بقلم: د. حمزة زوبع
 

إذا تابعت قطار بضاعة وهو يمضي على القضبان فارغا فستسمع ضجيجا و(هيصة وزيطة) بسبب صوت العربات وهي ترتج خالية، هذه الجلبة والضجيج لا تحدث مع قطار آخر محمل بالبضاعة إذ إنه يمر دون ضجيج ولا تكاد تسمع سوى صوت مروره فوق القضبان.

هذه هي القصة باختصار مع عبد الفتاح السيسي زعيم الانقلاب وقائد موقعتي فض رابعة والنهضة، قطار بضاعة "رجليه بتخبط في بعضها"، فتسمع ضجيج قدميه ولا يمكنك استخلاص أي شيء من عقله لأنه بصراحة فاضي وفارغ وتافه لدرجة أنه لا يجد ما يقوله إلا "أنتم نور عيننا، وبصراحة رفعتم روحي المعنوية وبلاش عشان الرجالة ما يزعلوش".

تابعت وبدقة حواره مع الإعلاميين، فاكتشفت أنه يتعامل معهم على أنهم كتيبة عسكرية يقوم بحشدها وتشغيلها لصالحه، بل إنه وفي غفلة من الفهم أو المفهومية خاطبهم على أنهم جبهة وهذه مفردة عسكرية.

ثم جاء لقاؤه الكارثي مع اثنين من أعداء الثورة والديمقراطية، وهو لقاء مسجل تم "تظبيطه" لأيام ورغم ذلك جاء فارغا بلا مضمون وكشف عن شخصيته العسكرية المتعجرفة مع اثنين من أذرعه الإعلامية، فما بالك بغيرهم.

الجانب المضيء في هذه اللقاءات أنها كشفت للشعب (بتاعه) وللمرة الأولى عن فراغ زعيمهم، وخلوه من أي مواد مساعدة على الفهم، وكشفت أيضا عن أنه يتعامل مع الجميع كرجل مخابرات لديه خطة سرية لا يفصح عنها وإذا ما اضطر لذلك يلجأ إلى تهديد محدثيه تارة بالإشارة بالأصبع أو بالمقاطعة أو بتعليمات واضحة وصريحة (مسمحلكش تقول عسكر تاني) أو (هتسمعونا واللا هتتكلموا انتم)!.

السيسي الصامت بسلامته كشف أن صمته ليس حكمة وأن كلامه ليس ذكرى، وأن اختفاءه كان بتعليمات ممن نصحوه بعدم الكلام ولكنه مضطر، فكيف لا يتكلم وهو الرئيس المرشح والحاكم المرتقب.

عندما تعاقدت حكومة الانقلاب مع شركة جلوفربارك اليهودية قلت بالحرف الواحد على قناة الجزيرة إن الفكرة الأساسية لتسويق الانقلاب هي الحرب على الإرهاب، وتنبأت بأن برنامجه السياسي هو الإرهاب ثم الإرهاب ثم الإرهاب، رغم أنه فشل في مواجهته وهو في السلطة على مدار عشرة أشهر.

الرجل لا يملك أية بضاعة وحتى شخصيته التي كشف عنها فارغة ليس فيها إنجاز في حياته، اللهم إلا ما صرح به أنه وعد خطيبته إذا نجح في الثانوية سيخطبها. والحمد لله أنجز المهمة بعد رسوب مرتين وتزوج وأنجب منها وعزا بالفضل إلى ما هو فيه اليوم (لا اعرف ما هو) إلى ست البيت اللي بتسيطر على جوزها والبيت!

فارغ من كل مضمون إلا ما يكتب له، وخال من أية أفكار سوى ما يملى عليه، لا قدرة على الإنصات، ولا بلاغة في التعليق، وكل ما لديه هو الهروب من كافة الأسئلة بحكايات يعلم قبل غيره أن أصحابها ليس بمقدورهم الآن على الأقل الرد عليه، وليس لديه هو دليل على صدق روايته.

يتحدث عن الرئيس ولا يسمح له بالشهادة، ويتحدث عن الشاطر فتتحداه ابنة الشاطر أن يخرج تسجيلا للقاءاته مع أبيها.

