حازم سعيد :

رحل عن عالمنا هذا الأسبوع نظير جيد روفائيل والمعروف باسم البابا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وزعيم الطائفة الأرثوذكسية بمصر ورئيس مجلس الكنائس العالمي .
وقوبل رحيله بموجة إعلامية تبجيلية عظيمة ، شهدت عزاءات وكلمات وداع وتأبين كثيرة أجمع فيها الإعلاميون الذين ظهروا فى الفضائيات على حكمة الرجل واتزانه وعقله ، وأن البلد تحتاج  حكمته وأداءه الرائع – هكذا قالوا – فى هذه المرحلة الانتقالية التى تحتاج إلى مثله .
كان من أكثر العزاءات اتزاناً عزاء الدكتور الكتاتني الذى قدم نموذجاً بسيطاً سهلاً دون إفراط ولا تفريط .

وكان من أسوئها عزاء عمرو أديب الذى كان حريصا على التأكيد لمسيحية متصلة به أن المسيح عيسى عليه السلام لم يسلم وأن مصر لا تريده مسلماً ، وكذلك علاء الأسواني الذي كتب مقالة فظيعة خلط فيها التخيل والإبداع بالعقيدة ، وخلط فيها الحق بالباطل ، وجعل مصير البابا شنودة ومصير الشيخ عماد عفت – نسأل الله أن يبلغه منزلة الشهداء – جعل مصيرهما واحداً فى تناقض رهيب مع أساسيات ومبادئ العقيدة الإسلامية والمسيحية على حدٍ سواء ، فكلا العقيدتين يفصل وبوضوح تام بين مصير أتباع كل عقيدة فى الآخرة .

ولنا مع البابا شنودة وهذه العزاءات وقفات :

 

أولاً : حين نتحدث عن البابا شنودة بنوعٍ من النقد ، فلا يمكن لأحدٍ أن يلوم على كاتب هذه السطور لأسباب منها أن هناك فارقاً شاسعاً بين نقد أفعال رجل أراه من أسوأ من قدمت الكنيسة من حيث الوحدة الوطنية ، وبين تناول المسيحيين أو نقدهم أو الاعتداء عليهم .
ومنها أن نقد الأفعال للاعتبار والعظة ومحاولة منع تكرارها شئ وتجريح الأشخاص أو سبهم شيئ آخر ، وعلى هذا المنوال نسجت حين كتبت عن الراحل الشيخ سيد طنطاوى – رحمه الله وعفا عنه – بعد وفاته معدداً فتاويه التى اعتبرتها فتنة وخطأ .

 

