محمود الريماوي

قاص وروائي وكاتب سياسي من الأردن

 

ثلاث سنوات من الألم ومن الانكشاف إزاء عدو متفوق وشديد العنصرية. لا يعثر المرء على كلمات تبعث على شجنٍ أقل حيال ما يجري من حرب إبادة، لا تتوقف ولا يريد لها مجتمع اليمين الفاشي أن تتوقف، وهو ما عبّر عنه بانتشاء مستوطن إسرائيلي في الأسابيع الأولى للحرب بالقول: "ها نحن نقتل المئات ثم الآلاف من الفلسطينيين من دون أن يحدث شيء، ومن دون أن ندفع ثمنا سياسيا يُذكر".

 

أصدرت بعدئذ محكمة العدل الدولية إدانةً لهذه الحرب، ودعت إلى وقفها، فيما ذهبت المحكمة الجنائية الدولية إلى أبعد حين أمرت باعتقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يوآف غالانت. وأعلنت كل من بوليفيا ونيكاراغوا وبليز قطع علاقاتها مع تل أبيب، وفعلت كذلك كولومبيا قبل أن تعيد هذه العلاقات بعد انتخابات رئاسية. واتخذت دول أخرى، منها جنوب أفريقيا وتشيلي والأردن وهندوراس والبحرين، قرارًا بسحب السفراء، وقطعت تركيا علاقاتها التجارية مع تل أبيب.

 

غير أن اليمين المتطرّف الحاكم في تل أبيب، إذ أبدى امتعاضه من هذه الإجراءات العقابية، رأى أن حلمه باختفاء الفلسطينيين يتقدّم في الأهمية على مستوى العلاقات مع دول متفرّقة، وواصل حربه على قطاع غزّة، وانتقل إلى الحرب على أبناء الضفة الغربية من دون أن يقع فيها "7 أكتوبر" أو ما يشاكله. وقد أدّى الانشغال العالمي باستمرار الحرب على أوكرانيا، والحربين المتواصلتين على إيران، وانفجار الحرب في السودان، والتنافس الأميركي الصيني على التسليح والتجارة وتطوير الذكاء الاصطناعي، إلى تشتيت الانتباه عما تقترفه حكومة نتنياهو من جرائم يومية تجمع بين التوحش واستعراض القوة العمياء.

 

يتعلق الانكشاف المشار إليه بالمجتمع الدولي الذي لم ير بعد في حرب الابادة تهديدًا يمُس الأمن والسلم الدوليين، فتم الحفاظ على العلاقات مع الطرف القائم بالإبادة، وانكشاف ضعف النظام السياسي العربي الذي يشهد، بهذا القدر أو ذاك، تضامنًا بين دُوله، لكن هذا التضامن بالكاد يشمل الشعوب الشقيقة.

 

وبينما دعمت الإدارة الأميركية السابقة حرب الإبادة مع دعوات معسولة إلى تقليل حجم الخسائر في صفوف المدنيين، فإن إدارة دونالد ترامب الحالية سعت إلى إحراز تسوية تضمن مكافأة حكومة نتنياهو على ما اقترفته، وأبرمت وقفًا لإطلاق النار غضّت خلاله النظر عن الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق، ثم أتبعت هذه الإدارة جهودها بخطّة العشرين نقطة، وإنشاء "مجلس السلام" بمشاركة 27 دولة. ولم تتوقف حكومة نتنياهو عن اندفاعها إلى التطهير العرقي، وحجب المساعدات والماء والدواء، من غير إيلاء أدنى اعتبار لإنشاء مجلس السلام، على الرغم من تعيين نتنياهو نفسه مجرم الحرب بين القادة الرئيسيين لهذا المجلس. وانتهى الأمر إلى أن ترامب نفسه، ومعه أركان إدارته، يتناسون وجود هذا المجلس، ويشيحون بأبصارهم عن ازدراء نتنياهو وحكومته ما تم الإعلان عنه في بهرجة إعلامية كبيرة. وبينما سلك الرئيس السابق جو بايدن حيال الحرب سلوكًا ينمّ عن صهيونيته المعلنة، لم يُظهر ترامب انحيازًا آليًا إلى دولة الاحتلال فحسب، بل أظهر كذلك قدرًا ملحوظًا من العنصرية في رؤيته إلى هذه التطورات الرهيبة، اذ لم يُلق بالًا لسقوط نحو 1400 ضحية بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بموجب خطته، ذلك أن حياة الفلسطينيين (في نظر الرئيس الرائع) غير مهمة، حتى أنه استخدم أكثر من مرة كلمة فلسطيني بوصفها شتيمة في مخاطبته بعض معارضيه المحليين.

