تتراوح تقديرات حجم العمالة غير المنتظمة في مصر بين 15 و18 مليون عامل، وفق تقديرات حكومية سابقة، وسط مطالب بحماية هذه الفئة من تقلبات الدخل ومخاطر العمل وغياب الاستقرار الوظيفي وضعف مظلة الأمان الاجتماعي لأسرهم.
وطالبت النائبة بثينة أبو زيد، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بالانتقال من الاعتماد على المنح الموسمية إلى حماية مستدامة، معتبرة أن ملايين العمال يشاركون في الاقتصاد دون ضمانات كافية لأمنهم المعيشي أو حقوق أسرهم.
ملايين العمال خارج مظلة الأمان
وفي قلب هذه الأزمة يقف عمال اليومية والموسميون والمؤقتون والحرفيون بلا عقود رسمية أو جهات عمل ثابتة، ما يجعل استمرار الدخل مرتبطًا بتوافر فرصة جديدة كل يوم أو موسم.
كما تتوزع هذه العمالة على البناء والتشييد والزراعة والخدمات والنقل والمهن الحرفية، وهي قطاعات تعتمد على مهارات وجهد بدني، بينما يتعرض العامل لخسارة مصدر رزقه عند توقف المشروعات أو تعطل النشاط.
وبحسب تقديرات نقابية وإحصائية أخرى، قد يصل عدد العاملين في القطاع غير الرسمي إلى نحو 18.7 مليون شخص، أي قرابة 60% من إجمالي القوى العاملة، مع ضرورة التمييز بين هذا المفهوم والعمالة غير المنتظمة.
غير أن اختلاف التقديرات لا يلغي حقيقة وجود شريحة واسعة من العاملين خارج أنماط التوظيف المستقر، بما يصعب معه تأمين دخل منتظم أو الحصول على حماية اجتماعية واضحة عند الطوارئ.
وفي المقابل، تعتمد أسر كثيرة على الأجر اليومي لتغطية الغذاء والسكن والاحتياجات الأساسية، ولذلك قد يتحول المرض أو توقف العمل إلى أزمة معيشية فورية، خصوصًا حين لا يتوافر بديل مالي يمكن الاعتماد عليه.
كذلك تضع طبيعة العمل المؤقت العمال أمام صعوبات في إثبات حقوقهم ومتابعة إصابات العمل، إذ يصبح غياب العلاقة التعاقدية الواضحة عقبة أمام المطالبة بالمستحقات أو تحديد المسؤولية عن ظروف العمل ومخاطره.
ومن هنا شددت أبو زيد على أن حماية العمالة غير المنتظمة ليست ترفًا، بل مسؤولية اجتماعية تستلزم نظامًا يتعامل مع العامل باعتباره صاحب حق، لا مجرد مستفيد ينتظر منحة عند المناسبات.
ورغم مساهمتها في الأنشطة الاقتصادية، فإن استمرار اعتماد الدعم على مناسبات محددة يترك سؤال الاستقرار بلا إجابة كافية، لأن احتياجات الأسر ومخاطر العمل لا تتوقف بانتهاء موسم صرف المساعدات.
قانون العمل بين النص والتنفيذ
وفي الجانب التشريعي، أشارت أبو زيد إلى أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 أفرد أحكامًا للعمالة غير المنتظمة، مطالبة بتفعيلها عبر إجراءات تنفيذية واضحة بدل الاكتفاء بالإشارة إلى النصوص.
لكن وجود نصوص قانونية لا يضمن وحده وصول الحماية إلى العامل المتنقل بين مهن متعددة، ما لم تصاحبه آليات تسجيل ومتابعة وشكاوى تتيح له إثبات وضعه والاستفادة من الحقوق المقررة.
وبحسب طرح النائبة، يتطلب التطبيق الفعلي رقابة مستمرة على تنفيذ الأحكام ذات الصلة، إلى جانب تحديد سبل وصول المزايا إلى مستحقيها، لتقليص الفجوة بين الالتزامات القانونية وما يلمسه العامل في حياته.
