22/02/2010

فهمي هويدي :

المرافعة التى قدمها الدفاع فى قضية خلية حزب الله أمس الأول «السبت 20/2» تعد وثيقة مهمة كشفت الستار عن الكيفية، التى يستخدم فيها القضاء والقانون لتحقيق المآرب وتصفية الحسابات السياسية، ويبدو أن طول مدة المرافعة وثراءها (90 صفحة عرضت فى ثلاث ساعات) لم يمكنا مندوبو الصحف من استيعاب مضمونها، لكنى حين أتيح لى أن أطلع على نصها. وجدت أن فيها إشارات مهمة لم تذكرها صحف اليوم التالى.

من ذلك أن النيابة العامة قدمت فى البداية مرافعة سياسية لكى تكون مدخلا للتعامل مع قضية جنائية. فتحدثت عن دولة أجنبية لم تسمها وعن زعماء للأحقاد والفتن فى المنطقة وعن تحريض للجماهير فى الشارع. كما تحدثت عن دور مصر وكيف أنها لم ولن تتخلى عن مسئولياتها.. إلى غير ذلك من العبارات والإحالات التى مكانها منابر الخطابة وليس منصات القضاء. من ذلك أيضا أن ملف القضية الذى وقع فى 3500 صفحة لم يتضمن دليلا واحدا على قيام المتهمين بأعمال إرهابية فى مصر. وكل ما تضمنه أقوال واعترافات من جانب المتهمين لم تتجاوز حدود الأعمال التحضيرية، التى استهدفت تعزيز مقاومة العدو الصهيونى. وأكدت فى الوقت ذاته رفضا صريحا من جانب القيادات المعنية فى حزب الله للقيام بأى أعمال ضد الإسرائيليين فى داخل مصر.

كانت المرافعة عن المتهم الثانى سامى شهاب، وقدمها الدكتور محمد سليم العوا، باسم فريق الدفاع الذى ضم إلى جانبه محاميين آخرين، هما النائب اللبنانى إميل رحمى والأستاذ عصام سلطان، وقد ركزت على أمور ثلاثة، هى: أن مجموعة حزب الله قدمت إلى مصر لهدف محدد هو ترتيب كيفية مساندة المقاومة الفلسطينية فى غزة ــ وأن هذا النهج كانت مصر سباقة إليه، حين ساندت حركات التحرر الوطنى فى شمال أفريقيا وفى عمق دول القارة ــ كما أنه معترف به من جانب مبادئ القانون الدولى العام وقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة. وأجمعت عليه آراء الفقهاء والقضاء الدولى، التى سلمت جميعها بمشروعية المقاومة ضد الاحتلال، وحقها فى اللجوء إلى القوة المسلحة لتحقيق مرادها.

من المفاجآت التى فجرها الدفاع أن اثنين من المتهمين الذين ألقى القبض عليهم «الرابع والعشرون والخامس والعشرون» ذكرا فى أقوالهما أنهما ينتميان إلى كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، وقالا فى اعترافاتهما إن اثنين من قيادات فتح «أحدهما باسم أبوصهيب والثانى كنيته أبوعلاء» كلفاهما بالتوجه إلى سيناء عبر الأنفاق لتلقى تدريبات معينة، تمكنهما من القيام بعمليات فدائية ضد العدو الإسرائيلى، وهى معلومة لم تذكر فى التسريبات التى نشرتها الصحف خلال الأشهر الماضية، وقد استند إليها الدفاع فى التأكيد على أن المجموعة لم تخطط للقيام بأى أعمال ضد مصر كما ذكرت النيابة فى بيانها.

ذلك أنه ليس معقولا أن تكون حركة فتح على وفاق تام ورعاية خاصة مع مصر، وفى الوقت ذاته تنتدب بعضا من أعضائها للقيام بعمليات إرهابية تستهدف مصالحها.

من المفاجآت التى قدمها الدفاع أيضا فى الرد على ادعاء النيابة أن الأنفاق استخدمت لتهريب السلاح والإخلال بالنظام العام فى مصر، نص الخطاب الذى ألقاه الرئيس حسنى مبارك فى عيد الشرطة للعام الماضى «4/2/2009»، وتبنى فيه موقفا تبريريا ودفاعيا عن الأنفاق، التى اعتبرها فى الخطاب نتيجة للحصار الذى فرضته إسرائيل على قطاع غزة.

وصفت المرافعة تحريات مباحث أمن الدولة التى قامت عليها القضية، بأنها غير مقبولة عقلا ولا منطقا، وليس فيها أى قدر من الجدية، من ذلك مثلا أن أحد ضباط أمن الدولة شهد بأنه منذ نحو ستة أشهر سابقة على شهر نوفمبر 2008 «الذى اعتقل فيه سامى شهاب وزملاؤه» وردت معلومات تفيد بأن حزب الله يخطط للقيام بأعمال إرهابية تستهدف السائحين والسفن الإسرائيلية فى قناة السويس إضافة إلى أهداف أخرى. وفى الرد على ذلك تساءل الدفاع: إذا كانت تلك التحريات جدية وصادقة، فلماذا سكت عليها جهاز أمن الدولة، طوال ستة أشهر قبل أن يلقى القبض على المتهمين، وهل كان الجهاز ينتظر كل هذه المدة حتى يقوموا بما قيل إنهم خططوا له ثم يقبض عليهم؟

لا أعرف ما إذا كان السؤال على سبيل الاستفهام أو الاستنكار، لأن الرد عليه معروف، وهو أن السياسة أرادت للسيناريو أن يكون كذلك