10 / 05 / 2011

حازم سعيد :


هى مجموعة من القضايا التى تثار الآن على الساحة بمصر كلها تأتى فى التوقيت الخطأ ، وذلك لعدة أسباب ، يأتى على رأسها حاجة مصر الماسة والشديدة للأمن والاستقرار فى هذه الفترة الحرجة والتى تمثل عنق زجاجة بعد نجاح الثورة فى تحقيق العديد من المكتسبات ، والذى منها وعلى رأسها تعاظم وقوة الدور المصرى الخارجى والذى يمثله الآن شرفاء وزارة الخارجية المصرية ونجاحهم باقتدار فى إجراءات المصالحة الفلسطينية .

يعزز ذلك سبب آخر يتمثل فى تربص الفلول الباقية من النظام البائد والتى تتقاطع مصالحها بالضرورة مع جهات خارجية على رأسها الكيان الصهيونى السرطانى الذى يعلم أن عدوه الأول ببلادنا هو الاستقرار ، وهذا ما جعله من قبل حريصاً على زرع الفتن فى كل دول الجوار ، فزرع الفتنة الطائفية فى لبنان ، ورسخ للفتنة بين السنة والشيعة فى العراق ، وساعد على تقسيم السودان ، ويسعى جاهداً لزرع الفتنة الطائفية بمصر ، بمعاونة تلك الفلول المأجورة من النظام السابق ، وذلك كله من المعلوم بالضرورة .

السبب الثالث هو فى تلك الفئة من العلمانيين الذين يحاولون سرقة الثورة ، ويخافون من الحرية التى ينعم بها الإسلاميون بعد الثورة فيحاولوا إلصاق كل نقيصة بهم من أجل إبعادهم عن المشهد ..

الأسبوع الأخير زخر بمجموعة من الأحداث وأثيرت بعض القضايا التى تؤكد التربص والتآمر على هذه الثورة ..

ولعل شهادة الكاتب الصحفى بلال فضل المكتوبة والمسموعة تؤكد هذا التآمر وتأتى فى توقيتها الصحيح حتى يحذر كل الشرفاء وكل الثوار ، وينتبهوا لما يجرهم إليه الفلول الخائبة والعلمانيون الفاسدون من الغفلة عن حماية ثورتهم ومكتسباتها .

فى البداية جاءت قضية كاميليا شحاتة ، ومن بعدها أحداث إمبابة ، ثم مؤتمر العلمانيين الذى أرادوا به الالتفاف حول الديمقراطية - التى يزعمون أنهم من أنصارها - ثم أحداث الهجوم المنظم على أقسام الشرطة والسجون ومحاولة بل والنجاح فى تهريب بعض المساجين ، وفى انتظار الحدث الأخير المعروف - وربما يتبعه ما بعده - وهو ما أسماه منظموه بالانتفاضة الفلسطينية الثالثة .

كاميليا وأخواتها .. ومقدمات أحداث إمبابة

بغض النظر عن ظهور كاميليا - أو دوبليرتها - على إحدى القنوات الفضائية المسيحية لتعلن للملأ أنها لم تفكر يوماً فى اعتناق الإسلام ، والاعتماد فى ذلك على قلة معرفة المشاهدين بشكل كاميليا الحقيقي لأننا لا نملك لها سوى صورة بالنقاب وأخرى لا تجعلك تميز بين الحقيقية أو دوبليرتها .

وبغض النظر عن الحوار من خلال شاشة وليس حواراً مباشراً ، وهو يعنى إما قهرها على الحوار أو تسجيل الحوار مسبقاً ، والمذيع ذاكره جيداً وتخلل لحظات الصمت بالأسئلة التى يعرف ويحفظ أن الإجابة القادمة هى على السؤال الذى أعده بعد المذاكرة والمشاهدة لمرات ومرات ...

كلها شبهات تؤكدها لنا القدرات التكنولوجية الحديثة ، وإمكانيات الميديا التى يعرفها كل من يحتك بالكمبيوتر والتكنولوجيا ..

