أقرت الحكومة المصرية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي حزمة حوافز جديدة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات، متضمنة زيادة مالية تصل إلى 1500 جنيه، في خطوة فجرت غضباً واسعاً بين الأكاديميين، معتبرين أن هذه المبالغ تمثل إهانة بالغة لأساتذة الجامعات والعلماء، وتتجاهل متطلبات معيشتهم الأساسية في ظل موجات التضخم المتلاحقة.
وجاءت القرارات الصادرة بعد اجتماعات وزارية مطولة لتلقي بعبء التمويل على الموارد الذاتية للجامعات المنهكة أصلاً، متجاهلة التوجيهات السابقة التي أصدرها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لتحسين أوضاع الباحثين، ليتضح أن القيمة الفعلية لتلك الزيادات لا تتجاوز بضع مئات من الجنيهات بعد خصم الضرائب والاستقطاعات الحكومية المتعددة.
حوافز هزيلة تعمق أزمة الأكاديميين
وفي تفاصيل التدابير الحكومية، أقرت السلطات حافز تدريس شهرياً بقيمة 1000 جنيه يُصرف لمدة 9 أشهر فقط بإجمالي 9000 جنيه سنوياً، غير أن الموظف الأكاديمي يفاجأ بتراجع المبلغ الفعلي الصافي إلى قرابة 730 جنيهاً بعد الاستقطاعات الضريبية، مما يفرغ الدعم من مضمونه المعيشي الحقيقي ويفاقم الإحباط العام.
وبالتوازي مع ذلك، شملت التعديلات رفع حافز الجودة بنسب متدرجة تبدأ من 1500 جنيه لدرجة أستاذ و1250 جنيهاً للأستاذ المساعد، وتتراجع إلى 1000 جنيه للمدرس و750 جنيهاً للمدرس المساعد، وصولاً إلى 500 جنيه فقط للمعيد، متناسية التضخم القياسي الذي يلتهم هذه المبالغ الشكلية قبل وصولها إلى أيدي المستحقين.
علاوة على ذلك، يواجه شباب المعيدين صدمة كبرى نتيجة آلية التمويل المشتركة بين الخزانة العامة والموارد الذاتية، إذ ينحدر صافي ما يتقاضاه المعيد من حافز الجودة إلى ما بين 170 و340 جنيهاً شهرياً، في وقت تلتهم فيه نفقات الانتقال والمواصلات وحدها أكثر من نصف رواتبهم الشهرية المتواضعة للغاية.
ومن جانبه، يرى الدكتور هاني الحسيني، الأستاذ بكلية العلوم في جامعة القاهرة وعضو حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، أن الزيادات المطروحة تُكرس التدهور المعيشي للكوادر الأكاديمية بدلاً من معالجته، معتبراً أن الاعتماد على حوافز مشروطة بتمويل ذاتي يعكس تهرب الحكومة من واجباتها الدستورية في دعم موازنة التعليم الجامعي.
واستناداً إلى ذلك التفاوت، يصل دخل عميد الكلية بعد سنوات طويلة من التدرج الأكاديمي إلى نحو 15 ألف جنيه شهرياً، بينما يتراوح راتب الأستاذ المتفرغ بين 12 و13 ألف جنيه، وهي مستويات مالية متدنية لا تضمن الحد الأدنى للحياة الكريمة في ظل اشتعال الأسعار وانهيار القوة الشرائية للعملة.
فضلاً عن ذلك، يعيش أعضاء هيئات التدريس أزمة خانقة في تمويل أبحاثهم، إذ يتحمل الباحث بمفرده تكاليف نشر تتراوح بين 1500 و2000 دولار في المجلات الدولية المفهرسة، مما يضع عبئاً مالياً تعجيزياً فوق كاهل الأساتذة في ظل غياب التمويل المؤسسي الكافي للأبحاث العلمية والترقيات الأكاديمية.
غموض الموارد واستنزاف الكفاءات الشابة
وفي المقابل من هذا الشح، تحولت الجامعات الحكومية إلى مراكز لجني عوائد ضخمة عبر برامج الساعات المعتمدة والدراسات العليا والخدمات التعليمية مدفوعة الأجر، بجانب التوسع في الشراكات مع الجامعات الأهلية والخاصة التي تدر مبالغ مالية كبرى تثير تساؤلات ملحة حول أوجه إنفاقها ومصارف توزيعها الفعلية.
