من المعروف أن القوات المسلحة المصرية لم تدخل منذ حرب أكتوبر 1973 حربًا تقليدية شاملة مماثلة لتلك الحرب التي حققت فيها أول الانتصارات العسكرية على إسرائيل، على الرغم مشاركتها في عمليات عسكرية ومهام قتالية وأمنية مختلفة، مما يدفع إلى التساؤل: كيف يمكن قياس جاهزية جيش لم يخضع لاختبار حرب تقليدية واسعة منذ أكثر من خمسة عقود؟

 

يمثل السؤال السابق المحور الأساسي الذي تبنى عليه مراكز الفكر والدراسات الدفاعية (مثل مركز جانيس- أقدم وأعرق مركز استخبارات معلوماتي بريطاني مستقل متخصص في الشؤون الدفاعية والعسكرية والأمنية في العالم، والمنتدى الاستراتيجي) تقييماتها للجيوش المستقرة لفترات طويلة دون حروب كبرى، كالجيش المصري.

 

في غياب اختبار "الحرب الشاملة" منذ عام 1973، تعتمد عقائد التقييم العسكري الدولي على أربعة معايير علمية بديلة لقياس الجاهزية القتالية ومدى قدرة الجيش على التحول الفوري من حالة السلم إلى الحرب:

 

 

معيار "تنوع المهام" واكتساب خبرات القتال غير النمطي


على الرغم من عدم خوض حرب تقليدية (جيش ضد جيش)، إلا أن القوات المسلحة المصرية انخرطت في عمليات قتالية حقيقية ومعقدة منحتها خبرات ميدانية متجددة:


 حرب تحرير الكويت (1991): مثلت اختبارًا حقيقيًا للمهارة التنظيمية، والقدرة على النقل الاستراتيجي للقوات والمدرعات خارج الحدود، والعمل تحت قيادة تحالف دولي مشترك.


 الحرب على الإرهاب في سيناء: خاض الجيش على مدار سنوات حربًا شرسة ضد تنظيمات مسلحة غير نظامية في بيئة جغرافية صعبة. هذا النوع من القتال—على الرغم من أنه ليس حربًا تقليدية—أكسب الوحدات المقاتلة مرونة عالية في حرب المدن، واستخدام الطائرات المسيرة، والاستخبارات الميدانية، والتعامل مع الكمائن.

 

 

معيار "عولمة التدريب" والمناورات المشتركة


يُقاس مستوى الجاهزية بمدى احتكاك الجيش بالمدارس العسكرية العالمية. وتعد مصر من أكثر دول العالم تنفيذًا للمناورات المشتركة:


مناورات النجم الساطع: بالتعاون مع الولايات المتحدة ودول الناتو، وهي أداة لقياس مدى قدرة الجيش على محاكاة حروب النظام العالمي الحديث واختبار منظومات القيادة والسيطرة والاتصال الإلكتروني.


المناورات الإقليمية: التدريبات المستمرة مع جيوش محترفة تمتلك عقائد قتالية مختلفة (مثل روسيا، فرنسا، والسعودية)، وهي تضمن تحديث التكتيكات العسكرية ومواكبة تكنولوجيا الحروب الحديثة.

 

 

معيار "حداثة التسليح" وتعدد مصادر القوة


الجيش الذي لا يحارب ولكنه يمتلك قدرة ردع حديثة يُصنف كجيش جاهز. خلال العقد الأخير، انتقلت العقيدة التسليحية المصرية إلى "تنويع المصادر" لضمان عدم الارتهان لقرار سياسي خارجي (مثل مقاتلات الرافال الفرنسية، حاملات المروحيات الميسترال، الغواصات الألمانية، والمنظومات الروسية)، بالإضافة إلى توطين الصناعات الدفاعية محليًا. التحدي هنا يقاس بـ "القدرة على دمج هذه التكنولوجيات المختلفة في شبكة قيادة وسيطرة موحدة ومقاومة للتشويش".

 

 

معيار "الاختبار الجيوسياسي الفعلي" (الردع دون قتال)


أحيانًا، تُقاس جاهزية الجيش بقدرته على تحقيق أهدافه الاستراتيجية ومنع الحرب دون إطلاق رصاصة واحدة؛ وهو ما يُعرف في العلوم العسكرية بـ "قوة الردع الكاشف":


مثال خط (سرت - الجفرة) في ليبيا: عندما أعلنت مصر هذا الخط كـ "خط أحمر" مستندة إلى حشد عسكري بري وجوي هائل على حدودها الغربية، توقفت العمليات العسكرية للخصوم فورًا، مما أثبت علميًا أن الجاهزية والقدرة على المناورة بالحشود كانت كافية لتحقيق النصر السياسي والعسكري دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

 

 

التحدي القائم (المخاطرة الكامنة)


على الرغم من هذه المعايير، يظل هناك دائمًا هامش من "المجهول" لا يمكن كشفه إلا عند اندلاع النزاع الشامل؛ مثل: مدى تحمل الجبهة الداخلية لتبعات الحرب الاقتصادية، مرونة القيادات الشابة في اتخاذ القرارات عند انقطاع الاتصالات المركزية، وقدرة اللوجستيات على إمداد الجبهات المتباعدة في ذات الوقت إذا اشتعلت الحدود على أكثر من جبهة (مثل الحدود الجنوبية مع السودان، والشرقية مع غزة وإسرائيل، والغربية مع ليبيا).