وبغض النظر عن السيناريو والحوار الذى لم يكن مقنعاً بصورة من الصور من حيث النفى القاطع للأحداث من قبل من ظهرت على الشاشة التى كانت داخل القناة ! فما معنى أن تنفى أحداثاً تواترت الأدلة على صحتها سوى القهر أو الفبركة ، لو أنها قالت مثلاً أنها كانت تمر بمرحلة مضطربة نفسياً ورجعت فى كلامها ، أو أنها كانت مشوشة ، أو التمست أى مبرراً أو عذراً بصورة من الصور لجاز الكلام وانطلى علينا ، أما أنها تنفى نفياً قاطعاً ؟ فهو ما يعطيك الإحساس بنظرية القهر أو الدوبليرة .

بغض النظر عن كل ذلك فإن أطرافاً مخطئة - تعجلت قراءة الأحداث أو عاندت وتكبرت - أعطت الفرصة لمدبرى فتنة إمبابة ليتحركوا ويلقوا بكرتهم النارية فى الشارع لتحدث هذا التوتر الملموس بالمشهد المصرى ، ولتحاول تلويث الثوب الأبيض النظيف للثورة .

أول الأطراف المخطئة وأكبرها - فى نظرى - هى القيادة الكنسية المتطرفة ، وأخطاؤها أكثر من أن تحصى ، نذكر منها على سبيل المثال ، خطأها الأول فى اعتبارها تحويل بعض العناصر المسيحية ديانتهم واعتناقهم الإسلام سبة وعاراً وشناراً فاستماتوا فى إخفاء ذلك ، وتمادوا فى اختطاف تلك العناصر وقهرها لتغيير دينها بدءاً من وفاء ومروراً بكاميليا وماريان والعشرات غيرهن كثيرات ، واعتمدوا فى ذلك على الدلال الغريب الذى كان يمارسه رأس الكنيسة مع النظام السابق البائد والاعتكاف لمجرد الاعتكاف والدلال ، والآن أخذ الدلال شكلاً آخر بالتظاهر أمام ماسبيروا للأتباع المشحونين غضباً !

وهذا ثانى الأخطاء : الشحن الرهيب والتوتر والاحتقان الذى مارسته هذه القيادة مع أتباعها ، مستغلة فى ذلك دروس الكنائس ومناهجها التعليمية وأنشطتها التربوية ورحلاتها الخلوية .

من الأخطاء حالة القهر والإكراه التى مارستها هذه القيادة على أطراف ارتضت بحر إرادتها تغيير ديانتها ، وهى القيادة التى طالما استمعنا لها فى معارض القاهرة السابقة للكتاب وهى تدعى أن الإسلام انتشر بحد السيف ، فإذا بها هى تكره وتقهر أتباعها حتى لا يفكر أحدهم فى إعمال عقله وتغيير دينه إن هو رأى ذلك .

من الأخطاء الرهيبة حالة الاستقواء بالخارج ومناشدة المجتمع الدولى لحماية الأقلية المقهورة المضطهدة ، وتفجير القضية لدى أقباط المهجر ، فى مغالطة كبرى ، حيث لم يشهد النسيج الوطنى الواحد هذا الصراع إلا تحت هذه القيادة المتطرفة التى نمت وترعرعت فى ظل النظام السابق الفاسد .

آخر ما نذكره من الأخطاء - التى لا نستطيع حصرها - هى حالة التكبر والعناد والامتناع عن تسليم المختطفات للنيابة ليقررن بأنهن لم يغيرن دينهن ، أو لتتثبت النيابة من عدم قهرهن أو إكراههن بأى صورة من الصور على تغيير ديانتهن ، فما الذى يمنعك من ذلك .. إما أنك تتكبر وتعاند وتقول للناس أنك دولة داخل الدولة وأنك نظام داخل النظام ، أو أنها مسلمة وأنت تدارى ذلك ..

