تبتلع الخزانة العامة مدخرات المودعين داخل 36 مصرفاً خاضعاً لرقابة البنك المركزي المصري، حيث قفزت أصولها الإجمالية إلى 27.662 تريليون جنيه في منتصف العام الحالي، لتمثل أداة لتمويل العجز الحكومي المتفاقم.
وتسجل خريطة توزيع تلك الأصول توجيهاً مكثفاً للسيولة نحو الاستدانة العامة، إذ يستحوذ بند القروض على 42 في المائة، بينما تذهب 29.4 في المائة للأوراق المالية والأذون والسندات الحكومية لتغطية الإنفاق الرسمي.
استنزاف السيولة وتهميش القطاع الخاص
وفي هذا السياق، تحتجز المصارف 10.4 في المائة كأرصدة متبادلة بينها، وتضع 7 في المائة لدى مصارف أجنبية، في حين تكتفي بأقل من 1 في المائة كأموال سائلة بالخزائن، وتخصص 10 في المائة للأصول الثابتة.
ومن جهة الخصوم، تقتصر حقوق الملكية على 7.1 في المائة فقط، بينما تستند البنوك على أموال المودعين بنسبة 61.9 في المائة، وتتحمل 6.9 في المائة التزامات محلية و2.3 في المائة التزامات لبنوك خارجية.
إضافة إلى ذلك، تشكل السندات طويلة الأجل 3.8 في المائة والمخصصات 2.7 في المائة مقابل 15.2 في المائة لالتزامات أخرى، لتبلغ الأصول 27.7 تريليون جنيه مستحوذة على معظم السيولة المالية المتاحة بالبلاد.
وبالمقارنة مع الموازنة، تعادل هذه الأصول 3 أضعاف استخدامات الدولة البالغة 8.186 تريليون جنيه في موازنة 2026/2027 التي انطلقت مطلع يوليو، كما تتجاوز تقديرات الناتج المحلي الإجمالي البالغ 24.5 تريليون جنيه.
وعلى صعيد التوظيف، تثبت أرقام عام 2025 توجيه 43 في المائة من الأصول للقروض، لكن الحكومة ابتلعت وحدها 53 في المائة منها، مما يعطل مسار التنمية والتشغيل الإنتاجي الفعلي بالبلاد.
وبالتوازي مع ذلك، استحوذت الاستثمارات على 32.5 في المائة من الأصول، خصصت البنوك 94.3 في المائة منها لشراء أذون وسندات الخزانة، تاركة 5.7 في المائة فقط للشركات التابعة والشقيقة متجاوزة أو دون 50 في المائة.
وفي تفاصيل الائتمان، ذهبت 68.4 في المائة من التمويل المحلي للحكومة و3.1 في المائة لقطاع الأعمال العام لتبلغ الحصة الرسمية 71.5 في المائة، مقابل 19.8 في المائة للقطاع الخاص و8.7 في المائة للقطاع العائلي.
وتترجم الأرقام المطلقة هذا الانحياز بضخ 6.03 تريليون جنيه لإقراض الحكومة و509 مليارات جنيه لقروض قطاع الأعمال، علاوة على شراء أدوات دين حكومية بقيمة 8.72 تريليون جنيه لامتصاص السيولة المصرفية.
وفي هذا الصدد، يؤكد د. جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، أن استنزاف ودائع المواطنين لتمويل العجز الحكومي يخنق الشركات الإنتاجية ويجهض فرص توليد وظائف حقيقية.
انحسار القروض وتغول الملكية الأجنبية
ومن ناحية أخرى، تنحدر معدلات الإقراض دون المتوسط العام البالغ 43 في المائة، مسجلة 6.3 في المائة ببنك فيصل، و6.9 في المائة بسيتي بنك، و8.2 بالمصرف العربي الدولي، و15.3 في المائة بإتش إس بي سي.
وعلى النحو ذاته، بلغت النسبة 26 في المائة ببنك التعمير و26.5 في المائة بالعربي الأفريقي و34 في المائة ببنك مصر، وهبطت بالتجاري الدولي والإسكندرية، بينما قفز بيت التمويل الكويتي إلى 56 في المائة.
وتفسر هذه الأرقام تصاعد شكاوى مجتمع الأعمال من شح التمويل وارتفاع أسعار الفائدة الخانقة، في ظل تفضيل الإدارات المصرفية توجيه الموارد لشراء السندات الحكومية الآمنة بدلاً من تحمل أعباء الائتمان التجاري.
ومن زاوية الملكية، ينشط بالسوق 18 بنكاً غير مصرية و6 بنوك مشتركة و7 بنوك تملكها الحكومة و5 تتبع القطاع الخاص المحلي، وتتوزع الكيانات الوافدة بين 13 بنكاً عربياً و5 مصارف أجنبية غربية.
