حازم سعيد :

الرابط الذى يجمع كل هؤلاء هو أنهم مقدمو برامج على الفضائيات تناقش الأوضاع العامة المصرية سياسية واجتماعية وخلافه .
والفارق بينهم كما بين السماء والأرض ، فهذه الأسماء الأربعة أضربها كمثال لنموذجين : الأول والثاني لغياب المهنية والحرفية مع قلة الذوق مع المخالف ، والثالث والرابع لنموذج مراعاة المهنية والحرفية والعدالة مع الانضباط الخلقى ومراعاة الذوق الرفيع مع المخالف مهما كان .
 
منى الشاذلى والقتل البارد
أما منى الشاذلي فلا أنسى لها أبداً دورها المشبوه مع المصري اليوم فى التسخين ضد الإخوان فيما عرف بميليشيات طلاب جامعة الأزهر ، وأحسبها مع المصري اليوم أصحاب الدور الأعلى فى القضية العسكرية الأكبر فى العقد الأخير للمستبد مبارك .
كما لا أنسى لها موقفها مع الأستاذ صبحى صالح وتعاملها معه بكل العجرفة والعنجهية وقلة الذوق – مع محاضرة طويلة فى التبكيت بالأدب والأخلاق - وإصرارها العجيب المريب على أن تكذبه فى آخر استضافة له على برنامجها ، حين انتصرت لخالد منتصر ضده .
ولا أنسى لها نشوتها وفرحتها بخطاب مبارك العاطفى الأول الذى كان يخدعنا به ، وأصبح هذا الموقف - بعد ذلك - هو ومثله لغيرها من مقدمى برامج التوك شو مثار طرفة فى البرامج الكوميدية التى استدرت هذه المواقف لمقدمي الفضائيات لنتضاحك بها على خفتهم ..
ولا أنسى لها تباكيها وأسئلتها الفزعة والحزينة على مستقبل مصر بعد استفتاء التعديلات الدستورية حين تغلبت " نعم للتعديلات " التى انحاز لها الإخوان والإسلاميون جميعاً ، على " لا " التى انحاز لها القلة العلمانية بمصر .
كما لن أنسى لها تباكيها وأسئلتها الفزعة والحزينة على مستقبل مصر بعد نجاح الإسلاميين الفائق فى الجولة الأولى لانتخابات مجلس الشعب ، وبدت على الشاشة شاحبة حزينة " مخضوضة " على مصر وهى تطرح ذات الأسئلة المكررة الحائرة عن مستقبل مصر .
وأخيراً لن أنسى لها حلقتها أمس مع د. أسامة ياسين وعمرو الحمزاوى وضيف آخر هو رأس إحدى قوائم الكتلة المصرية بالقاهرة ، وقد فازوا جميعاً ، وسألتهم عن مصدر تمويلهم ، فأجابوا إجابات كلها مقنعة ، وفى المقابل كلها - لو أراد من يلتمس الثغرات أن يجرحها على قدم المساواة لجرحها - ولكن منى الشاذلى تركت إجابة عمرو ونائب الكتلة المصرية بلا تعليق ولم تقاطعهم ، وكانوا على قلبها " زى السكر " ، لتلتفت لنائب الحرية والعدالة الدكتور أسامة مجرحة قوله ومعطية له درساً – بل محاضرة – فى أهمية الشفافية والصدق مع المصريين ، وأن المداراة التى يتبعها عن رقم تمويل حملته هو من الخطأ ... إلى آخر المحاضرة .
أستطيع أن ألخص منهج منى الشاذلى بأنه بمثابة القتل البطئ أو الهادئ أو البارد ، فهى تضحك بملء فيها وهى تطعنك ، تراها تبتسم وتلقى لك بحجر قاتل ، حين تقول لقامات إخوانية يرسلون رسالات تطمينية للمجتمع أن ما تقولونه هذا هو مجرد كلام تضحكون به علينا ، فى تكذيب واضح وكلمات تخلو من أي أنواع الذوق أو الأدب ، ثم يتمعر وجهها ويتقعر حين تريد أن تشنف آذان ضيفها الإسلامى ( والإسلامى فقط ) بمحاضرة عن الصدق أو عدم اللف والدوران أو عدم المداراة ، مع أن ضيفها لم يفعل أياً من ذلك ، ولكنها النظارة العلمانية المقيتة التى ترتديها ، والتى تخرج لنا باطنها العلمانى ( القح أو الخالص ) فلا تجد هذه الطريقة فى المعاملة أبداً إن هى استضافت حمزاوى أو جورج إسحاق أو البرادعى أو غيرهم من رموز العلمانية .
وأتعجب ممن تمتلك هذه الرقة فى المشاعر لدرجة النشوة والتأثر ودمع العين من وعود الطاغية الكذاب عند أول خطاب له بعد الثورة ، كيف تستطيع التحول لهذه الدرجة من الطغيان عند التعامل مع الجانب الإسلامي !!!
 