 

نجح، إذن، سيد البيت الأبيض في جعل مجلسه للسلام محفلًا للخداع الاستراتيجي، ولم يتوان في ذلك عن خداع 27 دولة شاركت في هيئات المجلس، حين سمح بمواصلة سفك الدماء وتدمير موارد الحياة ومظاهرها، وحين نجح مع مساعديه قبل أسابيع في حمل الفصائل في غزة على التخلي عن السلاح، فقد اعتبر هذا إنجازًا تاريخيًا، غير أن صديقه وحليفه في تل أبيب لم يتردد في الاستخفاف بهذا الإنجاز، وواصل سفك الدماء بغير انقطاع، من دون أن يكدّر هذا الرئيس القوي ترامب الذي اتخذ موقفًا حيال نتنياهو قوامه: أصدقائي الإسرائيليون أحرار في ما يفعلونه وما يرتأونه. وهكذا تتجلى مسؤولية الدولة العظمى بإحلال الأمن والسلام واحترام الكرامة البشرية في عالمنا.

 

ننظر بالطبع هنا إلى النصف الفارغ من الكأس.. من دون التوقف عند مظاهر التضامن التي عبّرت عنها موجات متلاحقة في شوارع أميركا وأوروبا، وقد تميزت من بينها مسيرات الأميركيين اليهود، وتعبيرات مختلفة من الإدانة للحرب والتضامن مع الضحايا عبّر عنها برلمانيون وسياسيون وفنانون وإعلاميون ورياضيون عبر وسائل الاتصال المتعدّدة، وكذلك موجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وما أبداه مسؤولو الأمم المتحدة من مواقف نزيهة وشجاعة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

 

غير أن النصف الفارغ من الكأس ليس فارغًا إلا بصورة مجازية، فهو في واقع الحال مليء بدماء الأطفال والأمهات ودموعهم ودموعهن مما يعز على الوصف، فالجريمة الكبرى لا تتوقف فصولها حتى يمكن النظر إليها من خارجها ووصفها. وفي هذا الأوان، من يملك الجَلَد على متابعة أخبار المستوى السياسي الفلسطيني، سواء ما تعلق بالسلطة أو الفصائل، لن يجد كبير عناء في ملاحظة أن وقف الكارثة في القطاع وفي الضفة الغربية لا يتمتع بالأولوية المطلقة في الانشغالات والنشاطات، فالجميع منشغلون إما بما يسمّى الحوار الوطني لترتيب البيت، وهو حوار أبدي، أو الاستعداد لانتخاباتٍ لن تجري في الأمد المنظور بسبب الرفض الإسرائيلي لأن تنشأ حياة شبه طبيعية، ولأن الصريحين في تل أبيب يعتبرون بقاء الرازحين تحت الاحتلال على قيد الحياة بحد ذاته مشكلة يجب وضع حد لها. وبينما يواجه أبناء القطاع والضفة تهديدات سافرة تمُس وجودهم وحياتهم، وتقترن هذه التهديدات بجرائم ترتكبها سلطات الاحتلال من جنود ومستوطنين، لا يمثل هذا التحدي الوجودي محورًا لاهتمام الجسم السياسي الفلسطيني، رغم أنه بات واضحًا وضوح شمس أغسطس أن جهود تصفية قضية فلسطين قد انتقلت إلى "جهود" تصفية الشعب تصفية مادية.

 

ليس مطلوبًا إزاء هذا أن تتوقف النشاطات الحياتية العديدة، او أن يتوقف الاهتمام بحماية الهياكل الإدارية والسلطوية والفصائلية، غير أن هذا يمثل جزءًا من معركة البقاء، فيما يتعين أن تدور المعركة الأوسع والأساسية حول الحق الجماعي بالحياة والحفاظ على مواردها وأسبابها، إذ لا معنى لترتيب البيت ولا للتهيؤ لإجراء انتخابات، ما لم يحدث هذا في سياق تعبئة سياسية ضد خطر الإبادة وتجفيف موارد الحياة.