يفتح اعتقال غرفة تحرير كاملة تضم 6 صحفيين من منصة «متصدقش» مواجهة تتجاوز حدود المؤسسة المستهدفة، بعدما تحولت الواقعة إلى إنذار للوسط الصحفي بأن ممارسة المهنة نفسها قد تصبح طريقا إلى الاحتجاز.
وتضع المداهمة سلطة السيسي أمام تناقض فاضح بين الدعوة الرسمية إلى الحوار الإعلامي وقبول الرأي الآخر، وبين ملاحقة صحفيين يعملون في تدقيق المعلومات، وسط تحركات نقابية ومواقف حقوقية رافضة لاستهدافهم وإخفاء مكان احتجازهم.
من إغلاق المنابر إلى اقتحام النقابة
تستعيد الواقعة تاريخا من المداهمات التي طالت مؤسسات إعلامية مصرية، منذ الثالث من يوليو 2013، حين اقتحمت أجهزة الأمن قنوات داعمة لمحمد مرسي، واعتقلت عاملين وضيوفا كانوا موجودين داخل مقارها.
كما امتدت تلك الممارسات إلى قناة الجزيرة بالقاهرة وقطع بثها، ومكتب وكالة الأناضول، ومقر جريدة «الحرية والعدالة» الذي أُغلق، في وقائع يستحضرها المقال بوصفها مقدمات لتوسيع القبضة الأمنية على المجال الصحفي.
وفي شهادة يوردها الكاتب الصحفي قطب العربي، نفى ضياء رشوان وقتها إغلاق مقر «الحرية والعدالة»، واعتبر الحديث عنه دعاية إخوانية، قبل أن يتوجه لمعاينة المكان برفقة خالد البلشي وعدد من الصحفيين.
لكن الزيارة، وفق الشهادة نفسها، انتهت أمام مقر مغلق بالشمع الأحمر، دون أن يستجب رشوان لدعوة فتحه أمام العاملين، لتبرز الواقعة خطورة التسليم بالرواية الأمنية قبل اختبارها على الأرض.
وبينما ساهم الاستقطاب السياسي في تقسيم الصحفيين بشأن المداهمات الأولى، انتقلت المواجهة لاحقا إلى مقر نقابتهم، حين اقتحمته الشرطة في مايو 2016، واعتقلت صحفيين احتميا به عقب احتجاجات رفضت تسليم تيران وصنافير للسعودية.
ومن ثم، مثّل اقتحام النقابة كسرا لحاجز ظل يحمي رمزها ومكانتها، ورسالة بأن التساهل مع الاعتداء على مؤسسة صحفية لا يضمن بقاء المؤسسات الأخرى بعيدا عن دائرة الاستهداف الأمني.
أما اعتقال صحفيي «متصدقش»، فيقدمه قطب باعتباره مرحلة أشد التصاقا بجوهر المهنة، لأن المستهدفين معروفون داخل الوسط الصحفي بعملهم، ولا يرى زملاؤهم في اتهامات الانتماء السياسي تفسيرا مقنعا لاحتجازهم.
وبذلك، تراجعت المسافة التي تصور بعض الصحفيين أنها تفصلهم عن الملاحقة، وصار الخوف متعلقا بمصير مهني مشترك، بعدما أثبت اتساع الاستهداف أن الابتعاد عن المعارضة لا يصنع حماية دائمة.
متصدقش تضع الرواية الأمنية بالمواجهة
وفي مواجهة الاعتقالات، تداعى صحفيون إلى نقابتهم، وبدأت حملة لجمع التوقيعات تطالب بالتنديد بالواقعة وعقد جمعية عمومية طارئة، بينما تحرك النقيب خالد البلشي لمتابعة مصير المحتجزين مع الجهات الرسمية.
غير أن أخطر ما يورده قطب العربي يتعلق باستمرار غياب المعلومات عن أماكن احتجاز الصحفيين وعدم إحالتهم إلى النيابة، لأكثر من 5 أيام حتى كتابة النص، بما يضاعف قلق أسرهم وزملائهم.
كذلك، لا تقتصر الأزمة على قرار القبض نفسه، إذ يصبح حجب مكان الاحتجاز وتعطيل التواصل مع النقابة جزءا من الضغط الواقع على الجماعة الصحفية، ويترك التساؤلات الأساسية معلقة دون إجابات معلنة.
