حازم سعيد :
هذه الحركة الحثيثة اللاهثة الباهتة لتمرير خدعة المبادئ فوق الدستورية والتي تفرض وصاية – في غير موضعها – على الشعب الثائر ، أقامت الدنيا ، وكتب حولها كثير من المنصفين والأحرار مفندين عوارها ، ومبينين خطرها .
إلا أن جل من تحدث عنها .. كتب أو تكلم وكأنها حركة فردية لنائب رئيس الحكومة المريض الذي عاد من فراش المرض ليكمل سعيه ويعقد مؤتمره الفلولي لتمرير هذه الحيلة الخائبة على شعب مصر الحر الأبي الذي استرد كرامه وامتلك قراره وإرادته .
من هنا كان لابد لنا من مجموعة من الوقفات أمام هذه المحاولة الخبيثة لتشريحها والتصدي لها ، حيث هي الافتئات بعينه على إرادة المصريين الذين لم يخمد فيهم لهيب الثورة بعد ، وهي ردة إلى ماضٍ سحيق خبرناه وعشنا مراراته ، ولم يعد بالوسع أو بالطاقة الرجوع إليه أبداً ، ونرى الموت خياراً وحيداً عنه ، خاصة والتحرير مازال موجوداً ، والدماء ما زالت تجري بعروقنا ، فنحن إلى إسالتها من أجل الحرية والكرامة التي ننشدها لمصر أقرب وأحن وأرغب ...
أولاً : لماذا نرفض هذه المبادئ الفوقية :
الإجابة ببساطة وبشكل قاطع ، لأنها افتئات على الإرادة الشعبية التي أظهرتها أول ممارسة ديمقراطية حقيقية مارسها المصريون – أزعم أن ذلك منذ مئات السنين – منذ سافر القبطي لعمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه معترضاً على ممارسة رآها غير عادلة من أمير مصر عمرو بن العاص في قصته المشهورة المحفوظة .
استفتاء التعديلات الدستورية رسم لنا خارطة طريق للحياة السياسية بمصر تصر جهات بعينها على تحويلها رغماً عنها خوفاً من قدوم الإسلاميين وكونهم طرفاً فاعلاً في المستقبل .
هذا من حيث المبدأ وهو فى غاية الأهمية ، مجرد تفكيرك فى الافتئات على خارطة الطريق التى قررتها الممارسة الديمقراطية الوحيدة للمصريين .
أما من حيث صلب ومضمون المبادئ فلأن فيها وفى بنودها وصاية من مجموعة من البشر يظنون أنهم أعلم وأخبر وأدرى من المصريين الذين قاموا بثورة حضارية تحدث منصفو الغرب عن أنهم سيعلمونها لأبنائهم في المدارس ، دفعنا فيها نحن المصريين أوقاتنا وحرياتنا ودماءنا وكان أصحاب الوصاية هؤلاء نزلاء الفنادق والمؤتمرات والموائد المفتوحة والمناصب ، وهم ذاتهم أصحاب الأرصدة الضخمة في بنوك الشرق والغرب .
التيارات العلمانية بمختلف مسمياتها واتجاهاتها يصرون أنهم أعلم وأحسن وأعقل من الشعب المصري كله ويرفضون للشعب أن يمارس ديمقراطية جادة وحقيقية .
التيارات العلمانية والليبرالية وفلول الحزب الوطني البائد عاشوا سنيناً من الدهر تحت وصاية الحاكم المستبد ، فعقولهم ترفض مجرد الرفض أن يمارس الشعب سلطته ، ولا يستطيعون تخيل أنه يمكن أن يمارس اختياراته ، فيأتون له بالوصي ( وهو هنا المجلس العسكري ) ليضعوا في البنود ما يعطيه حق الافتئات على أي اختيار للشعب ويكون هو فوق الدستور وفوق الاختيارات الشعبية .
ذلك أنهم استمرؤوا الذل والهوان للحاكم المستبد ، فلا تدرك عقولهم أننا يمكن أن نعيش بعيداً عن هذه الأنواع من الوصاية إلا ما نختاره نحن المصريين بحر إرادتنا .
ولم يعد بالوسع أو بالطاقة الرجوع إلى الماضي السحيق أبداً ، ونرى الموت خياراً وحيداً عنه ، خاصة والتحرير مازال موجوداً ، والدماء ما زالت تجري بعروقنا ، فنحن إلى إسالتها من أجل الحرية والكرامة التي ننشدها لمصر أقرب وأحن وأرغب ...
