د/ محمود البربري
رؤية تحليلية استكشافية لرئيس مصرالقادم ..
مع قرب بدء عملية انتخابات الرئاسة، يكثر الحديث بصورة مطردة عن شخصية الرئيس المرتقب، والذي سيقود مصر خلال الفترة العصيبة القادمة، في ظل العديد من التغيرات السريعة في الساحتين المحلية والعالمية. ونجد الجميع يدلون بدلوهم في هذا المجال من الشرائح الجتمعية المختلفة كالسياسين والمفكرين والإعلاميين، بل ومن عامة الناس كذلك.
وربما لا يختلف أغلب هؤلاء على صفتين أساسيتين من الصفات الواجب توافرها في مرشح الرئاسة، وهما:
- أن لا يكون المرشح محسوبا على النظام السابق أو محسوبا على المؤسسة العسكرية.
- أن يكون ذا سمعة طيبة و نزيهًا غير ملوَّث بالفساد أو حتى بشبهة الفساد السياسي أو المالى أو الأخلاقي.
ومع ذلك فإن "بعض" المرشحين ممن اتهموا بإحدى هاتين الصفتين أصروا على التقدم للمنصب اعتمادا على تفسيرات وتاويلات مختلفة، يحاولون من خلالها التملص من أدوارهم في ظل النظام السابق، بل كانوا أصبحوا يتباهون بها! مع أن من هؤلاء من كان من أركان هذا النظام السابق وأعمدته.
ولكن بالتأكيد فإن الشعب المصري لن يخدع بهذه التبريرات مهما حاول أصحابها خديعته.
بالإضافة، لأن ممثل الأغلبية من القوى السياسية الفاعلة وهو "حزب الحرية و العدالة" لا يمكن أن يتنازل عن هذين الشرطين وإلا تعارض ذلك مع فكرة الحزب، وتوجهه وبرنامجه فضلا عن تعريض نفسه لزعزعة مصداقيته لدى مؤيديه وممن حظي بثقتهم من أغلبية الشعب.
وأظن أن حزب الحرية والعدالة – وهو الذي أركز عليه في هذه المقالة - يحاول الآن تلمس طريقه في الاختيار، وإن كانت خياراته محدودةً جدا، لأنه لو اختار تأييد مرشح للرئاسة ثم فشل في إصابة الأفضل لأصبح في موقف عسير، وفي مرمي حكم الشعب عليه بسوء التقدير، فضلا عن إغضاب قواعده الحزبية واستدعاء نكيرهم وانتقادهم.
الأمر الثاني أنه لن يستطع الوقوف موقف المتفرج، والنأي كلياً عن تأييد أي مرشح لأنه حزب الأغلبية، والمفترض أن يكون له موقف سياسي واضح في اختيار أحد المرشحين المحتملين، فمنصب الرئيس يعنيه - بلا ريب - في تنفيذ برنامجه الذي دخل به الانتخابات واختاره الشعب على أساسه، طالما وجد الاتساق والتفاعل الإيجابي بينهما.
ومن خلال قراءة تصريحات بعض قيادات وكوادر حزب الحرية والعدالة، نستطيع أن نستشف أن الحزب بالإضافة لاشتراطه هذين الشرطين الضروريين في المرشح – يضيفون مواصفات ترجيحية يرون أنها يمكن أن تشكل عوامل نجاح للعملية السياسية والعلاقة بين الحزب - وربما حكومة الحزب- مع مؤسسة الرئاسة في المرحلة القادمة.
والواقع أن هذه الصفات التفضيلية الإضافية قد يختلف عليها قيادات الحزب ومنظروه، فضلا عن أعضائه وقواعده وجمعيته العمومية التي تضم منتمين لجماعة الإخوان المسلمين وغير منتمين إليها.
هذا الاختلاف يقع إما في إدراج صفات معينة، أوفي تصنيف درجة أهميتها وأولويتها.
ووفقا لما صدر من تصريحات قيادات الحزب، نستطيع أن نستشف بعض هذه الصفات التفضيلية والتى تشمل:
- إتجاه المرشح بحيث لا يصطدم - وإن لم يتطابق- مع توجهات الحزب.
- وتاريخه السياسي، ومواقفه السابقة.
- إضافة إلى صفاته الشخصية، وهل هو أقرب إلى "المدير" أم إلى "القائد".
