31/3/2009

فى ذكرى مرور ثلاثين عاما على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ، هل كانت هذه المعاهدة فاتحة خير على مصر

و العالم الإسلامى أم نذير شؤم ؟ .  

  قبل أن أجيب عن هذا التساؤل ، شاءت الأقدار أثناء فترة إعتقالى سابقا َأن اقرأ  كتاب  ( طريق مصر إلى القدس ) للدكتور بطرس غالى الذى يشرح فيه مفاوضات عملية السلام مع إسرائيل و كان حينها وزير دولة للشئون الخارجية و كنت كلما تعمقت فى قراءة الكتاب  كلما أدركت حينها لماذا أنا معتقل ؟!  ، و لماذا تحول الوطن إلى سجن كبير نحيا فيه جميعا!!.  

كان أبلغ ما فى الكتاب  المزدحم  بالتفاصيل ما قاله  بطرس غالى  و كرره مرارا َ فى ثنايا الكتاب من أنه كان يشعر  بإستياء و دهشة بالغة من طريقة إدارة السادات للمفاوضات مع الطرف الصهيونى و السبب فى ذلك الإستياء أنه رغم وجود فريق تفاوض مصرى كبير إلا أنه فى حقيقة الأمر لم يكن هناك دور حقيقى لأى من أعضاء الفريق ،  فالذى يقوم بالمفاوضات فى واقع الأمر و يأخذ القرارات دون رجوع إلى أحد هو الرئيس المصرى !! ، بل يصف بطرس غالى الحال الذى وصل إليه الأمر حين يقول ما ملخصه ( أنه حتى المعلومات الخاصة بالعملية التفاوضية لم يكن يُطلع – السادات - أحد منّا عليها ووصل بنا الحال أننا إذا أردنا أن نعرف معلومة عن موقف ( مصر ) التفاوضى سألنا بشكل غير مباشر الطرف ( الأمريكى ) !! ، فيخبرنا هو فى حين يمتنع الرئيس المصرى !! . 

حين يدار ملف بهذه الخطورة ، بهذا الشكل الموغل فى الفردية و عندما يكون الوزراء مجرد طقم سكرتارية للرئيس فعلينا أن نعرف كيف وصلنا إلى ما نحن عليه. 

 بداهة أنا هنا لا أدافع عن موقف بطرس غالى و أقرانه فالسلام مع إسرائيل مرفوض لدىّ شكلاَ و موضوعا َ من حيث المبدأ . 

لكن ما حدث حين وقعت معاهدة السلام ، كان بالغ الدلالة و المرارة على العالم العربى و الإسلامى ، لم تكن الصدمة هينة ، فعندما يسقط الكبار فى الوحل فإن الرزاز لا بد أن يطال الجميع . 

لم يعد للعالم الإسلامى دولة قائدة  و أنعزلت مصر إختيارياَ خلف حدودها و أنكفئت على نفسها وانفردت إسرائيل بالجميع  ، لم تكن الخسارة فى الأرض فقط متمثلة فى الإحتلال لفلسطين و لبنان و الجولان ، لكن الأخطر فى ذلك السعى الحثيث لتحويل إسرائيل من عدو لدود إلا صديق ودود !! هكذا أرادوا لنا و هكذا أصبحت إسرائيل بالنسبة لكثير من القادة العرب . 

المصيبة الأكبر لم تكن فقط فى تحويل إسرائيل لصديق و إنما فى الطريقة ، فبدلاَ من أن ( تتغير ) إسرائيل حتى تنال صداقتنا أصبح المطلوب أن ( نتغير ) نحن لننال وُدها !! ، فإسرائيل تمضى سادرة فى غيّها و نحن علينا ( التأقلم ) مع الوضع الجديد . 

الطامة الكبرى أن هذا المطلب – الصداقة متمثلة فى التطبيع – قوبل برفض عارم من الشعب المصرى و العربى  ، وهنا وجب أن ( يتغير )  الشعب ذاته حتى يقبل بالسلام أولاً و التطبيع ثانياً  !! ، و هنا فقط بدأت أشد فصول المأساة. 

