أثارت جائزة نوبل للسلام لعام 2026، التي مُنحت للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، غضب دونالد ترامب وإسرائيل، بعدما كرمت مسيرة ارتبطت بملاحقة الجرائم الدولية والدفاع عن الضحايا، وفي مقدمتهم الفلسطينيون في قطاع غزة.

 

وجدد ترامب هجومه على لجنة نوبل، مطالبًا بالاعتراف باستحقاقه للجائزة، بينما هاجمت إسرائيل بيلاي بسبب تحقيقاتها بشأن غزة، في مشهد يبرز التناقض بين ادعاء صناعة السلام ومحاربة المؤسسات التي تسعى لمحاسبة مرتكبي الجرائم.

 

 

تكريم الضحايا يربك حسابات إسرائيل

 

فقد أعلنت لجنة نوبل النرويجية، في 9 أكتوبر، منح بيلاي الجائزة تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، مشددة على إسهاماتها في ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، خلال مسيرة قضائية وحقوقية طويلة.

 

وفي خلفية هذا التكريم، تقف تجربة بدأت بمواجهة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ثم امتدت إلى محاكمة جرائم رواندا، وهو سجل يفسر اختيارها بعيدًا عن اختزال الجائزة في خلاف سياسي راهن.

 

وفي المقابل، أهدت بيلاي التكريم إلى الناجين من الجرائم الدولية، مؤكدة ضرورة الدفاع عن حقوقهم، ومعتبرة أن حماية العدالة تقتضي مواجهة الضغوط السياسية التي تستهدف المؤسسات القضائية وتعرقل وصول الضحايا إلى الإنصاف.

 

كما يرتبط الغضب الإسرائيلي بدورها في قيادة لجنة التحقيق الأممية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، وهي نتائج رفضتها تل أبيب وهاجمت القائمين عليها.

 

وعلى إثر إعلان الجائزة، اتهم بنيامين نتنياهو لجنة نوبل بفقدان بوصلتها الأخلاقية، وهاجم بيلاي باتهامات تتعلق بالتحيز وترويج الافتراءات، محاولًا نزع الشرعية عن تكريمها عبر الطعن في شخصها ومسيرتها المهنية.

 

كذلك وصف السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة في جنيف دانيال ميرون القرار بأنه مخز، بينما انضمت رابطة مكافحة التشهير إلى الهجوم، مستندة إلى اتهامات بمعاداة السامية وتشويه صورة إسرائيل.

 

غير أن هذه الاتهامات لا تدحض بذاتها الأدلة التي تناولتها لجنة التحقيق، ولا تقدم جوابًا على مسؤولية السلطات الإسرائيلية عن الانتهاكات المنسوبة إليها، كما أن نتائج التحقيق تختلف قانونيًا عن الأحكام القضائية.

 

ومن هنا، يبدو الهجوم على بيلاي محاولة لصرف الأنظار عن مضمون المساءلة، إذ يمنح تكريمها حضورًا أوسع لضحايا غزة، ويضع السردية الإسرائيلية أمام مسيرة قانونية يصعب اختزالها في اتهامات سياسية جاهزة.

 

 

ترامب يحول نوبل إلى استحقاق شخصي

 

أما ترامب، فتعامل مع قرار اللجنة بوصفه إهانة شخصية، وقال عبر منصة تروث سوشيال إنه الأجدر بالجائزة، متسائلًا عن إنجازات بيلاي، ومعلنًا أنه لا يعرف عنها شيئًا رغم سجلها الدولي الممتد.

 

بل ذهب إلى المطالبة بثماني جوائز نوبل، مستندًا إلى ما وصفه بإنهاء ثمانية نزاعات أو احتوائها، ومن بينها ملفات الهند وباكستان وإسرائيل وإيران، والحرب بين إسرائيل وحركة حماس.

 

وفي استعراض موازٍ، نسب ترامب إلى نفسه إطلاق سراح أكثر من 900 سجين سياسي وإعادة 196 رهينة دون فدية، إلى جانب منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهي مزاعم طرحها لتبرير أحقيته بالتكريم.