ولا شك أن هناك فرقا كبيرا بين الإدارة والقيادة، وهذا أمر معروف ومفصل في العديد من الكتابات المتخصصة، ومن أفضلها إصدارات الدكتور طارق سويدان من حيث تخصصه وبروزه في هذا الميدان، وقد ذكر "سويدان " أركان "القيادة " الثلاثة وصفاتها الخمس الأساسية، مع تركيزالقيادة على الرؤية والتوجهات الاستراتيجية، وإحالة التفاصيل للمديرين.
أما "الإدارة" فهي تركز على الإنجاز والأداء في الوقت الحاضر، ومن هنا ينصب اهتمامها على المعايير وحل المشكلات واتقان الأداء، والاهتمام باللوائح والنظم والنتائج الآنية.
الرئيس المدير
تحمس لهذا الطرح العديد من كوادر حزب "الحرية و العدالة"، ومنهم الصديق الحبيب والعقلية الإدارية المميزة الدكتور "ياسر على" الذي قام بنشر طرحه على موقع الحزب لشرق القاهرة، وكرر لفظ "المدير والإدارة" تحديدا عدة مرات.
ومبررات ذلك الطرح عديدة، من أهمها: رؤية الحزب أنه من الأفضل أن يكون دور الرئيس مقتصرا على إدارة العمل وليس إتخاذ القرارات الاستراتيجية التي يُفترض أن المعنى بها هى القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة من خلال المؤسسات المنتخبة.
ويتسق ذلك مع الطرح الأصلي للحزب وهو "الجمهورية البرلمانية" والتي إضطر لتغيره تحت ضغط ظروف معروفة ومبررات منطقية إلى قبول طرح "النظام المختلط" الشبيه بالنظام الفرنسي.
وشخصية الرئيس المدير تعود فعليا إلى خيار حزب الحرية والعدالة الأول وهو "الجمهورية البرلمانية" وإن كان تحت مسمى النظام المختلط.
أضف إلى ذلك أن الدستور الجارى إعداده، متوقع أن يؤسس لنظام من الحكم يجعل العبء الأكبر من المسئولية يقع على الحكومة التى سيشكلها حزب الأغلبية وربما تقتصر مسؤلية الرئيس المباشرة على الخارجية والدفاع، وبناءً على ذلك فإنه لن يكون مطلوبا من الرئيس المرتقب الدخول فى أى مواجهات سياسية مع أى جهة كانت.
ويدعم هذا التوجه إدراك الحزب أن التحدي الأكبر للحكومة القادمة هو الاقتصاد والنهضة و يريد لذلك مناخا بعيدا عن التجاذبات السياسية داخل السلطة التنفيذية بين الحكومة التي سيشكلها وبين مؤسسة الرئاسة ولذلك كان من الشروط التي وضعها الصديق الدكتور "ياسر" ألا يكون متصادما (في رؤيته أو برنامجه) مع تيار الأغلبية البرلمانية، و من هنا أيضا تم التركيز في المقال المشار إليه على أهمية المهارات الإدارية وليس على الفكر أو الرؤية.
والواقع أن المدير لا يُشترط له أصلا وجود الرؤية، فهو سيكون رئيسا يشرف ولا يخطط وبذلك تنعدم تقريبا إحتماليات الصدام مع الحزب الحاصل بالفعل على أغلبية مريحة بالبرلمان.
وأظن أن هناك عاملا آخر من الأهمية بمكان وهو الخشية من الإتيان بدكتاتور أو فرعون جديد إذا تم السماح للرئيس القادم بلعب دور كبير في الحياة السياسية أو إذا سُمح له حتى فقط بالتواصل الجماهيري المؤثر على الشعب.
ويعزز ذلك ما يظنه البعض في المجتمع المصري من القابلية إلى "إنتاج الفراعنة" ويعززه أيضا الحوادث التاريخية التي مرت بمصر، وخاصة ما حدث من إنقلاب على الديمقراطية عام 1954م والتي عانت من آثاره الدامية الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها حزب الحرية والعدالة، فقيادة هذه الحركة الإسلامية هم قدوات وأساتذة معظم كوادر هذا الحزب وهذا التاريخ الدامي والأليم عاشوا معه ورأوا ضحاياه بأعينهم في محاضنهم التربوية فلا غرو أن يشكل هذا التاريخ عاملا مؤثرا في قرار الحزب.