خطأ الجماعة السلفية

الطرف الثانى المخطئ ، وإن كان خطؤه أقل كثيراً عن الأول هو الجماعة السلفية ..

السلفيون حديثو عهد بالعمل السياسى ، أو لنقل بالعمل الدعوى الشامل ، فكلنا - نحن الإسلاميين وأخص من عايش السلفية سواءاً بقى بها أو غادرها واستمر تأثره بها - كلنا نعلم أن السلفية كانت مدرسة أو مجموعة من الدعاة المباركين - والعلماء المخلصين - ولهم تلاميذ ، يمارسون أنشطة دعوية بسيطة ومحددة وأغلبها فى المساجد على شكل مدارس أو حلقات علم ..

ودعوتهم هى دعوة وعظية إرشادية ، وإن توسعت مارست العمل المجتمعى فى نطاقه الخيرى سواءاً فى الغذاء أو الكساء أو الدواء ..

أما الخطاب السياسى ، والاحتكاك المباشر بالأطراف الخارجية المتربصة والظهور معها وإدارة الحوار والنقاش حول القضايا ، كلها أمور تنقص السلفيين ، وتورطهم فى أمور تعوزهم الخبرة حتى لا يقعوا فيها .

الخطاب السياسى يختلف تماماً عن الخطاب الوعظى الدعوى الإرشادى ، والمتربصون كثر بالشكل الذى يجعلك قبل أن تتخذ أى قرار أو تعلنه تفكر فيه آلاف المرات ، وهذا ما ينقص أحبابنا من أبناء الدعوة السلفية ..

وهذا هو خطؤهم فى ملف كاميليا وأخواتها حيث لم يقرؤوا المشهد قراءة واعية ، ولم يعرفوا تبعات نتيجة مظاهراتهم حول هذا الملف الخطير .

السلفيون - بتعجلهم وعدم قراءتهم الجيدة لتداعيات الأحداث - ساهموا وأخطؤوا فى هذا الملف خطأً كبيراً ، أتمنى أن يتعلموا منه فى المستقبل ، وألا يبدؤوا التجربة من جديد ، وأن يستفيدوا من تجارب سابقيهم ، وأن يعيدوا قراءتهم لأولويات الأمور والقضايا التى ينبغى تناولها وتداولها ..

الطرف الثالث المخطئ هم مجموعة العوام الذين يساقون بلا تفكير ولا رؤية ، وهؤلاء لا سيطرة لك عليهم أبداً ، وقديماً قال إمامنا على بن أبى طالب رضى الله عنه لكميل بن زياد : " الناس ثلاثة ، عالم ربانى ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور الحق ولم يركنوا إلى ركن وثيق .... " ..

بالطبع لم أتعرض للطرف المتآمر بين الأطراف المخطئة حيث هم العدو فاحذرهم ، إنهم تلامذة وأتباع عبد الله بن أبى بن سلول ، فقاتلهم الله أنى يؤفكون .

الانتفاضة الفلسطينية الثالثة

قضية فجرها - مجهولون - وليست الجهالة مذمة ، ولكنهم تمادوا فى قضيتهم إلى دعوات لاقتحام المعابر ودخول غزة عنوة والذهاب للحدود الصهيونية ونصرة قضية الأقصى ؟!

والدعوة لو توقفت عند الحدود الرائعة التى مارسها وتبناها الإخوان من قبل ودعم إخواننا فى فلسطين بكل صور الدعم بدءاً من الدعاء مرورواً بالأموال وانتهاءاً بالعدة والعتاد لقلنا " حي على الجهاد " ، أما أن نتمادى ونفجر أزمة حدودية نحن فى غنى عنها فى هذه الفترة لأسباب ما تحتاج إليه مصر من الاستقرار والبناء والإعداد ، فهذا ما لا يمكن السكوت عنه .

