فتحت إثيوبيا جبهة جديدة في نزاعها المائي مع مصر، بعدما أعلنت تشكيل لجنة وطنية لحصر ما تصفه بخسائر اقتصادية وفرص تنمية ضائعة مرتبطة بأكثر من اثنين وعشرين مشروعًا مائيًا، بينها سد النهضة.
ويضع التحرك الجديد الخلاف أمام مستوى يتجاوز تشغيل السد وتقاسم الأضرار إلى مطالبة مالية وقانونية محتملة، بينما تتمسك القاهرة بأن جوهر الأزمة هو الإجراءات الأحادية وغياب اتفاق ملزم لإدارة نهر دولي مشترك.
تعويضات إثيوبية تفتح جبهة جديدة
وفي أحدث التصريحات، قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا إن اللجنة بدأت جمع الأدلة وحصر المشروعات التي تقول أديس أبابا إن مصر عرقلتها، ودراسة أساس قانوني يمكن استخدامه في المطالبة بالتعويض.
وبحسب الوزير، تجاوز عدد المشروعات التي أدرجتها اللجنة اثنين وعشرين مشروعًا، وفي مقدمتها سد النهضة، مع توسيع المراجعة لتشمل ما تعتبره إثيوبيا فوائد بيئية ومائية قدمتها لدول المصب.
وفي المقابل، تتمسك القاهرة بأن تعاون دول الحوض يجب أن يقوم على الاستخدام المنصف والمعقول وعدم إحداث ضرر ذي شأن، وترفض الإجراءات المنفردة التي تغير قواعد إدارة النهر دون اتفاق جامع.
ومن جانبه، اعتبر محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، في تصريحات حديثة أن طرح التعويضات يمثل محاولة إثيوبية لفرض أمر واقع جديد، وربطه برفض قواعد تشغيل ملزمة وتبادل منتظم للمعلومات.
ولذلك، لا تبدو اللجنة الإثيوبية مجرد لجنة فنية لحساب الخسائر، بل أداة سياسية وقانونية تنقل الصراع من سؤال تشغيل السد إلى سؤال أوسع حول من يتحمل كلفة عقود من الخلاف.
كما أن إدراج سد النهضة نفسه ضمن قائمة المشروعات المعطلة يثير تناقضًا واضحًا، لأن السد اكتمل وتشغله إثيوبيا فعليًا، ما يجعل توصيفه كمشروع عُرقل بحاجة إلى تفسير قانوني واقتصادي دقيق.
ومن ثم، ستظل قيمة المطالبة مرتبطة بقدرة أديس أبابا على إثبات علاقة سببية مباشرة بين موقف مصري محدد وخسارة اقتصادية قابلة للحساب، لا بمجرد تسجيل اعتراضات سياسية أو دبلوماسية سابقة.
وعند هذه النقطة، يصبح الملف أكثر حساسية لأن أي مطالبة مالية أمام محفل دولي ستحتاج إلى أساس اختصاص واضح، وأدلة على الضرر، وتحديد للالتزامات التي تزعم إثيوبيا أن مصر خالفتها.
سنوات التفاوض تعود إلى المواجهة
وفي قلب الأزمة، يأتي التصعيد بعد سنوات طويلة من مفاوضات لم تنتج اتفاقًا ملزمًا بشأن الملء والتشغيل، بينما استمرت إثيوبيا في إدارة السد منفردة ورفضت القاهرة اعتبار هذا المسار تسوية نهائية.
وبالعودة إلى مسار التفاوض، قال عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إن النتائج النهائية لم تحقق ما كان مأمولًا، وإن المسؤولية عن إدارة الملف كانت جماعية وليست مرتبطة بشخص واحد.
كما يلفت هذا التقييم إلى أن السنوات الماضية لم تمنح مصر الاتفاق الذي سعت إليه، فيما انتقلت إثيوبيا من مرحلة البناء إلى التشغيل، ثم إلى طرح مطالب تعويضية تعيد صياغة ميزان التفاوض.