من العوامل التى تدعم طرح فكرة الرئيس المدير أيضا: ترحيب القوى الفاعلة الأخرى على الساحة، والواقع إننا نلمس ترحيبا لهذا الطرح من القوى المنظمة بصفة خاصة سواءً الأحزاب أو القوى المنظمة الأخرى التي تريد التأثير على العملية السياسية لمصالحها - لأنه إذا توافقت هذه القوى المنظمة الفاعلة قبل الانتخابات على اسم معين فإن ذلك عمليا سيزيل عنصرا هاما من "معادلة صراع الإرادات" وبذلك يبقى مجهود تلك القوى موجها للتعامل مع العناصر الأخرى القائمة بالفعل على أرض الواقع دون الحاجة للدخول في حسابات جديدة أومخاطر إضافية قد تأتي من عنصرجديد قوي يمكن أن يقلب الموازيين أو يغير المعادلة إلى نتيجة يصعب توقعها مما قد يفجر العملية السياسية برمتها في هذا الوقت الحرج من تاريخ مصر.
الرئيس القائد
على الجانب الآخر هناك كثيرون يرون أن شخصية المدير في ظل التجاذبات والاستقطابات القائمة، ستؤدي إلى كارثة حقيقية وفشل ذريع.
فالقوى السياسية وإن توافقت على شخصية صباح يوم ففي المساء - ولا أقول في الغد - سيظهر على السطح تضارب الرؤى واختلاف البرامج وتنازع الاتجاهات وتجاذب الأوزان النسبية وسيصاب الرئيس المدير بشلل تام لوجوده في مواقف عديدة تحتاج إلى الحزم وتحمل المسؤلية واتخاذ القرار بناءً على رؤية استراتيجية محددة مسبقا وبناءً على إحساس متواصل بنبض الشعب وقدرٍ كافٍ من الاستقلال في اتخاذ القرار وتحمل نتائجه، وهذا لا يتوفر إلا في الرئيس القائد إذا توفرت له الرؤية الواضحة التى هي أهم خصائص القيادة كما أسلفنا.
فهذا الطرح يرى أن مصر تحتاج قائدا ذا رؤية واضحة ومميزة تستطيع أن تُنشئ عقدا اجتماعيا جديدا يؤسس للجمهورية الثانية التي يتمناها الشعب لمصر الحديثة.
رؤية يعرضها على الشعب الذي ينتخبه من أجلها ويحق له بذلك الانتخاب توجيه الدفة البلاد إليها وإلى نبض الشارع عند تنازع القوى المتجاذبة وعند التحاكم بين السلطات.
قبل ذلك كله يرى طرح "الرئيس القائد" أن ما تحتاجه مصر الآن هو قائد يكون جزءً من حركة الثورة وقائدا للتغيير وليس مجرد منفذ له ولا يتأتى ذلك إلا لشخص ذو شخصية ثورية الطبع لا تخشى الصدام مع النظام القديم أو الحكومة العقيمة - التنظيم العصابي أو المافيا - الذي مازال يعمل لصالح هذا النظام الفاسد ويعرف ذلك الناخبون من سابق تاريخه ونضاله وتضحياته.
وللدكتور "راغب السرجاني" رأي معروف يذكر فيه أنه يجب أن يكون الرئيس القادم شجاعًا وجريئًا في الحق لا يخشى القوى الخارجية ولا الفاسدين داخليًّا؛ فيقف في المشكلات الجسام بقوة، ويقيم الحق فيها دون مجاملات أو قبول للضغوط، وكذلك يقف أمام أعداء الخارج وضغوطهم فلا يرضخ لإسرائيل أو الولايات المتحدة أو غيرهما في أى مطالب أو مصالح على حساب كرامة ومصالح الشعب والوطن ويكون في الوقت ذاته رحيمًا بالشعب وأوجاعه وآلامه، ولا يقسو عليه لا بالضرائب ولا بغيرها، ومتواضعًا يرى نفسه واحدًا منه بلا كبر أو استعلاء.
ويرى "السرجاني" أن الرئيس القادم لا بد أن أن تكون له "كاريزما"؛ ليكون مؤثرًا وقادرًا على جمع الجماهير وإقناعهم، حتى لا تشعر الجماهير بالانقطاع عنه، أو أنه غير قادر على قيادة سفينة الوطن.
