12/04/2008
وائل الحديني
الكلمة المأثورة للسيد ممتاز القط في أخبار اليوم 12 أبريل: "أشعر بالحزن الشديد وأنا أرى ضابط شرطة يداري رأسه ليمنع حجرًا يصوِّبه أحدُهم صوبَه، أو جنديًّا يقف شامخًا دون حراك وأيادي بعض المتظاهرين تكيل له اللكمات"!! سلامات!!
كان يجب أن يدرك عقلاء النظام أنهم أمام خيارات محدودة للغاية: (مصالحة أو مواجهة، علاج أو بتر، حوار أو استئصال)، لكنهم اختاروا كما يختارون دومًا الخيار الأسوأ، ولم يستقرئوا ردَّة الفعل التي يمكن أن تحدث، أو ما يمكن أن يؤدِّيَ إليه عمى الغضب وثورة الرفض، أو عدوى التقليد والشيوع والانتقال، أو ما يمكن أن يجلبه الشعور بفخر التحدي وروح المواجهة؛ فعلى أي أساس يختار النظام دومًا قرار المواجهة؟! وهل لديه مراكز دراسات احترافية توفِّر له قدرًا من المعلومات يبني عليها قراراته بصورةٍ منهجيةٍ ورؤيةٍ صحيحةٍ أم ينسجها من خيالات البعض المجسَّدة بين فكيهم ومن طفح ألسنتهم ويلقيها في أرض الواقع غصبًا وقهرًا باليد والعصيِّ؟!
الحقيقة أننا بصدد نظام عشوائي ارتجالي، ويكفي أن تستمع إلى المزاعم والتبريرات التي يردِّدها بعض أفراد نخبته الإعلامية لتدرك أيَّ مأزق تعيشه مصر:
- إن الديمقراطية التي تعيشها مصر هي سبب مباشر لما نراه من فساد وإفساد!!.
- إن حرية الإعلام ستار للتحريض ودعوة لهدم كل ما تحقَّق من إنجازات!!.
- إن التليفونات المحمولة والإنترنت ساهمت بحدٍّ كبيرٍ في الترويج والدعوة إلى هذا الإضراب!!.
- إن أصابع الاتهام الأولية تشير إلى ضلوع جماعة الإخوان المسلمين في عمليات التحريض الواسعة؛ لكثافة وجود عناصرها القيادية بالمحلة الكبرى في الأيام القليلة التي سبقت الأحداث!!.
- إن هيبة رجال الشرطة لا بد أن تتم بأسلوب حازم وصارم لا يعرف "الحنية" أو يضع في حسبانه ما يردَّد في صحف التحريض والفوضى أو في "بقالات" حقوق الإنسان؛ التي انتشرت في كل حواريِّ وأزقة وأرصفة مصر المحروسة!!.
- إن سقوط أعداد كبيرة من رجال الشرطة مصابين في مقابل بعض المواطنين نقطةٌ تؤخذ على الحكومة وليست لصالحها؛ لأن هيبة الشرطة من هيبة الدولة!!.
- "أشعر بالحزن الشديد وأنا أرى ضابط شرطة يداري رأسه ليمنع حجرًا يصوِّبه أحدهم صوبه، أو جنديًّا يقف شامخًا دون حراك وأيادي بعض المتظاهرين تكيل له اللكمات"!! هل يعتبر هذا خطابًا توافقيًّا تصالحيًّا يهدف إلى رأب الصدع؟ أم إلى زيادة حدَّة التوتر وإشعال فتيل المواجهة؟! ولماذا يسير خطاب هؤلاء في هذا الاتجاه لا يبرحه؟!
الحقيقة أن هؤلاء لا يحظون باحترام الشعب وثقته، وإنما يعيشون على هامش المجتمع، متطفِّلين على خيراتٍ يلقيها إليهم النظام على مائدة التأليه والتمجيد!! راكدة صحفهم، منبوذة مؤسساتهم في بئر معطَّلةٍ وقصر مشيدٍ بمليارات الجنيهات؛ ديونًا وخسائر، فسادًا وإفسادًا.. هؤلاء المستنقعيُّون هم رأس حربة النظام ومحرِّضوه وموجِّهوه بفكر هابط ورؤى واهية وقلم أرعن وقلب أسود لا نبض فيه.
توابع زلزال المحلة ردة إلى الخلف :
- يستمر اختفاء الحقيقة، ويرفض نواب الحزب الوطني في البرلمان إرسال لجنة لتقصِّي الحقائق؛ أملاً في إهدارها وطمسها أو قلبها أو تميُّعها.
- يستمر اختفاء عدد كبير من المدوِّنين، على رأسهم كريم البحيري وممدوح المنير، وسط هلع أسرهم وخوفهم مما يمكن أن يكونوا قد تعرَّضوا إليه في أقبية دولة القانون والحريات واحترام حقوق الإنسان.
- يستمر اعتقال عدد كبير من المواطنين رغم صدور أحكام بالإفراج عنهم، ورغم عدم تورُّطهم في أي أعمال عنف، ومن بينهم الطبيب الذين ساقوه وهو يحمل ملابسه أثناء توجُّهه إلى مقرِّ تكليفه بالإسكندرية.
- يستمر اختفاء عدد من المواطنين، بينهم المهندس مصطفى عاطف مصطفى درويش؛ الذي اختفى عقب خروجه من مصنع أبو السباع يوم 6 أبريل ولم يجدوا له أثرًا في كل الأقسام والمستشفيات، وتعيش أسرته على أمل عودته، رغم خوفهم من الحديث بشأنه إلى أي مركز حقوقي أو وسيلة إعلام!!.
لن يفيد المحرضين أن نقول إن امرأةً دخلت النار في هرة "أمسكتها أو اعتقلتها"!! فما بالنا بشبابٍ وافر الحس والخلق، قويّ العزيمة والإرادة؟! صدَّقوا نصيحة رئيس الوزراء؛ فعبَّروا عن رأيهم بأكثر الطرق سلميةً.. عبر فضاء الإنترنت الرحيب، لم يعتقدوا أن كلام القرية الذكية مصيرُه الفضاء أيضًا ومصيرهم السجن والتعذيب والانتهاك!!.
قد يستمر الاختفاء كثيرًا أو قليلاً، لكن يجب أن نذكر فقط أننا في مطلع الألفية الثالثة، ربما لا يدرك الكثيرون ذلك، لكنها الحقيقة، وعليه ما كان يحدث من نصف قرن لا يجب أن يحدث الآن، وما كان يحدث في الخفاء يفضحه العلن، وما كان يمر غصبًا سيجد مقاومةً وممانعةً!.. لا يملك أحد أن يُعيد عجلة الزمن إلى الوراء؛ فمن يقبل بذلك فليبقَ، ومن يرفض فليغادر.
ــــــــــــــ
المصدر : أرشيف نافذة مصر

