما مهلك، والآخر منج، فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية الآخر فقد تقاوما، فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره، ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته، فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما، وإن كان أحدهما غالبا لم يخل الغلب عن أثر، فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام والشراب والأدوية، ولا ينفك عن أثر في الجسد بحكم سنة الله تعالى، فكذلك لا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر، ولا ينفك عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده، وفي تقريبه من الله، أو إبعاده، فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده، فقد عاد إلى ما كان، فلم يكن له ولا عليه، وإن كان الفعل مما يقربه شبرين، والآخر يبعده شبرا واحدا، فضل له لا محالة شبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتبع السيئة الحسنة تمحها"، فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقبيه، فإذا اجتمعا جميعا فلابد وأن يتدافعا بالضرورة.
"ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة، صح حجه، وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس، نعم يمكن أن يقال: إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة، وتجارته غير موقوفة عليه، فهو خالص، وإنما المشترك طول المسافة، ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة، ولكن الصواب أن يقال: مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض التجارة كالمعين والتابع، فلا ينفك نفس السفر عن ثواب، وما عندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم، وبين جهة لا غنيمة فيها، ويبعد أن يقال: إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم. بل العدل أن يقال: إذا كان الباعث الأصلي، والمزعج القوي، هو إعلاء كلمة الله تعالى، وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية، فلا يحبط به الثواب، نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا، فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة.
فإن قلت: فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب، وفي معناه شوب طلب الغنيمة، والتجارة، وسائر الحظوظ، فقد روى طاوس وغيره من التابعين، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف، أو قال: يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر، فلم يدر ما يقول له، حتى نزلت: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)، وقد قصد الأجر والحمد جميعا، وروى معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أدنى الرياء شرك"، وقال أبو هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقال لمن أشرك في عمله: خذ أجرك ممن عملت له".
"وروى عن عبادة، أن الله عز وجل يقول: "أنا أغنى الأغنياء عن الشركة، من عمل لي عملا فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي". وروى أبو موسى أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه: من في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تقولون فلان شهيد، ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا (أي دراهم). وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا فهو له".
"فنقول: هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه، بل المراد بها: من لم يرد بذلك إلا الدنيا، كقوله: "من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا" وكان ذلك هو الأغلب على همه، وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان، لا لأن طلب الدنيا حرام، ولكن طلبها بأعمال الدين حرام، لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن موضعها، وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي، وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما، ولم يكن له ولا عليه، فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب.
ثم إن الإنسان عند الشركة أبدا في خطر، فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده، فربما يكون عليه وبالا، ولذلك قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). أي لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط.
ويجوز أن يقال أيضا: منصب الشهادة لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو، وبعيد أن يقال من كانت داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو، وإن لم يكن غنيمة، وقدر على غزو طائفتين من الكفار، إحداهما غنية، والأخرى فقيرة، فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله والغنيمة، لا ثواب له على غزوه البتة. ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك، فإن هذا حرج في الدين، ومدخل لليأس على المسلمين، لأن أمثال هذه الشوائب التابعة قط لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور، فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب، فأما أن يكون في إحباطه فلا.
نعم.. الإنسان فيه على خطر عظيم، لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله، ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي، وذلك مما يخفى غاية الخفاء، فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص، والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه، وإن بالغ في الاحتياط.
فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد مترددا بين الرد والقبول، خائفا أن تكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها، وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر، وهكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة، ولذلك قال سفيان رحمه الله: لا أعتد بما ظهر من عملي. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: جاورت هذا البيت ستين سنة، وحججت ستين حجة، فما دخلت في شيء من أعمال الله تعالى إلا وحاسبت نفسي، فوجدت نصيب الشيطان أوفى من نصيب الله، ليته لا لي ولا علي.
ومع هذا لا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرياء، فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص، ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا. وقد حكى أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد الخراز ويخف في أعماله، فتكلم أبو سعيد في الإخلاص يوما يريد إخلاص الحركات، فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند كل حركة ويطالبه بالإخلاص، فتعذر عليه قضاء الحوائج، واستضر الشيخ بذلك، فسأله عن أمره، فأخبره بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص، وأنه يعجز عنها في أكثر أعماله فيتركها، فقال أبو سعيد: لا تفعل، إذ الإخلاص لا يقطع المعاملة، فواظب على العمل، واجتهد في تحصيل الإخلاص، فما قلت لك: اترك العمل، وإنما قلت لك: أخلص العمل، وقد قال الفضيل: ترك العمل بسبب الخلق رياء، وفعله لأجل الخلق شرك".

