د / ممدوح المنير *

لا شك أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة  بإدانة النظام السورى على المجازر التى يرتكبها فى حق شعبه يمثل ضربة قوية له ، فإدانة   137 دولة  لما يحدث فى سوريا  و مطالبتها لبشار الأسد بالتنحى كذلك ، يعد دليلا قويا على زيادة عزلة النظام السورى عن المجتمع الدولى ، و دعما كبيرا للثورة السورية ضد جزار دمشق .

لكن السؤال الذى يطرح نفسه هنا ، حتى متى يمكن أن يستمر النظام السورى فى إبادة شعبه ؟ و إلى متى يمكن أن يستمر نظام الأسد فى سدة الحكم رغم كل هذه المحاولات الإقليمية و الدولية التى تطالبه بالتنحى أو حتى وقف شلال الدماء المنهمر حاليا ؟ .

و حتى نستطيع أن نجيب عن هذا التساؤل بشكل جيد ، من الأهمية بمكان أن نتعرف على طبيعة هذا النظام الدموى و نحدد نقاط القوة و الضعف لديه ، و حسابات المصالح و المطامح و المطامع لدى القوى المختلفة على الساحة الدولية  و التى تمثل بتركيباتها المعقدة عنصر حاسم فى الموقف الراهن .

أ
ولا : طبيعة النظام السورى

ينتمى النظام السورى إلى طائفة النصيرية العلوية و هى طائفة تمثل الأقلية فى سوريا حيث لا يتجاوز عدد منتسبيها نحو 10 % من تعداد السكان فى سوريا و هذه الطائفة تعد حركة باطنية، ظهرت في القرن الثالث الهجري، و تُنسَب إلى محمد بن نصير النميري البصري، فارسي الأصل، و من مدعى النبوة وقد أباح المحرمات ، و قال شيخ الإسلام بن تيمية عنها فى كتابه الفتاوى ( أنهم: لَا يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَلَا يَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَلَا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ، ..، وَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وذكر أنهم أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛.. لإنهم يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ، وَمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ، وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ ، .. ، وذكر أنهم خانوا المسلمين، وأعانوا الصليبيين في الشام، كما أعانوا التتار في العراق على المسلمين الخ) الفتاوى لإبن تيمية

و عندما تولى حافظ الأسد سدة الحكم فى سوريا حاول تغيير مادة في الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً لكنه قوبل بمعارضه عنيفة وقتها فسكت عن الموضوع .

لذلك ليس مستغربا أن ترى على شاشات الجزيرة و غيرها مقاطع فيديو  للجيش النظامى  و هو يطالب بعض المعتقلين بالسجود أمام صورة بشّار أو الإدعاء بأن بشّار ربه و نحو ذلك .

و قد نتج هذا الوضع المغلوط عقب الإحتلال الفرنسى لسوريا فى أربعينيات القرن الماضى ، حيث عمل الإحتلال إلى جعل مقاليد الحكم فى يد هذه الطائفه، حتى لا يكون لها إحتضان شعبى و بالتالى يضمن و لاءها له .

إذا أضفنا إلى ذلك الطبيعة الدموية للنظام ، حيث سبق له  أن أرتكب مجازر مروعة بحق الشعب السورى  كما فعل في مدينة حماة، عام 1980م، حيث قتل من أهلها نحو 35 ألف مواطن، وتم تدمير أحياء بكاملها بمساجدها و كافة معالمها التاريخية  نتيجة القصف المدفعي و الجوى لها ، كذلك  المجزرة التى ارتكبها فى سجن تدمر حين قتل 700 شاب و وضعهم فى مقابر جماعية ، و غيرها الكثير من جرائم هذا النظام السادى .

لذلك فنحن أمام عملية قمع وحشية بخلفية دينية طائفية ، حيث يمسك بزمام الأمور فى كافة مؤسسات الدولة المدنية و العسكرية  أتباع هذه الطائفة  و التى تعتبر أحد روافد المذهب الشيعى الإيرانى و هو ما يفسر دعم إيران لبشّار .

كما تعتبر الإشتراكية هى المذهب السياسى للدولة  و قد اعتبرها  الكثير من المحللين غطاءا  سعت الدولة لفرضه  على الشعب للتعمية على طبيعة الطائفة الدينية لنظام الحكم .

ثانيا : نقاط الضعف لدى النظام

1-    إصرار الشعب السورى على الإستمرار فى ثورته رغم بهاظة الثمن المدفوع على مختلف الأصعدة من ارتفاع أعداد الشهداء و المصابين و التردى الكبير فى الأحوال المعيشية و الصحية للمواطنين .

2-    توحد الدول العربية فى غالبها ضد النظام السورى و مطالبتها أيّاه بالرحيل و طرد العديد منهم لسفراء سوريا لديهم .

3-    المجتمع الدولى الرافض لما يحدث فى سوريا و تمثل ذلك فى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة  المطالب للرئيس السورى بالتنحى و وقف البطش بشعبه .

4-    الإنشقاقات المتتالية فى الجيش النظام السورى وانضمام المنشقين للجيش السورى الحر ، يمثل نقطة الضعف الكبرى للنظام ، خاصة بعد وصول هذه الإنشقاقات لقيادات عليا بالجيش  ، و هو ما دفع بشّار الأسد للإعتماد على قوات و قيادات نوعية من الحرس الإيرانى لحمايته ، بل و التدخل لقمع الثورة أيضا ، كما يؤكد العديد من شهود العيان  و التقارير و الواردة من هناك .

