14/01/2009
لا أعرف كيف تحل الحكومة مشكلة إخراج الأفلام السياسية التي تنتجها بين الحين والآخر، لكن ما جري أمس الأول في مجلس الشعب يؤكد أننا بحاجة إلي علاج سريع لتلك المشكلة.
الذي حدث أن الحكومة أدركت أن هناك غضباً شديداً لدي الأعضاء المعارضين والمستقلين علي الأقل، بسبب الموقف المصري من مذبحة غزة، وقد عبّر الأعضاء عن غضبهم ذاك من خلال كم الأسئلة وطلبات الإحاطة التي قدمها الأعضاء إلي أمانة المجلس، ولأن علي رأسها «بطحة»، فإن الحكومة صدّرت بداية الجلسة وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي لكي يدلي ببيان أكد فيه أن وزارة الصحة قامت بالواجب وزيادة، وأنه إذا كان هناك لوم أو مؤاخذة فينبغي أن يوجهها إلي الطرف الآخر في القطاع «حماس» الذي قال إنه أعاق الجهد الكبير الذي قامت به مصر للإغاثة وتوفير العلاج اللازم للمرضي.
هذه البداية للفيلم أرادت بها الحكومة بالتفاهم مع رئاسة المجلس توجيه ضربة استباقية للنواب المعارضين، إلي جانب الاستنفار المعتاد لأغلبية الحزب الوطني، الذي لم يقصر السيد أحمد عز في ترتيبه لمواجهة الطوارئ.
بعد كلام الوزير بدأت تعقيبات الأعضاء، وكان بينهم زميلنا مصطفي بكري الذي طالب بطرد السفير الإسرائيلي ووقف إمداد إسرائيل بالغاز، لكن الدكتور سرور قاطعه قائلاً: إن ذلك كلام خارج الموضوع. وداعياً إلي عدم فتح الباب لما وصفه بالمهاترات. ثم استطرد قائلاً: إنه تمني أن يصدر عن المعارضة موقف وطني يشد أزر الحكومة ولا يسيء إلي البلد، وتحدث عن ظهور بعض أعضاء المجلس علي شاشة قناة «الجزيرة» بصورة أساءت إلي مصر «كان أحد الأعضاء من ممثلي الإخوان قد تحدث علي شاشة قناة «الجزيرة» عن تعسف الحكومة في منع عبور الأطباء والأدوية من خلال معبر رفح».
كانت تلك اللقطة التي اعتبر فيها الدكتور سرور أن عدم شد أزر الحكومة يعد موقفاً غير وطني «رغم أن وظيفة المجلس الأساسية هي مراقبة أعمال الحكومة» تمهد لشيء آخر، ذلك أن الدكتور سرور أعطي الكلمة بعد ذلك لنائب من العريش «لاحظ الاختيار» من أعضاء الحزب الوطني، وحسب السيناريو الموضوع ذهب صاحبنا إلي أبعد فاتهم المعارضة بأنها تعمل لصالح «أعداء مصر»، كأنما كانت كلمات الدكتور سرور مجرد «تمريرة» لنائب الوطني، لكي يسدد منها هدفه في مرمي المعارضة.
الطريف في الأمر أن صاحبنا حين اتهم المعارضة بالعمل لصالح أعداء الوطن «بالخيانة يعني» فإن الدكتور سرور لاحظ الهرج والغضب اللذين سادا القاعة، فطلب ثلاث مرات من العضو أن «يوضح» كلامه، ولكن الرجل لم يستجب، فارتفعت الهتافات في القاعة منددة بإسرائيل، ووسط هذا الحماس فإن النائب أشرف بدر الدين الذي كان عائداً لتوه من رفح وشاهد المنظر البائس هناك، رفع حذاءه معرباً عن ازدرائه واحتجاجه علي العدوان الصهيوني.
كانت هذه اللقطة خارجة علي السيناريو الموضوع، ولكن مخرج الفيلم استثمرها علي الفور، إذ حين انسحب المعارضون والمستقلون من القاعة احتجاجاً علي إطلاق اتهامهم بالعمل لصالح أعداء الوطن، بعدما طالبوا بمحاسبة العضو الذي اتهم زملاءه بالخيانة، فإن الدكتور سرور سارع إلي حذف عبارته من المضبطة، وفي غياب الأعضاء المنسحبين رفض طلبهم بمحاسبة عضو الوطني وإحالته إلي لجنة القيم، وسارع المخرج إلي تغيير نهاية الفيلم يحيث يخرج صاحبنا الذي أقدم علي الفعل واتهم المعارضة بالخيانة بريئاً من المشهد، ويحال العضو الذي رفع الحذاء وصدر عنه رد الفعل إلي لجنة القيم.. ألا يوجد في مصر مخرج أفضل يقدم لنا فيلماً ناجحاً يمكن أن يخلو من الافتعال و«التمثيل»؟
الدستور