ومن جهة أخرى، تقول أديس أبابا إن مبادرة البصمة الخضراء وزراعة عشرات المليارات من الأشجار وأعمال حماية الأحواض يجب أن تدخل في حساب مساهمتها بحماية الموارد المائية ومواجهة آثار تغير المناخ.
وفي الوقت نفسه، يروج الخطاب الإثيوبي لفكرة أن سد النهضة يساعد على تنظيم التدفقات وتقليل الفيضانات ودعم المياه خلال انخفاض الأمطار، وهي فوائد تعرضها الحكومة الإثيوبية كجزء من حجتها الجديدة.
وعند المقارنة، ترفض القاهرة أن تتحول تلك المنافع المعلنة إلى مبرر للإدارة المنفردة، وتؤكد أن أي منشأة على نهر مشترك تظل مطالبة بقواعد تشغيل وتبادل بيانات تمنع الضرر المفاجئ على دول المصب.
وبذلك، تظهر جولة التصعيد الحالية حدود سنوات التفاوض السابقة، لأن الطرفين لا يختلفان فقط على الأرقام، بل على تعريف الحقوق نفسها وعلى معنى السيادة والتعاون وحدود التصرف المنفرد في مورد عابر للحدود.
وفي قراءة فنية للمشهد، يحذر نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة، من أن الخطر الأكبر يرتبط بطريقة تشغيل السد خلال سنوات الجفاف وضعف التنسيق مع دولتي المصب.
المطالبة القانونية تصطدم بعقبات كبيرة
وفي المسار القانوني، تصبح مطالبة التعويض أكثر تعقيدًا من التصريحات السياسية، لأن إثيوبيا مطالبة بإثبات أن مصر منعت مشروعًا مشروعًا قانونًا وأن هذا المنع تسبب وحده في خسارة محددة وقابلة للتقدير.
وبحسب المواقف المصرية المعلنة، فإن القاهرة لا تعارض التنمية في دول الحوض، لكنها تربطها بعدم الإضرار وبالإخطار والتعاون، وتقول إن اعتراضها انصب على الإجراءات الأحادية لا على حق إثيوبيا في التنمية.
ومن الناحية القانونية، يؤكد محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن إدارة نهر دولي لا تمنح دولة المنبع سلطة منفردة على التدفقات دون التزامات تجاه الآخرين.
وفي المقابل، تبني إثيوبيا حجتها على مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، وتقول إن عقودًا من ترتيبات النيل حدت من فرصها التنموية، وهو خلاف قانوني وسياسي يتجاوز مجرد تقدير قيمة مالية للتعويض.
كما أن تلويح الوزير الإثيوبي باللجوء إلى خطوات أخرى إذا تعثرت المفاوضات يرفع سقف الخطاب، لكنه لا يحدد حتى الآن المحكمة أو الآلية الدولية التي ستسلكها أديس أبابا لتحصيل أي تعويض.
ولهذا، تبدو الخطوة الجديدة محاولة لتوسيع مساحة الضغط على مصر أكثر من كونها مطالبة مكتملة الأركان، خصوصًا أن اللجنة لا تزال في مرحلة جمع الأدلة ودراسة الأسس القانونية وتقدير الخسائر المزعومة.
وفي النهاية، تضع مطالبة التعويض ملف النيل أمام جولة أكثر تعقيدًا، لأن مصر تواجه الآن خطابًا إثيوبيًا يريد تحويل اعتراضاتها السابقة إلى مسؤولية مالية، بينما تتمسك القاهرة بأن الخطر الحقيقي هو فرض الأمر الواقع.
وبذلك، ينتقل الخلاف من معركة اتفاق التشغيل إلى معركة سرديات قانونية واقتصادية، فيما يبقى غياب اتفاق ملزم هو الثغرة الأكبر التي تسمح لكل طرف بإعادة تفسير الماضي وصياغة مطالبه للمستقبل.