وفي المقابل، يرصد الكاتب تبني أصوات داخل الوسط الصحفي للرواية الأمنية التي تربط المحتجزين وإدارة المنصة بالإخوان، معتبرا ذلك امتدادا لمحاولات نقل النقاش من حقوق الصحفيين إلى التشكيك في هوياتهم السياسية.
لكن هذا المسار يتجاهل السؤال المباشر الذي تفرضه الواقعة، وهو لماذا تُعامل غرفة تحرير متخصصة في مراجعة الأخبار باعتبارها تهديدا، ولماذا لا تقدم السلطات معلومات واضحة تتيح مساءلة إجراءاتها أمام الرأي العام.
وبالتزامن، جاءت المداهمة قبيل مؤتمر حكومي مخصص لعرض الإنجازات، وهو توقيت يربطه الكاتب باحتمال خشية السلطة من مراجعة الأرقام والتصريحات التي ستقدمها، خصوصا مع نشاط المنصة في تفنيد معلومات رسمية ومعارضة.
ومع ذلك، يبقى هذا الربط تفسيرا يطرحه الكاتب لدوافع الاستهداف، وليس واقعة مثبتة بذاتها، بينما تظل ملاحقة فريق التحرير وإغلاق المجال أمام عمله محور الاعتراض الصحفي على التعامل الأمني.
وفوق ذلك، تتصاعد المفارقة مع التحضير لمؤتمر مراجعة أوضاع الإعلام في 3 ديسمبر، الذي أعلن ضياء رشوان الدعوة إليه يوم 20 أغسطس، تنفيذا لتوجيهات السيسي بفتح حوار يشمل الرأي والرأي الآخر.
وهكذا، تفقد دعوات الحوار مصداقيتها حين تتزامن مع احتجاز صحفيين، لأن مناقشة تحديات الإعلام لا تستقيم بينما يواجه العاملون فيه الخوف على حريتهم، وتبقى نقابتهم عاجزة عن معرفة أماكن زملائهم.
احتكار الإعلام يخنق المهنة وأرزاقها
وعلى مستوى أوسع، يورد قطب العربي وصول عدد الإعلاميين المعتقلين إلى 47 بعد إضافة المجموعة الأخيرة، لكنه يرى أن أزمة الصحافة تتجاوز السجون إلى إعادة تشكيل السوق على قاعدة الهيمنة والصوت الواحد.
وفي قلب هذا التصور، يوجه الكاتب اتهامات إلى الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، معتبرا أنها تجمع مظلة واسعة من القنوات والصحف والمواقع وشركات الإنتاج، بما يمنحها نفوذا كبيرا في تشكيل تدفق الأخبار.
كما يصف توسعها بأنه جمع بين السيطرة على مؤسسات مملوكة لرجال أعمال وإنشاء مشروعات جديدة، ويثير أسئلة بشأن التمويل والرقابة، وهي اتهامات يطرحها النص ضمن مساءلته لبنية الملكية الإعلامية.
ويربط العربي هذه الهيمنة بتفضيل السيسي لنموذج الإعلام الموحد، مستحضرا تجربة عبد الناصر، ومعتبرا أن المنصات المستقلة الصغيرة تربك هذا النموذج عندما تختبر الرواية الرسمية وتراجع ما يجري تسويقه للجمهور.
وبالموازاة، يستشهد المقال بترتيب مصر عند المركز 169 عالميا في مؤشر حرية الصحافة، دون تحديد سنة التصنيف، ليضع الرقم ضمن صورة أوسع لتراجع التعددية واتساع القيود المفروضة على العمل الصحفي.
ثم تمتد المحنة إلى الأرزاق، إذ يعرض النص معاناة صحفيين لم تعد أجورهم تكفي احتياجاتهم، رغم العمل في أكثر من وظيفة، واضطرار آخرين إلى مغادرة المهنة أو البحث عن مصادر دخل إضافية.
ويفسر قطب العربي هذا التدهور بتراجع الحرية والمهنية وانصراف الجمهور والمعلنين، بما يحول السيطرة السياسية إلى عبء اقتصادي أيضا، ويدفع المؤسسات والعاملين فيها ثمن فقدان الثقة وضعف قدرتها على المنافسة.
وأخيرا، يربط العربي الخروج من الأزمة باستعادة الحريات والتعددية في ظل حكم مدني ديمقراطي، واضعا الدفاع عن صحفيي «متصدقش» ضمن معركة أوسع لحماية حق المجتمع في المعرفة وحق الصحفيين في العمل والأمان.