وتشمل الحصص العربية 5 بنوك للإمارات وحصة بمصرفين، و3 بنوك للكويت مع نصف رأسمال بنك رابع، وبنكين للبحرين، وبنكاً واحداً لكل من قطر والمغرب والأردن، حيث تهيمن على جانباً مؤثراً من التعاملات.
وبخصوص البنوك الأجنبية، تملك بريطانيا بنكين، مقابل بنك لكل من إيطاليا والولايات المتحدة وفرنسا، وهي مؤسسات تعزف عن تمويل تأسيس الشركات وتكتفي باقتناص عوائد أدوات الدين السيادية المرتفعة والمجردة من مخاطر التعثر.
ويعتبر في هذا السياق، د. هاني توفيق، الخبير الاقتصادي ومؤسس الجمعيتين المصرية والعربية للاستثمار المباشر، أن انحسار الإقراض لحساب تمويل الديون يحول المصارف إلى كيانات ريعية تعطل النشاط الإنتاجي وتعيق الاستثمار.
تركز الأصول وتراجع الكفاءة التشغيلية
وعلى صعيد الاحتكار، يستحوذ البنك الأهلي وحده على 38 في المائة من الأصول و36 في المائة من الودائع و45 في المائة من القروض، يليه بنك مصر بحصة 17 في المائة أصولاً و19 ودائع و14 قروضاً.
وبإضافة الكيانات الثلاثة، التجاري الدولي والعربي الأفريقي وقطر الوطني، تسيطر 5 بنوك على 69.4 في المائة من الأصول و71 في المائة من الودائع والقروض، بينما تستأثر مع بنك القاهرة بـ 53 في المائة من العمالة.
وفي شبكة الفروع، تستحوذ 5 بنوك؛ الزراعي ومصر والقاهرة وقطر، على 66 في المائة من إجمالي 4787 فرعاً بمعدل وحدة لكل 23 ألف مصري، وسط تركز مدني بالمدن الجديدة وحرمان واضح للقرى وماكينات الصرف.
ورغم التباهي بالأرباح التاريخية المستندة للبيروقراطية منذ منتصف السبعينات، حقق الأهلي 175.5 مليار جنيه ومصر 101 مليار، مقابل 82 ملياراً للتجاري الدولي و29 ملياراً لقطر الوطني و20.5 مليار جنيه لإتش إس بي سي.
وحول نمو الأرباح، سجل 20 بنكاً نمواً مقارنة بنتائج عام 2024 بينما هبطت أرباح 10 بنوك من أصل 30 بنكاً أعلنت قوائمها، في حين تحجب 6 بنوك بياناتها المالية تماماً عن الرأي العام والمتابعين.
وفي مؤشر العائد على الأصول، تصدر سيتي بنك بنسبة 10.2 في المائة محققاً 10 جنيهات و20 قرشاً لكل 100 جنيه، تلاه التعمير 7.49 وإتش إس بي سي 5.8 والتجاري الدولي 5.7 والإسكندرية 5.69 في المائة.
وبالمقابل تراجعت الكفاءة بالبنوك الحكومية الكبرى، حيث هوى البنك الأهلي إلى المركز 25 محققاً 1.9 في المائة فقط كعائد على أصوله، وجاء بنك مصر بالمركز 20، بينما حل بنك القاهرة بالمركز 13.
وفي العائد على حقوق الملكية، اكتسح سيتي بنك الصدارة بنسبة 56.5 في المائة بمعدل 56.5 جنيهاً لكل 100 جنيه، تلاه التعمير 45.8 والإسكندرية 38.4 وأبو ظبي الإسلامي 36.3 وإتش إس بي سي 35.6 في المائة.
وتقهقرت البنوك العامة مجدداً، حيث قبع البنك الأهلي بالمركز 16 مسجلاً 25.5 في المائة، واستقر بنك مصر بالمركز 18 بنسبة 24.6 في المائة، بينما جاء بنك القاهرة بالمركز 13، مؤكداً تواضع إنتاجية رؤوس أموالها.
وعلى الساحة الدولية، لا تتعدى أصول المصارف المصرية البالغة 24.12 تريليون جنيه نهاية العام الماضي نحو 506 مليارات دولار، لتتخلف عن أصول مجموعة كي بي المالية الكورية الجنوبية البالغة 513 مليار دولار صاحبة الترتيب 70 عالمياً.
وتتعمق الفجوة العالمية عند مقارنتها بـ البنك الصناعي والتجاري الصيني المتصدر عالمياً بالمركز 1 بأصول تبلغ 6.689 تريليون دولار، وهو ما يعادل 13 ضعف إجمالي أصول الـ 36 بنكاً العاملة في مصر مجتمعة.
ويؤكد من جهته، د. مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة وخبير أسواق المال، أن تضخم الأرباح الدفترية للبنوك الحكومية يحجب تدنياً كبيراً في العائد على الأصول، ويؤكد تعثرها عن اللحاق بالمؤشرات المصرفية الدولية.

