فراج إسماعيل
بعيدا عن مصر كنت قلقاً جداً عليها بسبب ما يبثه إعلامها عنها. أقول ذلك برغم قربي من الحقائق واستطاعتي تبيان الحقيقة من المغالطة، فما بال الآخرين سواء مصريين أو غيرهم والذين يستقون معلوماتهم من الإعلام فقط؟!
40 يوما قضيتها في القاهرة أعادتني إلى سعة الصدر والتفاؤل الذي ملأني بمجرد أن أنهى عمر سليمان كلمات بيانه القليلة منهياً عصر مبارك مساء 11 فبراير الماضي.
نعم تزعجني المليونيات والاعتصامات وأطالب بالكف عنها، لكن البلد تتغير فعلا. العقول تتغير. الغاضبون دوما والذين يلعنون كل شيء كفوا عن الغضب والتأفف وصاروا مقبلين على المستقبل بتفاؤل كبير رغم الأسعار القاصمة للظهر.
من بوابة مصر.. مطارها الدولي تستشعر التغيير الواضح. لن تجد معظم الضباط الذين كانوا ينتظرونك في أكشاك الجوازات، فيقدمون ايحاءً سريعا للزائر بأنه داخل إلى دولة بوليسية.
بدلاً منهم تجد نساء مبتسمات، ينهين طوابيرا طويلة من القادمين أو المسافرين في دقائق معدودة. لا تسمع ذلك الصوت البغيض الذي يقول لك انتظر حتى يعود جواز سفرك من مكتب أمن الدولة المجاور.
لنعترف بأن تغييرا يجري وأن الحالة الأمنية ليست بتلك التي يبالغ فيها البعض ويصورها بالكارثة حتى جعل العرب والأجانب وحتى المصريين المغتربين لا يأتون إلى القاهرة.
مصر أفضل من قبل كثيرا. سائق التاكسي مثلا يشير لك إلى العداد إذا سألته عن سعر التوصيلة، فإذا كان من التاكسيات القديمة التي ليس بها عداد فانه يطلب سعرا زهيدا يعود إلى الماضي البعيد..
الأمن في القاهرة الآن أكثر وجودا عما كان عليه قبل 25 يناير. السرقات قليلة جدا لا تزيد عن الموجودة في أي مجتمع. في المطار سمعت الإذاعة الداخلية تعلن عن العثور على محفظة مليئة بالأموال مفقودة في مكان ما. وبالطبع من عثر على هذه المحفظة قدمها للسلطات المعنية وهذه روح جديدة تبشر بجريان التغيير.
كل الحكايات التي تروى عن خطف نساء وأطفال واغتصاب.. معظمها لا أساس لها من الحقيقة، وإذا وجدت حالات فردية وهي قليلة بالفعل، فذكر من يروج لها دفاعا عن عصر مبارك، بفتاة العتبة والمعادي وذبح قرية كاملة في المنيا تحت جنح الظلام وغير ذلك من أحداث ما زالت مسجلة ضد مجهول!
الكنائس هادئة آمنة لا تحرسها مدرعات الأمن المركزي. بعضها يحمل لافتتات أخوة الوطن والمصير التي كتبها مسلمون وعلقها مسيحيون على واجهات كنائسهم.
في أحد مكاتب الشهر العقاري وجدت زحاما لكن طابورا يحترمه الجميع. لا مبالغ إكرامية لكي يتم استثناء البعض ولا كروت توصية. الكل سواء. وقد اخترت هذا المكتب تحديدا لأنك في الماضي لم تكن تستطيع أخذ ورقة منه بدون أن تدفع لموظفين أو وسطاء يوفرون عليك الوقت والجهد والوقوف في الزحام.
في كمائن المرور لا يجلس الضابط بعيدا كما كان في عهد حبيب العادلي ومبارك، فيما الأمين أو العسكري يوبخك أو يفاوضك أن تدفع حتى لا تسحب رخصتك. الضابط نفسه الآن يتقدم إليك ويعاملك بكل احترام وتقدير، ويأخذ المخالفة كموظف يؤدي عمله وواجبه ويطبقه على الجميع.
نعم ما زالت هناك سلبيات كثيرة. لكن مصر التي نامت 30 عاما في حضن طاغية ونظام بوليسي وفساد مستشر لا يمكن أن تنهض سريعا وبنوبة صحيان واحدة.
سيستغرق التغيير وقتا لكنه حاصل وقادم وسيحملنا لغد أفضل وأرحب فتفاؤلوا وشدوا رحالكم إلى مصر لتروها بعين الحقيقة وليس بعين إعلامها المغرض الذي يتربع عليه سدنة التوريث.

