د / ممدوح المنير *
أخيرا حطّت الثورة اليمنية رحالها و لو مؤقتا، بأداء المشير عبد ربه منصور هادي القسم رئيسا لليمن خلفا للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ، الذى حكم اليمن – اليمن الشمالى وقتها - منذ 17 يوليو/ 1978م .
حيث مثّل وصول عبد ربه منصور إلى سدة الحكم فى اليمن نجاحا للمبادرة الخليجية التى أعتبرت خارطة طريق لنقل السلطة فى اليمن دون الدخول فى أتون حرب أهلية ، خاصة أن المبادرة حظت بدعم دولى بقرار مجلس الأمن رقم 2014 و الذى أيّد المبادرة .
و تقضى باقى أجزاء المبادرة بأن يشكل الرئيس الجديد لجنة لوضع دستور جديد للبلاد ، ثم يعرض الدستور على الشعب للإستفتاء عليه ، ثم يتم وضع جدول زمنى لإنتخاب مجلس نيابى جديد ، و أخيرا يشكل الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد الحكومة .
و السؤال الذى يفرض نفسه هنا هل يستطيع الرئيس الجديد أن يسير باليمن عبر خارطة الطريق هذه ؟ أم ينجح مرقّص الثعابين على عبدالله صالح كما يطلق عليه منتقدوه فى إعاقة التحول الديمقراطى باليمن عبر رجاله فى اليمن؟
و حتى نستطيع الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من التعرف على مجمل التحديات و الإستحقاقات التى تواجه الرئيس و الشعب اليمنى .
التحدى الأكبر الذى يواجه الرئيس الجديد هو اقارب على عبد الله صالح الذى يحتلون أرفع المناصب فى المؤسسات المدنية و العسكرية فى الدولة ، فإبنه أحمد لا يزال هو قائد الحرس الجمهورى و القوات الخاصة فضلا عن أكثر من عشرين من أقاربه و أبناء قريته سمحان مسيطرين على قيادة القوات الجوية والبحرية والبرية والدفاع الجوي والفرقة أولى مدرعة وحرس الحدود إلى جانب الأمن المركزي والأمن القومي وقيادة المعسكرات والمناصب الإدارية فى الدولة !!! ، كيف سيتعامل عبد ربه مع هؤلاء خاصة أنهم جزء اساسى من النظام الذى يعتبر عبد ربه نفسه جزءا منه !! .
و الذى يعقد الموقف أكثر أن أيادى عدد من هؤلاء الأقارب خاصة الإبن أحمد ملطخة بدماء الثوار ، حيث وجهت النيابة المسئولية للحرس الجمهورى بإحداث مجزرة جمعة الكرامة فى 18 / 3 / 2012 م .
التحدى الآخر الذى يواجه الرئيس الجديد هو حزب المؤتمر الشعبى الذى يعتبر الحزب الحاكم فى اليمن و الذى يشغل فيه منصب نائب رئيس الحزب وأمينه العام ، بينما يدين غالبية قياداته بالولاء لعلى عبدالله صالح .
حيث يجرى الترتيب حاليا من قبل بعض قيادات الحزب لإختيار العميد أحمد على عبدالله صالح قائد الحرس الجمهورى ، ليصبح هو رئيس الحزب الحاكم فى اليمن خلفا لوالده المخلوع ، متجاوزين بذلك نائب رئيس الحزب و الرئيس الجديد للدولة !!.
رغم أن هناك من يرى أن رغبة الإبن فى الهرب من الملاحقة القانونية و السياسية قد تكون هى الأغلب عليه من طموح سياسى يحفظ للحاشية حظوظها و لا يحفظ له سلامته من العقاب عما فعله طيلة وجوده فى قمة هرم السلطة ، خاصة أن الحصانة القانونية لا تشمل سوى الرئيس المخلوع كما قضت بذلك مبادرة الخليج فى نسختها الأخيرة ، كما أن قواعد الحزب هى الأخرى ثارت على قيادتها فى اماكن كثيرة من الدولة أثناء الثورة .
امام هذا المشهد المتداخل يصبح الصدام بين الرئيس الجديد - و بين أنصار صالح فى الحزب هو الغالب فى العلاقة بينهما .
الطبيعة القبلية التى تشكل اساس الدولة فى اليمن تعتبر تحدى إستراتيجى آخر أمام عبد ربه ، فاليمن به نحو مائتي قبيلة ، كما فى دراسة للباحث اليمني نزار العبادي ؛ 168 منها في الشمال، والباقي في الجنوب وتسكن غالبيتها المناطق الجبلية .
كما ان جميع القبائل مدججة عن آخرها بتشكيلات كبيرة من الأسلحة ، مما يجعل الكثير منها دولة داخل الدولة ، كما أن صالح سعى طيلة فترة حكمه إلى كسب مشايخها لجانبه إما بالمال أو بالإمتيازات الأخرى .
رغم أن هذه القبائل فى غالبها قد إنضم إلى ثورة الشباب مبكرا و أعلن تأييده لها و اهمهم قبيلة حاشد و بكيل اللتان تعدان من أكبر القبائل اليمنية و أكثرها نفوذا ، إلى أن الجميع فى النهاية سيحرص على البحث عن موضع قدم في حلبة التقاسم والمكاسب السياسية .
فهل يجيد عبد ربه بسط سيطرة الدولة على المناطق القبلية أو حتى كسبها لصفه ؟، خاصة أن مفهوم الولاء للقبيلة مقدم على الولاء للدولة لدى عشائر القبائل.