تحول الشعب المصرى و من ورائه الشعوب العربية و الإسلامية لهدف للمشروع الصهيونى الغربى بأيادى مصرية و عربية  غايته أن يصبح المواطن لدينا قابل للإستعمار  بعد أن كانت لديه مقومات النضال ، فتم  إقصاء درع الحماية الأول لديه ( الإسلام ) من حياته و بعد أن كان الحديث يدور  وقتها  حول تطبيق الشريعة الإسلامية فى مصر  ، أدخل  هذا الملف إلى غياهب الجب و لازال !! . 

و بدأ الغزو الثقافى المدمر يقصف مواقعنا الحصينة حتى سقطت الواحدة تلو الأخرى ، فغابت قيم التعاون و التكافل فى مقابل إزياد قيم الأنانية المفرطة و الشح  و أصبحت كلمة مثل الحرية تعنى التحلل من الأخلاق بعد أن كانت تعنى التحرر من الإستعمار !! ،  ثم سقطت الأسرة و أنحل عراها فكثر الطلاق و الشقاق  ثم بدأ تفكيك المجتمع بالكلية فعزلت كل شريحة من المجتمع عن الأخرى ، فانطلقت المرأة تبحث عن حريتها بمعزل عن الرجل بدعوى المساواة ، و انعزل الأبناء عن جيل الآباء و أصبح لهم عالمهم الخاص الذى لا يعلم عنه الآباء شيئاَ بعد أن إنشغلوا بلقمة العيش  و أُحدثت فتن طائفية بين المسلمين و المسيحيين و أصبح التربص بالآخر هو الغالب فى العلاقة بينهما و بنى الأغنياء الأسوار العالية العازلة حول مدنهم الخاصة التى لا مكان فيها لفقير  . 

 لم يقف التفكيك عند هذا الحد بل صاحبه تغريب كامل للمجتمع فأنشأت الجامعات و المدارس الأجنبية فأصبح الطالب يتخرج و لا يعرف شيئاَ عن دينه أو تاريخه أو أمته  !! فى حين يُلم بكل تفاصيل الحياة الغربية ، حتى النخب المثقفة أصيبت بنفس الداء فعزلت عن المجتمع و ظلّ أغلبها حبيس الغرف المغلقة جبراَ أو إختياراَ  اللهم إلا القليل من الأسوياء . 

و تواصل القصف و تم التركيز على وسائل الإعلام التى تصل إلى كل بيت و أصبحت إثارة الغرائز و  تمجيد قيم الحضارة الغربية هو الغالب فى كافة وسائل الإعلام و أصبح من المعلومة بالضروة أن كل فيلم و أو مسلسل هو قصة حب و سيجارة و كأس !! . 

هكذا أريد لنا أن نتغير حتى نقبل بإسرائيل ، و العجيب أننا أصبحنا مطالبين الآن لا أن نقبل بإسرائيل و حسب بل علينا كذلك أن نقبل بأمريكا و حلفائها فى العراق و أفغانستان و السودان و الخليج و جنوب لبنان هذا هو واقع العالم الإسلامى بعد ثلاثين عاماً من السلام مع إسرائيل  إحتلال ، تفكك ، تخلّف ، إستبداد  . 

 لكن رغم ظلامية المشهد تظل هناك نقاط ضوء تلمع وسط  بحر الظلمات الذى نحيا فيه ، إنها الصحوة الإسلامية و الوطنية المباركة  التى أبت إلا الصمود أمام معاول التفكيك و التغريب  فكانت بارقة الأمل الذى أحيا الموات فى النفوس

 و سوف يأتى اليوم بإذن الله الذى تصبح فيه هذه الإتفاقية المشئومة أثراً بعد عين و السلام ختام .

  

* كاتب و باحث مصرى