حين أراد التمسح بالدين ورط نفسه بكلمات تدل على جهله بالدين، وحين أراد النيل من الإخوان استدعى أفكارا قديمة ليس بمقدور مثله فهمها، وقال إنها الواقع اليوم دون أن يضرب مثلا واحدا يؤيد كلامه ولكنه كلام للتخويف العام من عينة المجتمع الجاهلي والجماعات المسلحة التي يتستر خلفها الإخوان.

تحدث عن الذات الإلهية بطريقة مقرفة لا تحتاج إلى تعليق، وعن الخطاب الديني بطريقة تدل على أنه لا يعرف حتى معنى كلمة الخطاب الديني أصلا.

خلت تعليقاته على الأسئلة من أي توجه فكري، أو نظرية سياسية سوى نظرية الامتداد ولم أسمع بها، وقفز على البرنامج لأن ليس لديه برنامج، وعبر فوق أسئلة في السياسة والمعارضة والاقتصاد كما يعبر العداء فوق الحواجز، وهذا يعني أن لديه قدرة على الالتفاف وليس المواجهة، وأنى له ذلك وهو عاجز عن فهم حقيقة ما يدور في مصر حقا.

لم أشعر أنه يتحدث إلى المصريين بل يخاطب آخرين هناك في الخليج بما يريدون أن يسمعوه (الإخوان – الخطاب الديني) وفي الغرب بما يحبون أن يفهموه هناك (الإرهاب – أنا قائد عموم الميليشيات الكونية لخدمة مشروعكم).

لم يتحمل أسئلة عن الديمقراطية والمستقبل والسياسة والمعارضة، ولم يأت على ذكر حقوق الإنسان أو الحريات، وحين سئل عن الإعلام قال: (نشتغل مع بعض – عايزينكم معانا – شدوا حيلكم – محتاجينكم عشان الفهم والوعي).

وفي ايجاز، هذه هي الأسئلة وإن لم تُسأل، وتلك هي الإجابات وإن لم تعلن:

ماذا عن الاقتصاد؟ اصبروا.

ماذا عن السياسة؟ انتبهوا.

ماذا عن الغد؟ الله أعلم وربنا معانا.

ماذا عن الحقوق؟ إحنا بنواجه الإرهاب.

ماذا انجزت في 10 أشهر؟ اسألوا الببلاوي.

ماذا لو فشلت في الانتخابات؟ احذفوا السؤال ده.

ماذا عن العسكر؟ بس متقولش عسكر واحترموا نفسكم.

ماذا عن الإخوان؟ مفيش حاجة اسمها إخوان.

ماذا عن علاقتنا بالعالم؟ ماذا تقصد بالعالم؟

ماذا عن البرنامج؟ بلاش قباحة أنا مش مرشح، أنا مطلوب بالاسم.

ماذا عن دول الجوار؟ أقدر أخش الجزائر في 3 أيام.

ماذا عن الإرهاب في سيناء كما وعدت؟ لولا محبتنا لأهلنا في سيناء كنت خلصت عليه في 3 أيام.

هل ستغير الدستور لو فزت من أجل التمديد يعني؟ يعني إيه دستور؟ أنا جاي بإرادة الشعب.

ماذا عن الفقراء والمطالب الفئوية؟ سنطبق القانون.

ماذا عن الدعم؟ وقود العربية المدعوم بيأمن المظاهرات وتكلمني عن المظاهرات!

ماذا عن الداعمين؟ الملك عبد الله كبير العرب وزايد ما متش.

ماذا عن الوعود؟ لا أعد بشيء.

ماذا عن حزب النور؟ مش أحسن من الإخوان.

ماذا عن المدنيين الذين سقطوا ضحايا الحرب على الإرهاب؟ نبحث لهم عن دية، ساعدونا.

ماذا عن مذابح رابعة والنهضة؟ ما تقولش مذابح.

ماذا عن مكتب الإرشاد؟ عايز يحلل ويحرم، معنديش الكلام ده.

ماذا عن الذمة المالية؟ بتاعة مين تقصد حضرتك؟

ماذا عن القصر الجديد الذي يبنى لك في التجمع؟ الله يرزق من يشاء بغير حساب.

ماذا عن مصر؟ اسألوا عنها بعد ثلاثين أربعين سنة.

هل ستفوز بالانتخابات؟ سؤال عبيط جدا جدا.

ماذا عنك شخصيا؟ أنا وعدت خطيبتي لو خدت الثانوية هاخطبها والحمد لله نجحت.

ماذا عن تاريخك العسكري؟ أتمنى أكون زي عبد الناصر.