ثانياً : علاقة السلمي وحكومته بالفلول :
مما يثير التساؤل والريبة هذا الكم من فلول الحزب الوطني الذي حضر المؤتمر ، وكأنهم لم يتسببوا فيما مضي من فساد ، وكأنهم لم يذيقوا الشعب المصري عقوداً من الفساد ، إنهم ينسجون على نفس المنوال الذي عهدوه منذ تحولهم الأول من أيام الاتحاد الاشتراكي إلى أيام السادات فالحزب الوطني فعصر مبارك الفاسد ، وهم يظنون أنهم يمكن أن يستمروا لعقود الثورة ، وهذا ما لن يكون ..
ذلك أننا لم يعد بالوسع أو بالطاقة الرجوع إلى زمن الفساد أبداً ، ونرى الموت خياراً وحيداً عنه ، خاصة والتحرير مازال موجوداً ، والدماء ما زالت تجري بعروقنا ، فنحن إلى إسالتها من أجل الحرية والكرامة التي ننشدها لمصر أقرب وأحن وأرغب ...
حكومة تسيير أعمال أم حكومة تمرير مصائب :
هذه الحكومة الغريبة العجيبة كنا نتعامل معها على أنها حكومة تسيير أعمال ، ونشجع الشرفاء من رجالها ونشد علي يدها ونثني عليها تشجيعاً وتحفيزاً ، إلا أن ما يحدث من مصائب في عهدها يجعلنا نتساءل : هل هي حكومة تسيير أعمال أم حكومة تمرير مصائب ..
هذه الحكومة أنشأت جهاز الأمن الوطني – بديل أمن الدولة – مع أنها لتسيير أعمال وليس لتاسيس أعمال ، ثم جددت قانون الطوارئ والعمل به ، ثم ما زال على أعمدة بعض أهم الوزارات فيها ودرجات وكلاء الوزراء ومديرين العموم عدد لا يحصى ولا يعد من الفلول ، ثم أخيراً تحاول تمرير هذه المبادئ الخائبة للوصاية على الشعب المصري .
هنا يجب أن أذكر الدكتور عصام شرف رئيس الحكومة بعهده الذي قطعه على نفسه أنه جاء من الميدان لخدمة الثورة ، وأنه إذا لم تلبى مطالب الثورة فإن مكانه الطبيعي هو الميدان .. فأين أنت من هذا الوعد يا دكتور عصام والثورة يقفزون عليها ويفتئتون على اختيارات الثوار .. لتصبح حكومتك حكومة تمرير مصائب لا تسيير أعمال ..
ثم أنت يا دكتور على السلمي .. ألست وفدياً شعارك الذي أسسه لك سعد زغلول : " الحق فوق القوة .. والأمة فوق الحكومة " .. فأين أنت من هذا الشعار الذى تفتئت عليه بمبادئك فوق الدستورية .. أوليس هذا تنكباً عن المبادئ أيها الدكتور الوفدي ..
ألا تدرك أنت ومن معك أن هذا عودة بالزمن إلى الوراء وأن هذا ما لن يكون ، ذلك أننا لم يعد بالوسع أو بالطاقة الرجوع إلى زمن الفساد أبداً ، ونرى الموت خياراً وحيداً عنه ، خاصة والتحرير مازال موجوداً ، والدماء ما زالت تجري بعروقنا ، فنحن إلى إسالتها من أجل الحرية والكرامة التي ننشدها لمصر أقرب وأحن وأرغب ...
هل هو تصرف فردي للدكتور السلمي أم أنه عمل منظم له من يقف وراءه ؟
دليل هذا التساؤل هو أن هذا المؤتمر تكرار للتصرفات الممجوجة السابقة ليحي الجمل ، ثم يأتي وراءه السلمي ، فلا يمكن أبداً أن تكون هذه المؤتمرات والحيل والخداع لتمرير المبادئ فوق الدستورية ( الاستعلائية ) مجرد تصرفات فردية لكلا الرجلين .
نعم .. إن هناك من يقف وراء هذه المحاولات الخبيثة للالتفاف على الثورة سواءاً من الداخل ، أو من قبل القوى الأجنبية المهيمنة والتي تفلت الأمور من بين أيديها ، وتخاف أن تتسع هوة هذا التفلت ليمتلك العرب والمسلمون إرادتهم وقوتهم ، وهو ما يؤثر على مصالحهم ومصالح الكيان الصهيوني الخبيث الذي زرعوه بيننا ..
أزعم – وأنا واثق – أن هذه المؤامرة ليست فردية وإنما لها جهات تمارس منتهى الضغوط لتفشل ثورتنا ..
وهو ما لن يكون أبداً ، ذلك أننا لم يعد بالوسع أو بالطاقة الرجوع إلى زمن الفساد أبداً ، ونرى الموت خياراً وحيداً عنه ، خاصة والتحرير مازال موجوداً ، والدماء ما زالت تجري بعروقنا ، فنحن إلى إسالتها من أجل الحرية والكرامة التي ننشدها لمصر أقرب وأحن وأرغب ...
والله من ورائهم محيط
--------------

