د/ محمد المرسي

يتفق علماء السياسة على أن كل مجتمع يريد بناء دولة لابد أن يكون له دستور ، فأصبح من المسلَّمات البديهية في علم السياسة أنه لا يمكن وجود دولة من غير دستور.

كلمة دَستور (بفتح الدال) كلمة أصلها فارسي ، وهي تتكون من (دست) بمعنى القاعدة و(ور) بمعنى صاحب ، ولها عدة معانٍ منها الدفتر الذي تُجمع فيه قوانين الملك ، ويقال إنها بمعنى الأساس أو التكوين ، وقد تكون دخلت إلى اللغة العربية من خلال الأتراك ، حيث شاع استخدامها زمن الخلافة العثمانية . وبعض الدول العربية تأخذ بمسمي الدستور مثل مصر ، والبعض الأخر يأخذ بمسمي القانون الأساسي مثل الأردن والعراق.

وفي المبادئ الأساسية للقانون الدستوري يُعرّف الدستور على أنه مجموعة المبادئ الأساسية المنظمة لسُلطات الدولة المختلفة وصلاحيات كل منها ( التشريعية والتنفيذية والقضائية والصحافة ... إلخ) ، وتحدد العلاقة بين أجهزتها المختلفة ، والمبينة لحقوق الأفراد وحرياتهم ، والوسائل الأساسية لضمان هذه الحقوق.

  ولأن الدستور يُعرف بأنه قانون القوانين أو القانون الأساسي ، فهو القانون الأعلى في الدولة لا يعلوه قانون آخر، ولهذا يتمتع الدستور بمبدأ ( سمو الدستور ) ، وهذا يجعله الجهة الوحيدة التي تُنشئ السلطات الحاكمة وتحدد اختصاصاتها .

وسمو الدستور يكون سمواً موضوعياً ، لأنه يتناول موضوعات تختلف عن موضوعات القوانين العادية ، وسمواً شكلياً ، وذلك باتباع إجراءات مشددة عند وضع مواد الدستور أو تعديله ، ويترتب على هذا السمو وجود سُلطتين ، سُلطة منشِئة أو مؤسِسة وهي التي تُؤسس وتضع الدستور ، وسُلطة منشَأة أو مؤسَسة وهي التي  يُنشئها الدستور ، وكذلك يترتب على هذا السمو وجوب احترام كل المؤسسات لهذا الدستور لأنه أصلها ومُنشِئها ، وكذلك وجود هيئة خاصة لمراقبة القوانين العادية ومدى اتفاقها مع الدستور ( المحكمة الدستورية العليا).

وتنقسم الدساتير من حيث التدوين إلى دساتير عُرفية - أو غير مدونة - ودساتير مكتوبة ، ومن حيث التعديل إلى دساتير مرنة ودساتير جامدة .

الدساتير العُرفية هي الدساتير التي لم تكتب نُصوصها  في وثيقة واحدة ، وأشهر الدساتير العُرفية هو الدستور الإنجليزي ، غير أن الفقهاء الدستوريين يقولون أنه لا يوجد دستور عرفي بالمعني الحرفي ؛ لأن أي دستور لابد وأن يكون مكتوبا لتتوارثه وتتناقله الأجيال ، فمثلاً الدستور الإنجليزي يتضمن مجموعة من الوثائق المكتوبة مثل وثيقة العهد الأعظم ، وميثاقى الحقوق لسنتي ، وقانون البرلمان ، وكذلك قانون 1958 الذي سمح بدخول المرأة الإنجليزية إلى مجلس اللوردات .

أما الدساتير المكتوبة فهي الدساتير التي تصدُر في وثائق رسمية مكتوبة ، وهذا النوع يتميز بالوضوح والدقة والثبات ، وتعود الأسباب التي دفعت المجتمعات او الدول إلى كتابة دساتيرها إلى عدة أسباب ، منها قيام الثورات ( الدستور الأمريكي كُتب بعد الثورة الأمريكية 1787 م و الدستور الفرنسي بعد قيام الثورة الفرنسية  1791 م وكذلك الدستور المصري الجديد يُكتب بعد ثورة 25 يناير المباركة ) ، أو قيام دولة جديدة ( مثل السودان بعد التقسيم !!!) أو عندما يأتي الدستور كمنحة من الحاكم ، فهنا تلجأ المجتمعات إلى كتابة هذا الدستور قبل أن يتراجع الحاكم عن وعده ( مثل دستور 1923 ).

كما تنقسم الدساتير إلى دساتير مرنة ودساتير جامدة ، والدساتير المرنة هي التي يمكن تعديلها بنفس طريقة تعديل القوانين العادية ، وهذه الدساتير تفقد جزءًا من سموها وهو السمو الشكلي ، وكذلك لا يوجد فرق بين السُلطة التي تضع الدستور والسُلطة التي تضع القانون العادي . أما الدساتير الجامدة فهي الدساتير التي يتطلب تعديلها إجراءات أشد تعقيدا من التي تُتبع عند تعديل القوانين العادية ، وأغلب دول العالم التي لها دساتير مكتوبة تكون من النوع الجامد ( مثل دستور 1971 المصري) ، بعض الدساتير الجامدة تتطلب ضرورة موافقة البرلمان والشعب على التعديل ( مثل الدستور الأمريكي والسويسري ) ، والبعض يتطلب انتخاب ( وليس تعيين ) هيئة خاصة لغرض التعديل ، وبعض الدساتير تغالي عند التعديل بوجوب حل البرلمان وانتخاب برلمان جديد يكون مسئولا عن التعديل ، بالإضافة إلى ذلك فهناك بعض الدساتير تشترط بعد التعديل أن يُستفتي عليه الشعب عن طريق الاستفتاء الدستوري ( مثلما حدث في استفتاء 19 مارس 2011 م ).

