28 / 03 / 2010
ما زلت أذكر أخى وحبيبى وزميل الدكة الواحدة والذى كان رمزاً للصفاء والنقاء والطهر والخجل والحياء .. كلها هكذا دفعة واحدة .. ونحن طلاب المدرسة الثانوية ، حتى أننى كنت أظنه يخجل من الحديث مع نفسه .
والذى ما لبث أن فرقتنا الأيام كزملاء دراسة حيث ذهب هو إلى كلية الشرطة وذهبت أنا إلى حيث ذهبت ، واستمرت علاقتنا ردحاً من الزمان بعد ما تخرج من الكلية بسنوات عدة تابعت فيه التغيرات الأخلاقية الرهيبة التى مر بها وهو لا يشعر ، إلى أن انقطعت علاقتنا تدريجياً بناءاً على رغبته هو بعدما استشعر فى كل مرة ألتقيه التباعد الأخلاقى الذى صار بيننا من ناحية ، وبعدما ظن – وهو غير محق – أننى حين أعرفه بأحد أصدقائى حين نلتقى بترتيب أو بغير ترتيب أنى أحذر الصديق الآخر منه – وأنا ابن الإخوان – حين أعرفه على أنه الملازم أو الملازم أول أو النقيب فلان ...
قابلته مرة قبل أن تنقطع علاقتنا وكان يحكى بتلقائية وبساطة عن إحدى السيدات وقد دخلت عليه متهمة بجريمة فقال لها أشياءاً وألفاظاً حين حكاها لى كاد أن يغشى علي – لا من فرط فداحتها أخلاقياً – حيث اعتدنا على مثلها فى شوارعنا كما أنى لست من حيى السمع لهذه الدرجة .. وإنما من هذا التحول العجيب الذى طرأ على صاحبى وهو لا يشعر بنفسه .. كيف له أن يتعرف أصلاً على مثل هذه الألفاظ التى نطقها ، ثم كيف له أن ينطق أو يتفوه بها ..
واعجباه ، أى بيئة عاشها زميلى هذا أثناء دراسته والتى حولته هذا التحول العجيب الغريب ، وأى مناخات وأجواء عاشها فى سنواته القليلة بعد التخرج والتى أذهبت حياءه وعفة لسانه وجاءت بإنسان آخر تماماً لا أعرفه ولا حتى هو يعرف نفسه .
تساؤلات مشروعة ؟
دائماً تعرض لى هذه التساؤلات عند كل انتهاك من انتهاكات الداخلية – وقد سبق أن كتبت عنها بعنوان " التغول الأمنى واعتقال الإخوان بعربة إسعاف " ، عددت فيها تجاوزات الجهاز الأمنى والداخلية وتغول هذا الجهاز الرهيب وتحول مساره من حماية البلد والحفاظ عليها إلى حرب الشرفاء وانتهاكهم ، وإلى فشل أمنى ذريع فى كل المسارات .
وجاءت الأيام السابقة بأنباء تترى عن انتهاكات على المستوى الفردى والأخلاقى لبعض ضباط أمن الدولة أثناء اعتقالهم لشرفاء الإخوان الذين وقفوا متظاهرين للفت نظر العالم إلى مآساة أولى القبلتين فى محاولة سلمية بحتة للتضامن مع إخواننا المرابطين هناك بمسرى النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ، لتضع أمامى عدة تساؤلات أطرحها للقارئ الكريم أياً كان انتماؤه أو هويته لعلها تخرج بنا من هذا التيه الذى وضعنا فيه نظام لم يلتفت إلى مكانة مصر الحقيقية ودورها التاريخى فى الدفاع عن الأقصى ومقدسات المسلمين ، ليسخر مقدراته فى اعتقال الشرفاء الذين يلفتون النظر لهذا الدور ووجوب أن تستمر مصر عليه ..
أول هذه التساؤلات عن أسباب اعتقال المتظاهرين السلميين الذين لم يقذفوا حجراً أو يكسروا شيئاً .. فقط وقفوا رافعين لافتات تقول أننا فداك يا أقصى وما شابهها من جمل مسالمة ، ومرددين لبعض الأدعية للأقصى وللمرابطين به .. ثم انصرفوا راشدين سالمين مسالمين وسط مراقبة وحراسة ضباط ومخبرى أمن الدولة .