ثانياً : في عهد البابا شنودة قدمت الكنيسة الأرثوذكسية فصلاً من أسوأ فصول العمل الوطني وأبشعه ، وشهد العنف الطائفي على مدار أربعين سنة هي مدة باباويته مدىً لم تشهده مصر من قبل منذ أن دخلها الإسلام ( أكثر من مائتي وخمسين حادثة كبيرة بخلاف الحوادث الصغيرة اللا معدودة ) ، وما صحب هذه الحوادث الطائفية من دماء مصرية كريمة أسيلت على أرض مصر من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء .
بدأت حوادث العنف الطائفي المأساوية بفتنة الزاوية الحمراء ، والتى كانت من أحد أهم أسباب مقتل الرئيس الراحل أنور السيادات بعد تغير سياساته مع معارضيه ، وانتهت بأحداث إمبابة بعد رحيل المخلوع ، هذا بخلاف الحوادث الصغيرة كما ذكرت .
الفصل الثاني السيئ لكنيسة البابا شنودة هو ملف المسلمات الجدد والذي ساهمت ميوعة الحكومة المصرية السابقة فى اشتعاله ، وهو ملف بخلاف تناقضه مع مبادئ العقيدة الإسلامية ، فإنه يتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان ومنها حرية العقيدة ، وهو الملف الذي أرغم فيه كثير من نساء مصر الذين دخلوا الإسلام عن حب ورغبة وقناعة على تغيير ديانتهن أو الحبس والإكراه والقتل وأبرز هذه النماذج نموذج كاميليا شحاتة  والعظيمة وفاء قسطنين ( تقبلها الله فى الشهداء ، و قناعتي أنها استشهدت تحت التعذيب بالكنيسة ) .
الفصل الثالث للكنيسة الأرثوذكسية فى عهد شنودة هو ملف المناهج والبرامج والأنشطة التربوية المقامة بالكنيسة وما بها من شحن طائفي رهيب ، ساعد فى إيجاد فجوة كبيرة جداً بين المسيحيين وإخوانهم فى الوطن من المسلمين .
الفصل الرابع القميئ لكنيسة البابا شنودة هو ملف أقباط المهجر والتوتر الذي أحدثوه فى سياساتنا الخارجية والضغوط الشديدة التى مورست على النظام السابق من جراء الشحن والتهييج الذي أحدثوه ، وادعاء اضطهاد الأقلية المسيحية بمصر .
الفصل الخامس : هو موضوع التعديات المستمرة على حقوق الدولة وهيبتها وأراضيها وممتلكاتها وإقامة كنائس ومعابد على أراضٍ مغتصبة ومن أبسطها قيام دير وادي النطرون والذي دفن فيه البابا باغتصاب مئات الأفدنة وضمها  للدير .
البابا شنودة ساهم فى تقوية كل هذه الفصول وتسببها فى كونها مأساوية بثلاثة تصرفات كلها سيئة : أولها الشحن والتهييج لأبنائه وتلاميذه ، والثانية دفاعه عن المعتدين من طائفته مثل ذلك القبيح الذي يعتدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشتم والبذاءة والمسمى بزكريا بطرس ، والثالثة باعتكافه ودلاله الذى مارسه على النظام السابق كنوع من الضغط عليها لتمرير رغبة من رغباته أو .
هذه ملفات وفصول ذكرتها بإيجاز واختصار تؤكد أن شنودة لم يكن حكيماً كما ادعوا ، ولم يكن مسالماً ولا داعية وحدة وطنية كما أرادوا أن يزيفوا ، بل كان من مهيجي الفتنة ومثيري الاحتقان بين طوائف الشعب المصري .

 

ثالثاً : بخصوص الكلمات التي رددها فضيلة الشيخ السيد عسكر - وهو أحد أحب مشايخي لقلبي - كمقدمة لكلمته العزائية ، فيمكن الاعتذار عنها له بأنها كانت مجملة كان نصها ( لقد تعلمنا من ديننا أنه عندما تنزل بنا مثل هذه المصائب أن نقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، نقدم خالص العزاء للأمة فى هذا المصاب الجلل والبقاء لله وحده ) .

إلا أني أود أن أؤكد أن هناك فارقاً كبيراً بين الممارسة السياسية والاتزان السياسى فى جانب ومعهما فى ذات الجانب البر والإقساط للطوائف  المسيحية ، وبين العموميات التي توحي بمشكلة عقدية أو أيديولجية ، أنا أستغرب بشدة كيف لي أن يحزن قلبي على مثل صاحب الجرائم التي ذكرتها فى النقطة السابقة .
قدم عزاءك كنوع ٍ البر والإقساط كما شئت ، ولكن أن تختار ألفاظا توحي بالحب والمودة والأخوة الإيمانية ( كمان ) فهذا ما أعترض عليه .
أنا لم أحزن يا شيخي على البابا شنودة ، ولم تدمع عيني عليه ، بل على العكس فرحت لأن الكنيسة الأرثوذكسية سوف تتخلص من هذا الذي أحدث فتنة وشروخاً بينها وبين أغلبية وطنها المصرية المسلمة ، لعل من يخلفه يكون متزناً ويعيد أداء الكنيسة الأرثوذكسية لمنظومة الوحدة الوطنية من جديد .
نعم أمرنا ديننا بالبر والقسط ولم ينهانا عمن لم يعتدي علينا ، ولكن هناك فارق كبير بين هذا وبين الحزن على مثل البابا شنودة ودمع العين عليه لأسباب على رأسها ما مر من فى النقطة السابقة من اعتداءات .