ولذلك تبرز الحاجة إلى إجراءات بسيطة ومعلنة يستطيع العامل الوصول إليها دون تعقيدات إدارية مرهقة، فالفئات التي يتغير مكان عملها باستمرار تواجه صعوبة في متابعة الملفات أو استكمال المستندات.
كما يمثل توسيع الحماية التأمينية والاجتماعية محورًا أساسيًا في المقترحات المطروحة، إذ لا تنحصر تقلبات الدخل في فقدان يوم عمل، وقد تمتد آثارها إلى التعليم والعلاج وقدرة الأسرة على مواجهة الأزمات.
وفيما يتعلق بالسلامة المهنية، أكدت أبو زيد ضرورة توفير بيئات عمل آمنة وصحية والحد من الإصابات، لأن العامل الذي يفقد قدرته على الكسب يحتاج إلى ضمانات ملموسة تتجاوز الوعود العامة.
ومن جهة أخرى، دعت النائبة إلى تطوير وسائل تسجيل العمال ومتابعة أوضاعهم، بحيث تساعد البيانات على وصول الخدمات وتحديد الاحتياجات بدل بقائها قوائم بلا أثر على مستوى الحماية.
وبهذا يصبح معيار نجاح القانون مرتبطًا بقدرة العامل على نيل حقوقه المقررة عمليًا، وبفاعلية الرقابة على التنفيذ، وليس بعدد المواد القانونية أو تكرار التعهدات بتحسين أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.
خطة مستدامة تتجاوز المنح الموسمية
وطرحت أبو زيد خطة للحماية المستدامة تبدأ بحصر العمالة غير المنتظمة وتسجيلها وتحديث بياناتها باستمرار، لأن غياب البيانات قد يعرقل التغطية ويجعل بعض المستحقين خارج نطاق الخدمات والمساعدات.
ويبدأ التحول المطلوب بتوسيع المظلة الاجتماعية والتأمينية وفق القواعد المنظمة، بحيث لا تنحصر الاستفادة في دعم نقدي متقطع، وإنما تشمل أدوات تساعد الأسر على التعامل مع المرض والإصابة وفترات توقف العمل.
ثم تأتي إجراءات السلامة والصحة المهنية بوصفها جزءًا من الحماية، فإن خفض مخاطر الإصابات داخل مواقع العمل يقلل الخسائر الإنسانية والمعيشية التي قد تتحملها أسرة كاملة عند إصابة عائلها.
وإلى جانب ذلك، طالبت النائبة بتطوير منظومة الرعاية والمساعدات المخصصة للعمالة غير المنتظمة، وضمان وصول الدعم لمستحقيه، ومتابعة أثر هذه الإجراءات على أوضاع العمال فعليًا بدل الاكتفاء بإعلان أعداد المستفيدين أو مواعيد الصرف.
وفي ما يتعلق بصندوق إعانات الطوارئ للعمال، دعت أبو زيد إلى تفعيل دوره وفق اختصاصاته والقواعد المنظمة لعمله، لمواجهة الأزمات التي قد تعصف بدخل العامل أو باستمرار نشاطه المهني.
كذلك شددت على أهمية التنسيق بين الحكومة ومجلس النواب والجهات المعنية، حتى لا تعمل الإجراءات التشريعية والتنفيذية والرقابية منفصلة، بينما يظل العامل مطالبًا بالتعامل مع مشكلات متشابكة تتعلق بدخله وصحته وحقوقه.
ومن ثم، فإن تقييم أي خطة لا ينبغي أن يتوقف عند إطلاق البرامج، بل يمتد إلى عدد العمال المسجلين، ومدى انتفاعهم الحقيقي بالتغطية، وسهولة إجراءاتها وقدرتها على تقليل آثار الأزمات.
واختتمت أبو زيد بالتأكيد على أن العمالة غير المنتظمة ليست مجرد أرقام إحصائية، بل ملايين الأسر المحتاجة للأمان، معتبرة أن العمل الكريم حق والحماية الاجتماعية ضرورة وكرامة العامل المصري مسؤولية لا تقبل التأجيل.

