29/12/2010
محمد عوض :
أبى السيد / رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا أن يطوى العام الميلادى صفحته دون أن يذكر العالم - بفخار وبقلمه الرائع – بأهم إنجازات حكومته منذ تولى حزبه لها فى عام 2002 وحتى الآن , وكذلك طموحات هذه الحكومة ورؤاها الاستراتيجية المستقبلية داخليا وخارجيا , مع التذكير بأهم مقومات وأسباب هذه النجاحات , وذلك فى مقاله ـ نشر فى نافذة مصر فى 24 / 12 /2010 ـ تحت عنوان : ( تركيا أمة جديدة لا غنى عنها )
وبإعتقادي ، أن الإنسان فى العالم العربى والإسلامى حين يقرأ المقال فإنه سيشعر بالفرح والغبطة من ناحية, وبالحزن واللوعة والحسرة من ناحية أخرى , يشعر بالسعادة لهذا التغير الهائل الذى حدث ولا يزال مستمرا على كافة المستويات فى تركيا , والذى فاق – خلال فترتى حكم العدالة والتنمية – ما تم إنجازه على مدى 75 عاما , كما يشعر بالمرارة لما يراه فى المقابل من التردى والهبوط وعلى كافة الأصعدة ـ كذلك ـ فى بلاده , مما حدا بالكثيرين أن يتمنوا - ولو بلسان الحال - لو كانوا أتراكا .
ويمكن تقسيم موضوع المقال إلى ثلاثة محاور رئيسة :
1. البصمة التى خلفتها تركيا ليس فقط على أحداث عام 2010 بل وعلى أحداث العقد الأول من الألفية الثالثة.
2. آمال وطموحات الحكومة التركية فى بداية العقد الجديد المقبل .
3. أسباب ومقومات هذه النجاحات وهذه الآمال الطموحة .
وفى سياق الفرحة التى تغمرنا إزاء هذا النجاح اللافت للسياسة التركية نحتاج إلى استدعاء واستحضار (آلية استمرار النجاح) , وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر , بشروطهما ومواصفاتهما ومستوياتهما ، فعلى قدر التفات وإنصات وتجاوب (مسيرة النجاح) إلى صوت النصح والتوجيه والتسديد , على قدر ما تستمر فى الصعود .
قال الله تعالى : (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران 104
وجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – النصيحة ( ..لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ).
وقال الفاروق – رضى الله عنه - : ( لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها ... رحم الله امرءا أهدى إلينا عيوبنا ) ,
وقيل للحسن : ما بال أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا أن تنفطر ؟ فقال للسائل : لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تبلغ أمنا خير من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تدركك المخاوف .
وقال عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - : ( أد النصيحة على خير وجه , واقبلها على أى وجه .) ولعل هذا هو السر فى تمكنه - رضى الله عنه – خلال عامين من تقويم انحراف جيلين كاملين .
يقول المقال : ( .. وفي بداية العقد الجديد المقبل أيضاً تصبح تركيا بفضل موقعها الجغرافي السياسي، وإرثها التاريخي الغني، وعمقها الثقافي, وشبابها المتعلم، وديمقراطيتها المتزايدة القوة،واقتصادها المتنامي،وسياستها الخارجية البنّاءة، دولة لا غنى عنها في عالم تحول وجهه إلى الأبد بفعل العولمة السريعة).
.. وفضلاً عن قيمها الثقافية والتاريخية والدبلوماسية، فقد أصبح الاقتصاد التركي النشط بمثابة مصدر للاستقرار والرخاء. فحين تولى حزبي زمام السلطة في عام 2002 كان حجم الاقتصاد التركي لا يتجاوز في مجموعه 250 مليار دولار أمريكي، أما اليوم فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي السنوي لتركيا 800 مليار دولار، الأمر الذي يجعل من تركيا الدولة صاحبة سادس أضخم اقتصاد في أوروبا وصاحبة المرتبة السابعة عشرة على مستوى العالم. كما كانت تركيا أيضاً واحدة من أقل بلدان العالم تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية، في ظل التجارة الخارجية المتنامية، والنظام المصرفي القوي، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تتسم بالتنوع وتتمتع بالازدهار. لذا فقد تمكن الاقتصاد التركي في عام 2010 من العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة.
ومع السعادة الغامرة بهذا الخير كله كم نتمنى لو يتم تعديل الخطاب التركى المبالغ – حقيقة أو تكتيكا - فى (إبراز علمانيته) , غير المقنعة لمحبيه وكارهيه على السواء .
إن الحديث عن الإنجازات بهذه الصورة الجافة التى لا مجال فيها لنسبة أى فضل لله تعالى , قد يقبل من نظام مادى ينطلق فى حياته بفلسفة إنسانية مستقلة وضعية منبتة عن الله , عوراء قاصرة فى مصادرها , مما نبرأ بهذا النظام الواعد عنه .
نعم إن الإسلام هو دين العقل , والعقل يعنى التخطيط المدروس , وربط المسببات بأسبابها , وهذا هو الفارق بينه وبين الخرافة , لكن لابد مع ذلك كله من التذكير الدائم ( بالحضور الإلهى ) لئلا يقع الإنسان فى خطإ الإحساس بهيمنة الأسباب المادية على سبيل الإطلاق وعلى كل شئ , وينسى (الدور الإلهى) – أى : دور خالق الإنسان والكون والحياة , فيقع فى الإلحاد أو الشرك أو الحلول , أو الإيمان بقدرته المطلقة ـ الإنسان ـ من دون الله تعالى على التصرف فى الكون .
- قال تعالى : (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) المؤمنون :
ــــــــــــــــــــــ
* باحث فى الدراسات الإسلامية
- يمكن الرجوع إلى مقال السيد أردوغان على الرابط التالى :
http://www.egyptwindow.net/news_Details.aspx?News_ID=10644