 

رابعاً : نعم أيضاً يمكن أن أحزن على بعض الناس إن مات مسيحياً ، من أمثال المنصف العاقل المتزن رفيق حبيب الذى أتمني أن يطول بقاءه ، ذلك بعيداً عن كونه نائباً لرئيس الحزب الذي أنتمي إليه ، ولكن لأنه إنسان عاقل حكيم متزن ، فوجود مثله فى عالمنا يسهل من وحدة عناصر الأمة حقاً ويشيع جو الهدوء والسلام فعلاً ويجعل الطائفة الإنجيلية التي ينتمي إليها طائفة مسالمة بصدق ولا تشهد مصر حوادث عنف معها أبداً .
والثانية لأن عقيدتي أن الله سبحانه لن يقبل من أحدٍ فى الآخرة إلا الإسلام ، وهو قول فصل قاطع لا تلون فيه ، وقد قال الله تعالى : " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين " ، وقال سبحانه : " إن الدين عند الله الإسلام " ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) ‏.
فمثل هذه النصوص تضعني فى حالة من الحزن على العقلاء والمنصفين والحكماء ، إن لم يهدهم عقلهم وحلمهم ورشدهم إلى الدين الحق وإلى أن يتنعموا فى الخير الذي يعده الله سبحانه للمسلمين فى الآخرة ، وهذا هو منتهى الصدق معهم والإخلاص لهم والشفقة عليهم ، لا أن أتعامل معهم بعبارات فضفاضة قد توحي بأنهم على حقٍ فأكون مضللاً لهم لا داعياً وهادياً ، هناك فارق شاسع بين الإقساط والبر وبين إقرارهم بما هم عليه من تكذيب نبيناً محمد صلى الله عليه وسلم وعدم الإيمان بما جاء به من عند الله سبحانه .
ولا ينبغى هنا أن تشغلنا السياسة أو تشغلنا الحكمة والاتزان أو يشغلنا البر والقسط عن رسالتنا التى ابتعثنا الله من أجلها والتي سمينا بها " دعاة إلى الله " وهي ما لخصه ربعي بن عامر رضي الله عنه بقوله : " الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة " .
ومن قبله انظر لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضوح الرسالة التى جاء بها فى موقفه مع عدي بن حاتم رضي الله عنه قبل أن يسلم ، حين دخل عليه عدي - وكان نصرانيا – وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قول الله تعالى:  اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله  .
فقال : يا رسول الله ما اتخذناهم أربابا ، لم نسجد لهم، قال : ((ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟ قال: بلى، قال: فذلك عبادتكم إياهم)) .
إنه وضوح الداعية إلى الله والذي لا تشغله الحكمة ولا الاتزان ولا المسالمة ولا السياسة عن الصدع بالحق وتوضيحه وتبيينه .

وقال صلى الله عليه وسلم : " فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم " .

 

خامساً : للنقطة السابقة  - وهي وضوح عدم قبول الله سبحانه من غير المسلمين فى الآخرة - أعترض على هذا التميع الديني والعقدي الذي يضعنا فيه أمثال عمرو أديب ( بجهله ) وأمثال علاء الأسواني  ( بخيالاته وشطحاته )، فأنى لمن كذب النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يرد على الجنة أو يشم ريحها ، إن مات على غير الإسلام وقد درس القرآن والسنة من أمثال البابا شنودة ، وقد سمعنا له كلمات فى معرض القاهرة للكتاب من سنوات عدة وهو يحاول ضرب آيات القرآن بعضها ببعض ، أقول أن من أصدق من يعتقد فى سوء آخرته هو أمثاله ممن مات على الباطل ولم يبين غير ذلك ولم يعلن ، وكثير من المسيحيين نفاجئ حين يموت بوصية له تعلن إسلامه وأنه كان يكتم ذلك ، فأما وأنه لم يثبت عن البابا شنودة غير أنه مات على هذه العقيدة التي تفترض أن لله ابن أو أنه ثالث ثلاثة ، أو له أقانيم ثلاثة ، أو كذب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمثله كيف يرد على الجنة من الأصل ، هذا من المحال فى العقيدة الإسلامية بلا خلاف بين أحدٍ من المسلمين .
فأن يشطح علاء الأسواني بخياله ويخلط الحق بالباطل ويأتينا بالظلمات ليفترض أن شنودة فى الجنة ، أو يأتي عمرو أديب بجهله ويقول أن المسيح لم يسلم ، هذا هو الوهم والتخلف على حدٍ سواء .
ولا يقال عن مثل مقالة علاء الأسواني والتي سماها " من يستقبل البابا شنودة " ؟ ويقصد فى الجنة ، لا يمكن أن يقال عن مثل هذا أنه نوع من الإبداع والتخيل ، لأنه تحدث بألفاظ صريحة عن اعتقادات يكنها بمنزلة البابا شنودة فى ملكوت السموات وأنه فى الجنة وأنه يتناقش مع مايكل نبيل وعلاء عبد الهادي والشيخ عماد عفت .