عمرو أديب والصوت العالى
أما أديب فهو يمتلك حنجرة جهورية ، مكنته من الهتاف للطاغية مبارك أيضاً عند نفس الخطاب ، وهى أيضاً تمكنه فى كل مرة من أن يعلو صوته بالشجب والاستنكار والعويل والتهديد والتنديد بكل ما هو إسلامي .
ولقد أجاد التحول كما أجاد غيره من المتحولين من عصر مبارك من أمثال تامر أمين أو خيرى رمضان الذين تحولوا - بقدرة قادر – إلى شرفاء الثورة على فضائيتي السى بى سي والإل تى بى ، فبعد أن كان من المطبلين والمهللين والمزمرين للعهد المباركي ، إذا به بمجرد أن غادر مبارك الحكم ، يصرح فى فيديو شهير له بأنه تم " ........ " بمعنى أنه أصبح فاقداً لمقومات الرجولة ، فى لفظ لا أستطيع تكراره هنا على هذا المنبر الشريف الذى أكتب له .
ولقد كتبت من قبل عن هجمات أديب على بعض المظاهر الإسلامية التى لا أنسى له منها موقفه من أغنية المطرب حسام الحاج " اتحجبتى برافو عليكى " وهو يندب ويصرخ بسبب هذا التطرف المتمثل فى الحجاب .
ولم أنسى له هجمته فى أكثر من مرة على صحيح البخارى وما به من ثوابت إسلامية .
وهذه المرة علا صوت أديب وصرخ فى رجولة وجرأة وشجاعة ، لم يكن يجرأ عليها إلا بعد يقينه من عدل ورحمة أنصار الحرية والعدالة ، ليتباكى على فوز الإسلاميين بالجولة الأولى عشية إعلان نتائج المرحلة الأولى ، ليصرخ فينا مهدداً أنه سوف " يخلع ...... " فى ميدان التحرير ( بمعنى أن سيتعرى بميدان التحرير احتجاجاً على هذا الفوز للإسلاميين ، كما تعرت علياء المهدى على النت !!!
أديب بمواقفه هذه يقدم هو الآخر نموذجاً للعلمانى الذي يفزع عند أى مظهر إسلامي فزعاً يجعله يصرخ ويصرخ ويصرخ .. ورغم ذلك لا تنقطع أحباله الصوتية !!!
 
نماذج مشرفة للمهنية
أما عمرو الليثى ومعتز عبد الفتاح فكلاهما يقدم نموذجاً متشابهاً من حيث الأدب والأخلاق والرقي – أقول هذا وكلاهما ليس من الإخوان – ولكنه الخلق يجبرك على رد الحسنة بأحسن منها .
كلاهما يتميز برجاحة العقل والهدوء والاتزان ، والقدرة على المحاورة الجيدة .
يتمتع الدكتور معتز بحكم وظيفته الجامعية المحترمة بقدر هائل من الثقافة والقدرة على التحليل يجعلانه قادراً على إحراج أى أحدٍ كائناً من كان ، إلا أن أدبه ولباقته ولياقته النفسية تجعلانه يتوقف قبل أن يصل إلى هذه الطريقة من التعامل ، فلا يحرج ضيفاً ، ولا يربك إنساناً ، ولا يستنطق أحداً بما لا يريد ، ولا يتحامل ، ولا يؤول الكلام على غير محمله ... رغم ما يبدو من قدرته على فعل كل ذلك .
ولكنها المهنية والعدالة حين تتوفر فى إنسان .
وعمرو الليثى هو الآخر ترى منه ( لباقة ابن الناس ) وهو يحدث ضيفه أياً كان منهج ضيفه ، وآخر نموذج تستطيع إسقاط ذلك عليه هو حواره الهادئ المتزن مع فضيلة المرشد ، فرغم الألغام التى كان متن الحوار يحملها ، إلا أن حسن إنصاته وطريقته فى عرض أسئلته ولباقته .. كلها أشياء تضيف إلى رصيد المهنية والخلق ..
اطرح ما شئت مهما كانت درجته ، ولكن لا تخرج عن الحيدة والمهنية والخلق الحسن .. تستطيع أن تطبق هذا على عمرو دون أن تكون متكلفاً أو مبالغاً .
 
نتيجة الموضوع ..
أوجهها لرموز الإخوان ، وما ينبغى عليهم فعله إزاء الاستضافات الإعلامية ، وأحسبها نقاط مهمة جديرة بأن نلتفت إليها :
1.      انتقاء المحطات والفضائيات التى أقبل ضيافتها ، خاصة أننا نصنع لأناس خفيفي الوزن قيمة لا يبلغونها لو قاطعناهم .
2.      إذا استضفت فى مثل هذه الأماكن التى يتسم منهجها بالتربص ، فلابد أن أمتلك الجرأة على إحراجهم ، والوضوح فى ذلك ، وأعجب من صمت وأدب الأستاذ صبحى صالح حين أعطته وأعطتنا معه درساً فى الأخلاق ، وأعجب من أدب الدكتور أسامة ياسين وهو يرد بهدوء على استفزازها له بموضوع الشفافية ..
3.      إذا وصل الهجوم لحد ما وصل إليه الأمر مع الأستاذ صبحى صالح فلا أجدر من أن أنسحب من حلقة أهان فيها بطريقة غير مهنية كما حدث من قبل .
وأرى أن الأجدر بالنموذج الأول والثانى هو المقاطعة وليس قبول الاستضافة ، لأننا بهذه الطريقة نعلي شأن من لا يستحق ، ونضيع وقتنا ، ونجعل من أنفسنا فريسة سهلة لمتربصين لا يمتلكون قواعد المهنية ولا شفافيتها ، وهم يعطوننا دروساً فى المهنية والشفافية .
والله الموفق
 
------------