لماذا يعتقل مثل هؤلاء بسبب تصرفهم هذا ؟ هل فى القانون نص يجرم هذا الذى فعلوه ، وهم لم يتناولوا حتى الحكومات العربية بشئ ، فقط لفتوا نظر المصلين إلى ما يحدث عند الأقصى وتمتموا ببعض الأدعية وانصرفوا ..
فلماذا يعتقلهم النظام ؟
ثانى التساؤلات : هو أين عقول وقلوب وأفئدة الضباط أو المخبرين وهم يعتبرون هذه أعمالاً إجرامية تحتاج إلى معاقبة وردع من قام بها ؟ هل فكر هؤلاء الضباط فعلاً ؟ أم أنها أوامر عليا ؟ وإذا كانت أوامر عليا ، فمن الذى أعطاها إن لم يكن ضباط ومسئولوا هذا الجهاز ؟ ولماذا لم يفكر هؤلاء الأعلى فى كون ما فعله هؤلاء المتظاهرين السلميين ليس بجريمة ؟ وكيف تحول هذا الفعل الحضارى الرائع الذى قاموا به إلى جريمة يردع صاحبها بالحبس والاعتقال ؟
من التساؤلات التى تفرض نفسها هل اعتقال هؤلاء بمنطق تجريم ما فعلوه ؟ أم أنه رسالة ردع وتحذير لتيار بأكمله ولأسباب أخرى تماماً بعيدة عن القضية برمتها ، قد يكون منها الرغبة فى أن يكف هذا التيار والفصيل الوطنى الهام – الإخوان – من المشاركة السياسية والابتعاد به عن التضامن مع قضايا الأمة برمتها داخلياً وخارجيا وتهميش دوره للانعزال والانكفاء داخل المساجد إن سمح له بذلك ؟
وإذا كان هذا التساؤل فى موضعه ، فهل يجوز اعتقال الوطنيين المسالمين الشرفاء وترويعهم وأسرهم وحبسهم وتجريدهم من حريتهم لغرض رسالة أو تحذير ؟
وهل افتقد الضباط والمنفذون أى قيم أخلاقية وهل حرموا من عقولهم ليتحولوا هكذا لأداة تنفذ بلا وعى ولا فهم ولا إرادة ؟
من التساؤلات التى تلح على دائماً عند هذه الاعتقالات : هل ضباط أمن الدولة مقتنعون بما يقومون به ؟ وهل فعلاً يستشعرون أننا مجرمون وآثمون وأعداء للوطن نستأهل الحرب والاعتقال والإبعاد ؟ وإذا كنا كذلك فلماذا يعلمون أبناءهم بمدارسنا ومؤسساتنا ؟ بل إن بعضهم من الأصل خريج مدارسنا ومؤسساتنا ، كما سمعت بأذنى من بعض إخوان المحافظات التى تمتلك مدارس إسلامية ( كالإسكندرية والبحيرة والغربية ).
من التساؤلات التى تطرح نفسها وبقوة على عقلى : أنه إذا كان الضباط مقتنعون ولديهم تبريراتهم ومنطقهم – وهو زعم فاشل منى – ولكن سأساير السياق وأفترض اقتناعهم .. فهل يبرر هذا الاقتناع ما قام به بعضهم من انتهاكات صارخة فى حق الأبرياء وذويهم ؟ ولماذا يروع الضابط نساء المعتقلين ؟ ألا يكفيه ما هم فيه من ترويع ؟ لماذا يسبهم أو يشتمهم أو يفزعهم أو يهددهم بانتهاكات فى العرض والشرف ؟ ولماذا يصبح الضابط ملكياً أكثر من الملك لدرجة أن يؤذى الأبرياء ؟ لماذا يعتقل الضابط ابن ( فى أغلب الأحيان ) أو أب أو أم أو أخت أو زوجة المعتقل ( فى أحيان أخرى ) ويتخذوه رهينة لهم فى حالة غياب من ذهبوا لاعتقاله حتى يسلم نفسه ؟ أليس من المقرر بجميع الأعراف قبل أن يكون قانوناً إلهياً أنه لا تزر وازرة وزر أخرى ؟ هل فى القانون ما يسمح بذلك – طالما هم مقتنعين بما يفعلونه - ؟ هل لديهم تبرير قانونى أو منطقى أو أخلاقى لما يفعلوه ؟