من التحديات التى تواجه الرئيس الجديد كذلك الحراك الجنوبى الذى يطالب بالإنفصال عن الدولة اليمنية ، بعد فشل تجربة الوحدة – كما يقول هؤلاء – فى ظل حكم صالح الذى تجاهل كافة حقوقهم السياسية و الإجتماعية .
و لن يشفع لعبد ربه كونه من محافظة ابين الجنوبية أو حتى رئيس الوزراء الحالى الجنوبى أيضا محمد سالم باسندوه ، ما لم يشعر المواطن الجنوبى بنقلة نوعية فى حياته الإجتماعية و حقوقه السياسية ، مع ملاحظة أن هناك من قيادات الحزب الحاكم من سيسعى بكل جهد لتسخين الجبهة الجنوبية لإفشال عبد ربه ، و حتى يحافظ على امتيازاته أو يحصل على المزيد منها .
من أبرز التحديات كذلك النفوذ الخارجى القوى فى اليمن و الذى يشكل جزء أساسى من اللعبة السياسية و الأمنية فى هناك ، فالسعودية على سبيل المثال تتعامل مع اليمن على انها مجموعة القبائل أكثر منها دولة لذلك تحرص بكل الطرق على استمالة هذه القبائل لصفها بكل الطرق ، مع الحرص على ان تظل التركيبة السكنية لليمن قبلية أكثر منها قائمة على مفهوم المواطنة ، طبقا لقاعدة فرق تسد .
فى حين ان الولايات المتحدة حريصة على بقاء المعادلة الأمنية و السياسية فى اليمن بلا تغييرات جوهرية ، حتى تضمن بقاء نفوذها و رجالها هناك ، لضمان سيطرتها على تنظيم القاعدة القوى هناك خاصة فى الجنوب ، و هو ما يشكل عامل قلق و أرق كبير للولايات المتحدة .
فالأمريكان لا يريدوا ان تأتى الثورة بنظام سياسى وطنى مستقل حرة الإرادة كما حدث فى تونس أو كما يتشكل الآن فى مصر ، مما يفقدها الكثير من نفوذها و قدرتها فى المنطقة الأهم فى الشرق الأوسط .
الحوثيين سيشكلون كذلك صداع مزمن للرئيس اليمنى ، فمعاركهم فى الشمال لا تتوقف ، فقد سقط 7 قتلى من رجال القبائل في مديرية كشر بمحافظة حجة على يد الحوثيين حتى بعد أن تم تنصيب عبد ربه هادى رئيسا .
تنظيم القاعدة هو الآخر يمثل أكبر التحديات التى على الرئيس التعامل معها ، خاصة أن التنظيم يعتبر الأقوى فى المنطقة من حيث التسليح و القدرة كما انه يقبع فى المنطقة التى تطل على باب المندب رمانة المنطقة و حلقة الوصل بين آسيا و إفريقيا .
كما أن هناك لاعبون كثر يستخدمون التنظيم لتحقيق مصالحهم ، فبعض القبائل تحمى التنظيم لإبتزاز النظام ، و بعض أركان النظام تستخدم التنظيم ضد أجنحة أخرى به ، و الأمريكان يستخدمونه حجة قوية للبقاء بقوة داخل اليمن و فى أطرافها .
يبقى التحدى الأخير فى أحزاب اللقاء المشترك و شباب الثورة الذين سيدخلون فى معركة مع النظام القائم حاليا و الذى يعد عبد ربه جزءا منه من أجل تحقيق باقى أهداف الثورة من القضاء على الفساد المستشرى داخل مؤسسات الدولة المختلفة و التأسيس لدولة عصرية ، بعض أن وصلت الأوضاع الإقتصادية إلى شفى الإنهيار الكامل ، فى دولة تعيش على المعونات و المنح التى لا تمنح اعتباطا .
بإختصار أمام عبد ربه هادى طريقان لا ثالث لهما
الطريق الأول أن يسير على نهج الرئيس المخلوع على عبد الله صالح و هذا قد يضمن له ترحيل المشاكل لبعض الوقت ، و لكنها حين تتفاقم فقد يكون مصيره أسوء من مصير صالح .
الطريق الثانى أن يقبل مواجهة التحديات التى تعترض طريقه و التى تحدثنا عنها آنفا ، و حينها عليه أن يراقص الثعابين التى أطلقها خلفه المخلوع صالح و رقصة الثعابين تحتاج الكثير من الحذر حتى لا تلدغه و تشل حركته و كيانه .
فلديه الحوثيون فى الشمال المدعومين من ايران و القاعدة فى الجنوب و كلاهما يحمل السلاح و يستخدمه ضد الدولة ، و لديه قبائل مسلحة هى الأخرى و أقوى من الدولة ذاتها و لبعضها علاقات خارجية مع بعض الدول ، و هناك رجال صالح و أبناءه الذين يمسكون بزمام الأمور فى الدولة فضلا عن حزبه ، و لديه الحراك الجنوبى و مطالب الإنفصال ، و لديه شباب الثورة و أحزاب المعارضة تقف له بالمرصاد ، و لديه شعب مسخن بجراح الثورة و مظالم اجتماعية صعبة و أوضاع إقتصادية مفزعة و لديه و ضع دولى ضاغط و حاضر بقوة فى اليمن ، أمام كل هذه الملفات الشائكة يصبح التنبأ بالمستقبل ضرب من المستحيل ، لكن المؤكد أن إرادة الشعوب فوق المستحيل .
رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات و التنمية