وعلى الرغم من تلك التدفقات النقدية الطائلة التي يدفعها الطلاب وأسرهم بانتظام، تواصل إدارات الصروح الجامعية إلقاء أعباء الزيادات على الميزانيات الذاتية بدعوى العجز المالي، متجاهلة تخصيص حصة عادلة لدعم أجور أعضاء هيئة التدريس الذين يمثلون العمود الفقري للعملية التعليمية ومحركها الأساسي.
وفي السياق ذاته، يوضح الدكتور محمد كمال، الأستاذ بجامعة كفر الشيخ والمتحدث باسم النقابة المستقلة لأعضاء هيئة التدريس، أن استنزاف موازنات الكليات في حوافز وهمية يهدد بتوقف الأنشطة المعملية، مشدداً على أن غياب الشفافية في إدارة الصناديق الخاصة يعمق الفجوة بين الإدارات والباحثين داخل الحرم الجامعي.
ونتيجة لهذا التدهور الاقتصادي الحاد، بدأت الجامعات تفقد نخبتها الشابة من المعيدين والمدرسين المساعدين، حيث تشهد الأوساط الأكاديمية عزوفاً متزايداً عن الاستمرار في العمل الجامعي، بعدما تحولت الوظيفة إلى عبء معيشي خانق يعجز عن تأمين ضروريات الحياة الكريمة لمن أمضوا سنوات في التفوق العلمي.
وإزاء هذا الواقع المرير، يفضل الكثير من شباب الباحثين التوجه نحو وظائف بالقطاع الخاص خارج أسوار الجامعة، للحصول على أجور تعادل أضعاف ما يتقاضونه داخل المؤسسات التعليمية، مما يحرم الصروح الأكاديمية من أجيال واعدة قادرة على النهوض بالابتكار والتطوير والمنافسة في التصنيفات الدولية.
مطالب تشريعية لإصلاح هيكل الأجور
وانطلاقاً من خطورة الوضع القائم، تتصاعد المطالبات داخل المجتمع الأكاديمي بإلغاء سياسة المسكنات الوقتية، والبدء الفوري في تعديل قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، الذي باتت نصوصه وقواعده المالية متقادمة وعاجزة عن مواكبة التحولات الاقتصادية العاصفة ومعدلات التضخم غير المسبوقة.
وفي هذا الإطار، تطالب القوى الجامعية بصياغة جدول أجور عصري وعادل يتضمن آلية دورية للمراجعة السنوية، بما يعيد للأستاذ الجامعي مكانته الرفيعة التي تآكلت بمرور العقود، بعد أن كان القضاة في فترات سابقة يطالبون بمساواة أوضاعهم المالية بمكانة أساتذة الجامعات ونظرائهم في المؤسسات العليا.
وفي سياق الإصلاح القانوني، يؤكد الدكتور أحمد دراج، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني سويف، أن إنقاذ التعليم العالي يستوجب تحرير المنظومة من التشريعات البالية وتخصيص ميزانيات سيادية لرواتب العلماء، لافتاً إلى أن استمرار الحوافز الهامشية يمثل إهداراً لكرامة النخبة المفكرة ويدفع بها نحو حافة الفقر المهني.
ومن منبره البرلماني والإعلامي، عبر الإعلامي مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، عن صدمته العميقة إزاء قرارات الحكومة المحدودة، لافتاً خلال برنامجه التلفزيوني إلى أن المبالغ التي صرفت لا ترضي طموحات الأكاديميين، بل شكلت خيبة أمل مريرة مقارنة بالوعود البراقة التي انتظرها الباحثون طويلاً لتحسين دخولهم.
وفي نداء مباشر، دعا بكري قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى التدخل العاجل لرد اعتبار الأستاذ الجامعي وأعضاء هيئة التدريس، مؤكداً أن بقاء الدخل عند 13 ألف جنيه لا يليق بمكانة مصر العلمية، في حين تضخ الدولة مئات المليارات لتشييد مباني جامعات القاهرة والإسكندرية والمنصورة وأسيوط.
وختاماً لهذه التحركات المتزامنة، يجمع الأساتذة على أن استقرار الباحثين مادياً يشكل صمام أمان لإنقاذ مستقبل التعليم والبحث العلمي في البلاد، محذرين من أن الاكتفاء بزيادات قدرها 300 أو 730 جنيهاً يهدد بانهيار المنظومة الجامعية بكاملها وفقدان آخر ما تبقى من كفاءاتها الوطنية.