هل وصل الأمر من اعتقادهم فى عداوة وحرب الإخوان لدرجة اتخاذ رهائن ؟ إذا كانوا يعتقدون ويقتنعون بما يفعلوه ؟
تساؤل آخر يطرح نفسه أمام عينى : ما الذى أوصل الضابط لهذه الدرجة من ( تغييب العقل وقلب الحقائق أو سوء الخلق والفحش فى القول والعمل ) ؟ هل هى المناهج الدراسية التى تلقاها بكلية الشرطة ؟ أم هى دورات تدريبية – تغيبية – قاموا فيها بغسل مخه وتعليمه الفحش والبذاءة وتلاعبوا بعقله فيها ؟ أم هى مناخات خاطئة تعيشها مجتمعات الشرطة وأمن الدولة تتغير فيهم سلوكياتهم ويسرقون فيها طباع البيئة التى يعيشونها ؟
إلى رجال أمن الدولة الشرفاء
تساؤل آخر يمر كشريط أمام عيني عن إدراك ضابط أمن الدولة للمأساة التى يعيشها من حربه للمؤمنين الشرفاء الذين هم أهل ذمة الله سبحانه والذين قال فيهم النبى الكريم صلى الله عليه وسلم : " من صلى الفجر فى جماعة كان فى ذمة الله ، فاحذر يا بن آدم لا يطلبنك الله بشئ من ذمته " ، وقال فيهم النبى الكريم صلى الله عليه وسلم : " من عادى لى ولياً فقد بارزته بالمحاربة " .. وأى مأساة وغباوة أكبر من أن أبارز الله العظيم بالمحاربة وأعتقل أولياءه والذين يعرف ضباط أمن الدولة أنهم أكثر الناس حفاظاً على طاعة الله وعبادته .. أى مبارزة لله بالحرب أشد من هذه ؟
هل يتصور ضابط أمن الدولة أن الصورة ممكن أن تنقلب فى يوم من الأيام بإرادة الله الذى لا تغلبه إرادة – سبحانه – فيصبح هو نفسه المطلوب اعتقاله ، وأهله هو ذاته المروعين والمفزعين والمنتهكين ؟ وهل مع الضابط صك أمان بألا يتعرض لذلك ؟ ( دول حتى فى أفلام السينما فعلوا ذلك وقدموا أكثر من مرة ( كمال الشناوى فى الكرنك وأحمد زكى فى فيلم آخر لا أتذكر اسمه ) قدموا الضابط نفسه والحياة تتغير له ويصبح معتقلاً سجيناً بعد أن كان جلاداً ، هل لا يدرك ضباط أمن الدولة هذه الحقيقة وهى أن الأيام دول فيقدموا لأنفسهم ما يشفع لهم بعد تغير الأيام ؟
هل يتذكر ضباط أمن الدولة أنهم موقوفون أمام الله سبحانه وأنه سيسألهم عن أفعالهم هذه وعن مبرراتهم وعن نياتهم وعن مطابقة أفعالهم هذه لما يحبه الله ويرضاه أو مخالفتها لذلك ؟ وهل يشغلون بالهم أصلاً بهذه القضية ؟
أختم تساؤلاتى التى لم أعرض إلا جزءاً منها ولكنى أرى فيه الكفاية بتأكيد التساؤل : هل يرى الضباط الجهابذة .. رجال أمن الدولة الشرفاء .. هل يروا أن الإخوان أعداء لهذا الوطن ؟ وهل هم مقتنعون بذلك ؟ وهل لديهم ما يبرر هذه القناعة ؟ وهل هم واثقون أن ما يفعلونه يرضى الله سبحانه ويؤمنهم من عذابه يوم القيامة ؟
أنا أجيب بأنى أشك فى أن واحداً منهم مقتنع بهذا الكلام .. ولكنها الغفلة وإلغاء العقل وتغييبه بإرادة أو بغير إرادة ليضعوا أنفسهم فى خندق أعداء الأمة من الصهاينة والأمريكان ، وبدلاً من أن يحموا الشرفاء المسالمين المدافعين عن الأقصى الحبيب .. بدلاً من ذلك يعتقلوهم ويقدموا خدمات جليلة مجانية قرباناً للسيد الأمريكى أو الصهيونى ..
حسبنا الله ونعم الوكيل .. يا قومنا أليس منكم رجل رشيد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
==============