ماذا لو أطلق اليهود رصاصاتهم الغادرة على أولئك المتظاهرين وحصدتهم ، هل سيمكن لنا السكوت ؟ فماذا لو تفجرت حرب الآن مع العدو الصهيونى ؟ هل لمصر أو المصريين - وهم فى عنق الزجاجة بعد الثورة ، وقد تسلمنا من النظام السارق البائد بلداً يحتاج إلى إعادة تعمير وبناء ونهضة - هل لنا طاقة بقتال اليهود الآن ؟ كيف نعطى بأيدينا المبرر للصهاينة - وهم الذين يتلككون لمجرد الإشارة - لبدء حرب لم نستعد لها ؟

جيشنا مشتت بين الداخل والخارج ، وعدتنا تحتاج إلى عدة - سوى الله سبحانه - فنحن لم نأخذ بأسباب القوة التى أمرنا الله بها .

ماذا لو حاصرنا الصهاينة والأمريكان وضيقوا على الناس معايشهم ، هل سيتذكر الناس للثورة خيراً أى خير ؟

ماذا لو عاد الصهاينة لسيناء - عسكرياً - حيث هم فيها بفعل النظام السابق مدنياً ؟

لو أحسنت الظن فى نوايا منظمى هذه الحملة ، فإنى أزعم أنهم وقعوا فى نفس خطأ السلفيين الذى ذكرته فى الفقرة السابقة ، من أنهم لم يحسنوا التوقيت ولم يفكروا فى تداعيات الأمور ، هذا لو أحسنت الظن ...

إن أكبر قوة أعطت - ولا زالت - وقدمت وبذلت وتظاهرات ووقفت ونظمت مسيرات وصنعت الملصقات والبنرات واعتقلت بسبب ذلك كله جماعة الإخوان المسلمين ، ولم نعلم أبداً أى كيان آخر يملك نظاماً حشدياً أو يهتم بعمل بنرات وينفق عليها من ماله وتضحيات أعضاء جماعته - سوى الإخوان - ، ولم يوجد أبداً أى كيان يقوم بهذا فى السابق .

فمن هو هذا الكيان الذى ينفق كل هذه النفقة فى جميع مدن مصر على بنرات وملصقات ودعوات وحملات لتنظيم وحشد الناس لهذه الفعالية ؟؟؟؟؟؟

من الذى - كان مختفياً اختفاءاً مطبقاً - فيما مضى ، وظهر الآن فجأة ليمول وينفق ويحشد ؟!

أريد أن أنبه شباب الإخوان ومتعجلى قراءة الأحداث من المخلصين ألا ينساقوا وراء دعوة مجاهيل ، خاصة والإخوان لم يدعموها بأى صورة من الصورة لا جهراً ولا سراً .. فالحذر الحذر ، إن بلدنا مصر ، وإن ثورتنا ، تتعرض لدسائس ومؤامرات فلول النظام السابق بالتعاون مع الصهاينة ، فاحذروا أن تنجروا وراء دعوات ظاهرها فيها الرحمة ، وباطنها من قبلها العذاب .

مؤتمر العلمانيين للالتفاف على الديمقراطية ..

ذلك المؤتمر الذى أراده منظموه للالتفاف على الديمقراطية - وامتنع الإخوان عن مشاركته أو حضوره وقاطعوه ، وأصدروا بياناً واضحاً قطعياً فى حقه - .

أراد منظموا هذا المؤتمر والمشاركون به من العلمانيين أن يلتفوا على خيارات الشعب الديمقراطية ، وهم الذين صدعوا رؤوسنا بأنهم حماتها ودعاتها وأننا نحن الظلاميون وأننا طيور الظلام ؟!

إنها حالة فضائحية تورط فيها العلمانيون ، ونسلط فيها الضوء عليهم أثناء فضيحتهم .. ولكن لأن المقالة طالت ، فنؤجل الحديث عن ذلك فى المقالة القادمة إن شاء الله ..

===========

[email protected]