5-    إنهيار مقومات الدولة السورية  و توقف الدولة عن أداء دورها على كافة الأصعدة الإقتصادية و التعليمية و الصحية و غيرها من الخدمات ، مما يساهم مباشرة فى التعجيل بإنهيار النظام .

ثالثا :نقاط القوة لدى النظام السورى

1-  الدعم الروسى الغير محدود و كان آخرها الفيتو الروسى فى مجلس الأمن ، و هو الدعم الذى يتوقع له أن يستمر لفترة طويلة ، ما لم يدخل متغير جديد على الساحة السورية .

و سبب ذلك الدعم أن روسيا بعد أن انقطعت علاقتها بمصر كحليف إستراتيجى فى مواجهة الولايات المتحدة إبان حرب أكتوبر 1973م ، عندما طرد السادات السوفيت من مصر ، بحث السوفيت وقتها عن حليف بديل لهم فى المنطقة فلم يجدوا أمامهم سوى سوريا التى يحكمها حزب البعث العربي الاشتراكي ، حيث أقاموا معها تحالف إستراتيجى  تمثل فى تدفق السلاح إليها فضلا عن الدعم السياسي في المحافل الدولية.

بل يكفى أن تعرف أن القاعدة العسكرية الوحيدة لروسيا خارج أراضيها حاليا تقع فى ميناء طرطوس السوري و التى تعتبر مركز الدعم المادي التقني للأسطول البحري الروسى .

2-  الدعم  الصينى كذلك يعتبر نقطة قوة لدى النظام ، فالصين  ترفض أى تدخل فى شئون سوريا الداخلية من قبل أى قوى خارجية ، و هذا الموقف ليس حبا فى سوريا أو النظام ، و لكن لأن بكين نفسها تمارس القمع العنيف ضد المعارضين للنظام لديها ، فإذا وافقت على التدخل فى سوريا ، فسوف تفتح الباب للتدخل فى شئونها الداخلية كذلك .

3-  صعوبة التدخل العسكري الخارجي المباشر في سوريا كما حدث فى ليبيا بسبب قربها من إسرائيل واحتمال اشتعال حرب إقليمية فى المنطقة تدخل فيها إيران على الخط ، و هو ما لن تسمح به الإدارة الأمريكية حفاظا على إسرائيل  و فى هذا المعنى نشرت صحيفة هآرتس العبرية (1/4/2011) مقالاً تحت عنوان: "الأسد ملك إسرائيل"، حيث ورد في المقال: "إن كثيرين في تل أبيب يصلّون من قلوبهم للرب بأن يحفظ سلامة النظام السوري، الذي لم يحارب إسرائيل منذ عام 1973 رغم شعاراته المستمرة وعدائه الظاهر لها" .

و أيضا لأنه بعد أن منحت الدولتين – روسيا و الصين - الضوء الأخضر للتدخل فى ليبيا ، إستأثر حلف الناتو بالعملية و استبعدهما و بالتالى أصبح نفوذ الولايات المتحدة قويا فى ليبيا ، فى حين أصبح ضعيفا بالنسبة لروسيا و الصين و هو ما لن يسمحا بتكرراه فى سوريا من جديد .

4-  إيران تمثل ذراع القوة الرئيسية لدى النظام السورى حاليا ، فالتحالف الإستراتيجى الحيوى بينهما هو الذى يطيل عمر النظام السورى  بشكل كبير ، فإيران تعتبر سوريا إمتداد إستراتيجى لها يصلها بحزب الله الشيعى فى لبنان و فى نفس الوقت جبهة مفتوحة فى حالة ما فكرت إسرائيل بمهاجمتها .

بمعنى آخر سقوط  نظام الأسد يعنى بالنسبة لإيران فقدان نفوذها فى لبنان عبر حزب الله و نفوذها فى العراق حيث يقوي موقف أهل السنة هناك في مواجهة الأحزاب الشيعية المهيمنة على مقاليد الحكم فى بغداد والموالية لإيران. لذلك ليس من المبالغة إذا قلنا أن الثورة السورية الآن هى بين النظام الإيرانى الشيعى بوزير داخليته بشار الأسد فى مواجهة الشعب السورى ذو الغالبية السنية المطلقة ( 80 % من السكان ) .

5-    تستقوى دمشق كذلك بالتنوع العرقى داخل أراضيها فالأقلية الكردية فى شمالها ، تعتبر عنصر ضغط تستخدمه ضد تركيا التى بها نحو 12 مليون من الأكراد .

هذه العناصر مجتمعة و متفاعلة معا ،  تجعل الثورة السورية تعانى من تعقيدات كبيرة ، مما يرجح إستمرار تدفق الدم السورى لفترة ليست بالقصيرة ، و يبقى الرهان على أن تتحرك الشعوب العربية و تنتفض جميعها من أجل سوريا مما يشكل عنصر ضاغط على الأنظمة العربية لدفعها لأخذ مواقف أكثر قوة مثل العمل على تسليح الجيش السورى الحر أو حتى التهديد بإعادة النظر فى العلاقات مع روسيا و الصين أو غيرها من المواقف التى تسرع من رحيل النظام الفاشى فى سوريا .

     ــــــــــــ

رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات و التنمية