 

لكن تحويل ملفات النزاعات إلى قائمة إنجازات شخصية يتجاهل أن قيمة السلام تقاس باستمراره وحماية المدنيين، وأن الادعاء بنجاح الوساطات لا يمنح صاحبه حق فرض اسمه على لجنة مستقلة.

 

فضلًا عن ذلك، أعاد ترامب نشر هجوم كتبه المحامي ديفيد شون، اتهم فيه بيلاي بالعداء للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو تضخيم سياسي لاتهامات تستهدف سمعتها، دون تقديم تفنيد قانوني لعملها.

 

وفي هذا السياق، تصبح عبارة أنه لا يعرف بيلاي تعبيرًا عن قصور معرفته بمسيرتها، لا حجة ضد أهليتها؛ فقد عملت في القضاء الدولي وشغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

 

وبدلًا من احترام استقلال الاختيار، وصف ترامب القرار بأنه وصمة عار على النرويج، وكأن وظيفة الجائزة التصديق على روايته الذاتية، بما يحول الحديث عن السلام إلى مطالبة علنية بالمكافأة الشخصية.

 

 

عقوبات أمريكية تستهدف استقلال العدالة

 

بالتوازي مع السجال، أعلنت واشنطن في 9 أكتوبر فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الإجراءات تستهدف منع ملاحقة أمريكيين، وتقييد موارد المحكمة وقدرتها على العمل.

 

ولم يكتف روبيو بتبرير العقوبات، بل هدد بإنهاء المحكمة إذا لم تتوقف عما وصفه بتهديداتها، مستخدمًا لغة تنقل الخلاف من الاعتراض على الاختصاص إلى الضغط المباشر على بقاء المؤسسة.

 

وفي امتداد لهذا النهج، جاءت العقوبات ضمن حملة أمريكية سابقة ضد المحكمة، ترتبط برفض ملاحقة أمريكيين ومسؤولين إسرائيليين، بينهم نتنياهو، لتؤكد أن المواجهة تستهدف أدوات المحاسبة الدولية وقدرتها على الاستمرار.

 

لكن التزامن يبرز تناقضًا صارخًا: فبينما يطالب ترامب بتكريم دولي باسم السلام، تستخدم إدارته العقوبات لإضعاف مؤسسة مكلفة بملاحقة الجرائم الدولية، فتتحول القوة الاقتصادية إلى أداة ضغط على القضاء.

 

من جانبها، حذرت بيلاي من خطورة استهداف المحكمة وقضاتها، معتبرة العقوبات غير مقبولة، ودعت إلى حماية استقلال العدالة، بما يحفظ للضحايا إمكانية ملاحقة المسؤولين عن الجرائم بعيدًا عن الحسابات السياسية.

 

وفي المقابل، رحب أنطونيو [وتيريش بتكريمها بوصفه تقديرًا للمدافعين عن القانون الدولي والكرامة الإنسانية، وأشاد فولكر تورك باستحقاقها الجائزة، رابطًا حقوق الإنسان بسيادة القانون والعدالة والمساءلة، في مواجهة محاولات تقويضها.

 

وعليه، فإن الدفاع عن استقلال المؤسسات القضائية يحتاج إلى مواقف عملية تحمي قدرتها على التحقيق والعمل، لأن الاكتفاء بالتهنئة لا يواجه أثر العقوبات، ولا يضمن للضحايا طريقًا قابلًا للاستمرار نحو المحاسبة.

 

وأمام هذا المشهد، يظل السؤال موجهًا إلى ترامب وإسرائيل: كيف يستقيم ادعاء الدفاع عن السلام مع مهاجمة من يطالبون بمحاسبة مرتكبي الجرائم بصرف النظر عن جنسياتهم وتحالفاتهم السياسية، ومحاولة إخضاع العدالة لإرادة الأطراف التي تطالها التحقيقات؟