وتنحصر أساليب إصدار الدساتير في أسلوبين ، الأول هو الأسلوب غير الديمقراطي ، ويكون على هيئة المنحة ، وفيه يتفضل الحاكم  على المحكومين بمنحهم دستورًا ( مثل دستور 1923 ) أو أسلوب العقد ، وفيه تجتمع إرادة الشعب مع الحاكم ويتفقان على كتابة دستور للبلاد ( مثل دستور فرنسا 1830 حيث اتفق الشعب الفرنسي مع ملك فرنسا لويس فليب)، أو أسلوب الفرض ، وفيه يفرض الحاكم الدستور على المحكومين حتى لو تم الاستفتاء علي هذا الدستور ، مثلما حدث في دستور سوريا  26 فبراير 2012 م .

أما الأسلوب الثاني من أساليب إصدار الدساتير فهو الأسلوب الديمقراطي ، وهو الذي تظهر فيه إرادة الشعوب دون أن يشاركها أحد ، ويتم هذا بأسلوبين ، أسلوب الجمعية التأسيسية ، وفيه يقوم الشعب بانتخاب هيئة تأسيسية لكتابة الدستور ، ويعتبر الدستور نافذا بمجرد إقراره من هذه  الجمعية التأسيسية ( وهذا الأسلوب هو المتبع في كل من أمريكا وألمانيا وإيطاليا ) ، أو أسلوب الاستفتاء الدستوري ، وفيه يقوم الشعب بعد انتهاء الجمعية التأسيسية ( سواء كانت منتخبة أو معينة ) من كتابة الدستور ؛ بالتصويت المباشر ، وذلك عن طريق الاستفتاء الشعبي لإقرار هذا الدستور ( مثل دستور مصر 1956 و 1971 ).

وتُعتبر مصر من أوائل الدول اللتي عرفت الدساتير ( دساتير مصر من النوع المكتوب ومن الدساتير الجامدة) ، فعرفت في عهد الخديوي توفيق دستور 1882 بعد نضال طويل ( 1805 م – 1882 م ) وهو دستور مكون من 53 مادة معظمها تخص مجلس النواب  ،كما أنه دستور أقرب إلى اللائحة ، حيث يغُلب عليه الجانب الإداري والتنظيمي وليس التشريعي والرقابي ، فمثلا تنص المادة 43 على " يكون إعطاء الآراء في المجلس بواسطة رفع اليد أو النداء بالاسم أو وضع الآراء في صندوق " .

ثم بعد ثورة 1919 أُجبر الملك على إصدار دستور 1923 والذي قام بإلغائه في 1930 ثم عاد للحياة السياسية مرة أخري عام 1935 حتى قيام ثورة 1952 م . وهو عبارة عن سبعة أبواب  ويتكون من 170 مادة ، ويُعتبر من أقوى الدساتير التي عرفتها مصر، وبعد إلغاء الملكية في 18 يونيو 1953 م جاء دستور 1954 الذي لم يَرَ النور ولو ليوم واحد ، وذلك لأنه لم يَنَلْ رضا الضباط الأحرار ، ثم جاء دستور 1956 ودستور 1958 والذي يُعرف بدستور الوحدة بين مصر وسوريا ، ثم جاء دستور 1971 في عهد السادات ، والذي قام بتعديله في أبريل 1980 م ( ويُعرف بتعديل الهوانم –  فايدة كامل وأعوانها ) لكي يتسنّى له البقاء في حكم مصر مددًا بدلا من مدتين ، ثم جاء عهد مبارك الذي استفاد من تعديل الدستور وبقي في حكم مصر لمدة ثلاثين عاما متواصلة ، ثم قام بتعديل الدستور مرتين ، في عام 2005 م ثم عام 2007 م لكي يمهد الطريق لتولية ابنه جمال على عرش مصر .

وبنظرة بسيطة على فلسفة التعديلات الدستورية في عهد مبارك ، نستطيع أن نقول بأن هذه التعديلات جاءت لتقوية نفوذ الحاكم على المحكومين والتمكين لاستبداده ، مما يجعلنا نؤمن بما قاله الفقيه الدستوري يحيى الجمل بأن مصر دولة لها دستور ولكنها ليست دولة دستورية .

في المقال القادم إن شاء الله سوف نوضح لماذا لم تكن مصر في عهد مبارك دولة دستورية ،  وكذلك سوف نتناول دساتير مصر لاستخراج مجوهراتها ومتفجراتها .

_____________

أستاذ مساعد – جامعة المنصورة .. دبلوم الدراسات العليا في العلاقات الدولية السياسية