ويتفق الكثيرون من الخبراء مع الدكتور السرجاني في أن التواصل الجماهيري أمر في غاية الأهمية للرئيس وربما يكون ذلك التواصل أكثر إلحاحا وأهمية في الحالة الثورية التي تعيشها مصر ليس فقط من ضرورة التواصل مع ائتلافات الشباب الثائر على تعددها واختلافها؛ بل أيضا مع طوائف الشعب المختلفة التي تمر بفترة أزمات يحتاج فيها الشعب للثقة والاقتناع بقائده والالتحام معه للصمود في مواجهة هذه الأزمات.
هذا التواصل الحي الفاعل يتطلب مواصفات في جانبين:
التكوين الجسماني من الهيئة والصوت والصفات الجسمية الأخرى.
بالإضافة إلى تكوينه العقلي والفكري والشعوري لضمان القدرة على مخاطبة الجماهير والتأثير فى الناس والتواصل الفاعل معهم، وفي سورة البقرة ملمح لهذين الجانبين في تعليل قيادة طالوت "وزاده بسطة في العلم والجسم".
يضاف إلي ذلك ما ذكره د. طارق السويدان من صفات فطرية يجب أن تتوفر في القائد لا يمكن تعلمها ولا اكتسابها ولا اصطناعها مثل الأمور التى تتعلق بالمشاعر والعاطفة وسرعة البديهة والاهتمام بمن حوله، وهي صفات تصنع القائد وتحبب الناس فيه فيسهل عليهم اتباعه كما قال الله تعالى: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك".
وذكر مؤيدو "الرئيس القائد" صفات أخرى مثل:
- أنه يجب أن يكون قويا بمعني أن تكون لديه القدرة علي الحفاظ علي استقرار الدولة مع علمه التام بحجم التحديات التي ستواجهها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصر.
- ويجب أن يكون ذو خبرات سياسية وباع طويل في العمل العام داخليا وخارجيا.
- وأن يكون لديه سعة أفق قدرة على استيعاب كل التيارات العاملة في الساحة وأن يكون له قاعدة شعبية مؤيدة خاصة من الطبقة الوسطي وأن يكون من أقرب العناصر للقوي الشابة الجديدة.
- وركزوا على أن يكون له دراية تامة وإحساس حقيقي بشعب مصر، بثقافته وشوارعه، بمعني أن يكون ولد وتربي وعاش في مصر لحظات نكساتها قبل لحظات انتصارها.
- وينبغى أن يكون مهموما طوال عمره بهموم الوطن ويشهد تاريخه بالاستعداد والتقدم والتضحية لخدمة هذا الوطن.
والرئيس القائد سيكون أكثر قدرة على التفاوض القوي والحكيم مع القوى السياسية المختلفة وانتزاع تنازلات من بعضها لبعض لتقريب وجهات النظر وبذلك يكون أكثر قدرة على نسج التحالفات بين القوى السياسية وتشكيل الحكومات الائتلافية كخيار ضروري في المرحلة القادمة.
وعن الاحتجاج بعدم استحداث فرعون جديد: فيمكن التغلب عليه بكتابة متأنية للدستور تضبط صلاحيات الرئيس وسلطاته وطرق محاسبته وتمنع إعادة إنتاج الفرعون عن طريق المؤسسات وليس على الاعتماد على الصفات الشخصية.
هذا فضلا عن أنه ينبغي الإدراك بأن هناك تغييرا جوهريا قد حدث للشعب المصري وبخاصة لشبابه ولن يقبلوا أبدا بأي دكتاتورية أو تسلط بعد الثورة.
ومما يعزز هذا الطرح - (الرئيس القائد) - أن القائد يمكن أن يكون مديرا ناجحا بشئ من التدريب واكتساب المهارات أو إذا أحاط نفسه بمديريين أكفاء من التنفيذيين، وعلى عكس ذلك: فليس كل مدير يصلح أن يكون قائدا كما قال "وارين بيس": (إنك لا تستطيع أن تتعلم أن تصبح قائدا، فالقيادة شخصية وحكمة وهما شيئان لايمكنك تعلمهما).
الجزء الثاني من هذا المقال نخصصه لتحليل موقف حزب الحرية والعدالة وموقف جماعة الإخوان المسلمين من موضوع الرئاسة، مع ترجيح إلى أي اتجاه سيستقر الأمر.. يتبع

