12/12/2009
سامية بكري
بعد خروجهما من معتقل دام لخمسة عشر عامًا، خلف القضبان وتحت وطأة التعذيب والحرمان، قررا أن يبحثا عن عمل يقتاتان منه، ويحاولان تعويض أسرتهما الفقيرة، ولما فشلت جهودهما قررا أن يرسلا بشكوى، أو لنسمها "فضفضة" للكاتب الكبير مكرم محمد أحمد، خاصة أنه كان من شهود المصالحة التي تمت بين الدولة والجماعة الإسلامية داخل السجون منتصف التسعينيات، وأنه تجاوز العداء الذي كان بينه وبين الجماعة، وسجل بقلمه وقائع الصلح.
سرد الشابان بحسن نية بعضًا مما تعرضا له من ظلم الاعتقال الطويل، ورغبتهما في أن يساعدهما الكاتب الكبير ويساعدهما- وأمثالهم كثيرون- في فتح صفحة جديدة، تبدأ بالسماح لهم بعمل، وأن يدعو المسئولين من خلال مقالة بـ(الأهرام) لفتح أبواب العمل الشريف لمن هم في مثل ظروفهما؛ حتى يتسنى لهم الاندماج في المجتمع، ومواصلة حياتهم بعد طول انقطاع وحرمان وتعذيب.
في نهاية خطابهما- وبرجاء وخوف شديدين- طلب الشابان من الكاتب الكبير ألا يذكر اسميهما لا بالنشر ولا لدى أمن الدولة، ولكن بعد عدة أيام من إرسال الخطاب عبر البريد لجريدة (الأهرام) نشر مكرم محمد أحمد الشكوى في عموده الصحفي دون أسماء، داعيًا الحكومة للاهتمام بالمعتقلين المفرج عنهم، وتهيئتهم لمواصلة حياتهم، وإيجاد فرص عمل لهم؛ فماذا حدث بعد ذلك؟ استدعى أمن الدولة الشابين فورًا، وفي مقر أمن الدولة تعرضا للتوبيخ والإهانة على يد الضابط المتابع لحالتهما، بل والتهديد بإعادتهما للمعتقل!
وقال لهما الضابط ساخرًا: "إنتوا فاكرين إن مكرم هاينفعكم؟ وبعدين هو ماعملش أي حاجة من نفسه في المصالحة.. إحنا اللي بلغناه بالخبر.. إحنا اللي خدناه السجن عشان يكتب".
في المقابل، كرَّس الكاتب الصحفي والباحث السياسي ضياء رشوان جانبًا كبيرًا من كتاباته ودراساته عن المعتقلين السياسيين، كاشفًا عما يتعرَّضون له من ظلم وتنكيل، ومطالبًا وبلغة صريحة بتعويضهم تعويضًا عادلاً؛ ولطالما حذَّر ضياء رشوان من إرجاء أو تعطيل صرف هذه المستحقات لصالح المعتقلين، ومن أن التقاعس قد يعيد البلاد إلى دائرة العنف مرة أخرى، فضلاً عن الأضرار النفسية والأدبية التي لحقت بالفعل بالمعتقلين من اعتقالات ظالمة وكيدية في معظمها، خاصة أن قانون الطوارئ تسبَّب في دخول عشرات الآلاف السجون والمعتقلات دون تقديمهم إلى محاكمات، أو تثبت ضدهم مخالفات قانونية تستوجب المساءلة والعقاب.
وبألم ومرارة يقول الكاتب الكبير ضياء رشوان في أحد مقالاته عن المعتقلين:
"عندما نتحدث عن هؤلاء الشباب الذين يقبعون وراء الأسوار، وهم يجهلون الوقت الذي سيعودون فيه إلى أسرهم وبيوتهم، يغيب أحيانًا عنا أننا نتحدث عن بشر في عمر أخوتنا الصغار وأبنائنا، لهم مثلنا أمهات وآباء وأخوة وزوجات وأطفال وأقارب وأصدقاء وجيران، يقتلهم الشوق جميعًا للتلاقي في بيوتهم والفرح معنا ومثلنا بمشاهدة مباريات كأس إفريقيا، أو الخوف معنا ومثلنا من إنفلونزا الطيور؛ إننا عندما نتحدث عن هؤلاء الشباب المعتقلين لا نذكر سوى أعداد تقديرية لهم وسنوات غير معروفة لنا قضوها وراء القضبان، بينما يغيب عنا ما تختزله تلك السنوات بالنسبة لكل منهم من شوق إلى الأهل والشوارع والحياة الطبيعية، وحزن لا يعرفه إلا من يكابده عندما ينعى الناعي لهم أحدًا من ذويهم قضى دون أن يروه أو يحضروا وداعه وعزاءه، وفرح لا يعرفون كيف يشعرون به عندما تأتيهم أخبار سعيدة من ذويهم وأحبابهم خارج الأسوار".
وهو يرى أن قضية المعتقلين السياسيين تحتاج لوقفة جادة وحاسمة؛ لإغلاق ما سماه بالملف الشائن لبلد كبير مثل مصر، معتبرًا أن هذه الوقفة تحتاج أولاً من وزارة الداخلية "أن تعلن بصورة رسمية العدد الحقيقي للمعتقلين لديها بموجب قانون الطوارئ"، وأن تحدد في نفس الوقت "جدولاً زمنيًّا خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاثة شهور؛ للإفراج عن كل من لم يصدر ضدهم حكم قضائي نهائي".
ووجه خطابه إلى "كل القوى الحية في هذا البلد العريق الكبير أن تضع تلك القضية في مقدمة أولوياتها، وأن تمارس جميع الضغوط المشروعة والسلمية على الحكومة من أجل القيام بالخطوتين السابقتين".
وبدون كلمات رنانة أو مزايدات: يبدو جليًّا الفرق بين مواقف الرجلين المتنافسين على منصب نقيب الصحفيين؛ ضياء رشوان كرجل يتفانى في الدفاع عن قضية تخص فئة مضطهدة مهمشة هرستها آلة القهر الأمني والغباء السياسي والتعتيم الإعلامي، بينما يقوم مكرم وبدم بارد بالإبلاغ عن أسماء من "استأمنوه" ألا يذكر أسماءهم، ويعود ليتباهى بدور مزعوم في مصالحة الأمن والجماعة الإسلامية؛ فانظر من ضيَّع الأمانة، وأخذ صف النظام بمواجهة من لا حول لهم ولا قوة، ويطلب اليوم أن يتولى أمانة 6 آلاف صحفي.. كيف تأمنوه على أنفسكم؟
-------------
* صحفية مصرية مهتمة بشئون المعتقلين.