 

سادساً : هناك فارق وفصل واضح بين المعاملة فى الدنيا والجوار فى الوطن وبين المعتقد عن المصير فى الآخرة ، وليس هناك تناقض بين مقتضى قوله تعالى : " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين " وما يعنيه من أن الإسلام شرط من شروط النجاة والفوز فى الآخرة ، فليس هناك تناقض بين ذلك وبين قول الله عز وجل : " لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " ، فالبر والإقساط والعدل معهم والرحمة بهم من سمات وخصائص المنهج الإسلامي .
ولم ير غير المسلمين عيشة هنيئة ولا رعاية للحقوق ولا كرامة أفضل مما وجدوه فى الإسلام ، وقصة عمر رضى الله عنه الشهيرة مع عمرو وكلمته التى تكتب بماء الذهب أشهر من أن تروى : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ".
فليس معنى أن أعتقد أنه فى الآخرة ليس من الفائزين ولا من الرابحين أن أعامله فى الدنيا بظلم أو أنتقص حقه فى الوطن أو أن أعامله على أنه درجة ثانية ، بل نحن فى الوطن سواء ، كلنا لنا نفس الحقوق والواجبات إلا بتفصيلات دقيقة مثل توليه الولاية العامة مثلاً ... الخ .


والأصل أن له كافة حقوق المواطنة ولا يحرم من أماكن يستحقها بتفوقه ، ولا يعامل إلا بالحق والبر والإقساط ، ذلك كله فى الدنيا ، أما أن أخلط ذلك وأعتقد أن له نفس الكرامة فى الآخرة ، فهذا مما يعد تلوناً وخروجاً عن مقتضى آيات القرآن الكريم وصريح السنة النبوية المطهرة ومدلولات العقل والفهم السليم .

 

سابعاً : الموجة الإعلامية وكلمات العزاء والرثاء الصارخة التي تعدت التوسط والاعتدال وصاحبت وفاة البابا شنودة ، ووصلت من البعض لحد التطرف ، لم نر مثلها لعلماء أجلاء أمثال : الشيخ عرفات المنجي والشيخ عماد عفت رحمهما الله .
هؤلاء القمم الشامخة الذين لم نشهد لهم فتناً طائفية ، ولا إكراهاً لأحد على تغيير دينه ، ولا مشاركة فى مظلمة لأحد ، ولا تغيير وجهة دينه لممالئة الحكام الظالمين .
فإلى متى سيستمر هذا التمييز الإعلامي من مجموعة محترفين لم يعلموا أن بمصر ثورة تغيير الغرض منها تحقيق العدالة الاجتماعية ، أليس من العدالة أن ترعي حق الرموز والقمم الشامخة سواءاً بسواء ، هذا إن عددنا البابا شنودة رمزاً وقمة شامخة !؟!.
أوليس أمثال الشيخ عرفات المنجى والشيخ عماد عفت وغيرهم الكثير والكثير ممن يستحق هذا الزخم الإعلامي الذى مر علينا ..
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن على هذا التمييز الإعلامي العنصرى البغيض .
===========
[email protected]


رابط لبعض أفعال البابا شنودة وانتهاكاته فى حق الوحدة الوطنية

رابط لمقالة علاء الأسواني

رابط لمقالة فى الرد على علاء الأسواني

رابط لفيديو عمرو أديب : المسيح لم يسلم