نافذة مصر
كتب الدكتور محمد كمال مقالا رائعا تحت عنوان "اجتهادات في تطوير الحراك الثوري" قدم خلاله بعض الأفكار التي تساعد على نقل الصراع بين الثوار وعسكر الانقلاب إلى مراحل متقدمة يبدأ معها العد التناولي لإسقاط الانقلاب.
ويعد المقال هو الأول من نوعه في مجال الاجتهاد لتطوير الحراك الثوري على مستوى الفعل لا على مستوى التنظير، ليكون نواة لبداية نهوض الكتاب من مقاعد النقاد إلى صفوف الفاعلين الرئيسيين في معركة الأمة المصيرية في مصر.
نص المقال:
قد يساور بعضنا القلق من (عنصر الزمن) فى المعركة مع العسكر ، وقد يرى البعض أنهم ماضون فى فرض شرعيتهم ، وقد يخشى بعضنا تزايد التضحيات وفداحة الثمن المدفوع لنيل الحرية والكرامة .
وكل هذا مشروع ، وينبغى ألا نقلل من القلق أو أن ندفعه بمسكنات جوفاء ، لكن الحتمى أن يعى الجميع أن مصر فى معركة مصير ، وأن أى نقد لآلية من آليات المعركة مقبول مادام لا يثبط ولا يدعو لترك الجهاد.
لذا نساهم ببعض الآراء لتطوير حراكنا الثورى فنقول :
أولا :الانتقال إلى حرب استنزاف النظام :
- باعتبار أن الخصم يمتلك آلة القوة وآلة الوعى ، كما يمتلك رغبة جامحة فى السيطرة على الحكم ، أصبح حتما على الثوار أن يواجهوه فى إطار (حرب استنزاف) .
- والاستنزاف هنا ينبغى أن يستهدف (كل) عناصر حكمه ، سواء بعدم تمكينه من شرعية دستورية بدوام التأثير على الجمهور والتواجد المقلق بالشارع ، أو استنزاف شرفه بفضح انتهاكاته ، أو استنزاف قدراته على إدارة الوطن المغتصب وإظهار عجزه ، فضلا عن استنزاف هيبته وإسقاطه شعبيا ،أو حصاره ديبلوماسيا واقتصاديا، لإفشال مشروع حكمه.
- وهذه المعركة تتطلب الوعى بآليات بقاء العسكر ، ومن ثم الضرب المستمر فيها ، كما تتطلب استخصار إرادة مواجهة الزمن ، وعدم تسرب الإحباط ، والكف تماما عن استعجال النصر ، فالنصر قادم لا محالة بمشيئة الله ، ووقته بيد الله ، ومجرد انحيازنا للحق هو نصر لأشخاصنا ، والصمود هو نصر لدعوتنا ، والتضحيات هى قربان لتعجيل النصر.
ثانيا : حشد الخبرات والأفكار :
ينبغى استعادة القدرة على حشد الخبرات بكل مجال لتوجيه حرب الاستنزاف عبر خبرائها ، وهذا يقتضى توسيع نطاق العمل الثورى بحيث يدعم الحراك الجماهيرى بالشوارع والميادين .
- فالخبرات التقنية ستحدد كيف توجه الضربات الفنية لإفشال سيطرة العسكر على الحكم.
- والخبرات الفكرية ستحدد كيفية تطوير الحراك الثورى الشامل بحيث تدرس دائما طبيعة المرحلة ، وتحسب المكاسب والخسائر للثوار ، وتقترح الجديد لدفع العمل وتطويره .
- ومن هنا فإننا ندعو لأن تتشكل مجموعات تفكير حرة دون التقيد بالمركزية الإدارية ، وأن تصل هذه المجموعات لأوراق عمل وأفكار محددة فى كلا المجالين (التقنى والحركى) ، ومن ثم تبدأ التنسيق مع التحالف لإنزال أفكارها موقع التنفيذ.
- هذه المجموعات الحرة من كل أطياف الثورة تستطيع أن تواجه التضييق الأمنى ، كما تواجه تناثر وتسرب الأفكار الجادة التى قد تطرح فى لقاءات جانبية أو مقالات أو بمواقع التواصل الإجتماعى ، كما أنها توجه العقول إلى ضرورة إيجاد الحلول لكل مشكلة ، وعدم الاقتصار على الإشارة إلى مواطن الخلل ، وتفضى إلى إقتراحات رصينة لمواجهة هذا الخلل.
- إن معركة الاستنزاف التى نخوضها هى تطور حقيقى لمراحل المواجهة الثورية للعسكر ، وهى مرحلة متقدمة تؤكد أن الخلاف ليس على مصالح ولكن على مبادئ ، وتؤكد أن فريق اغتصاب السلطة لن يتمكن منها مادام لم ينزل على إرادة كل الشعب ، كما تؤكد أن انطلاق شرارة الثورة لم يكن من أناس حالمين ولا عابثين ، لكن كان بإرادة مسئولة مستعدة لخوض كل مراحل المواجهة مهما كانت مصاعبها وتحدياتها الداخلية والدولية.
ثالثا : من الانفعال إلى الاحتراف :
معلوم أن الثوار يمثلون العاطفة الطاهرة ، والأهداف النقية ، ولا يهتمون بالمكايدة ولا بالتآمر فتلك أعمال خصمهم العسكرى وبطانته ، غير أن الثورة تمر بمراحل ينبغى أن يتعامل معها الثوار بوعى ، وفى مرحلة الاستنزاف يجب إلزام النفس هدوءها والتحرك المحسوب ، والتخطيط المحترف ، فالانطلاق الساذج يمكن توجيهه من قبل الخصم المتربص ، لكن الحراك المخطط يصل لمبتغاه.
- كما ينبغى تداول الأفكار ، والكف عن تداول المشاعر.
- وقد أصبح واجبا أوليا أن يمارس الجميع فضيلة تثبيت الصف الثورى ، ونشر الوعى بمراحل المواجهة لئلا يتساقط المخلصون أو يحبط الأنقياء ، أو أن يتصور البسطاء أن النصر بعيد المنال ، ولهذا الواجب لزومياته من العلم والوعى ورباطة الجأش وعدم التسليم للخصم مهما كانت التضحيات.

