تسجل التجارة المصرية مع إسرائيل مسارًا لافتًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعدما قفزت الصادرات المصرية خلال يونيو 2026 بنسبة تقارب 148%، بينما ارتفعت الواردات بأكثر من 127% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
وتضع هذه القفزة الحكومة المصرية أمام مفارقة واضحة، فبينما تتجه دول أوروبية إلى تشديد القيود على منتجات المستوطنات، تستمر حركة السلع والطاقة بين القاهرة وإسرائيل بوتيرة مرتفعة رغم التداعيات الإنسانية والسياسية المتواصلة في غزة.
قفزة يونيو تتجاوز المسار السنوي
وفي يونيو وحده، بلغت الصادرات المصرية إلى إسرائيل نحو 38.857 مليون دولار، مقابل 15.677 مليونًا في يونيو 2025، بزيادة قدرها 23.18 مليون دولار، وفق بيانات التجارة الخارجية الرسمية المصرية.
وفي الاتجاه المقابل، وصلت الواردات المصرية من إسرائيل إلى 266.376 مليون دولار، مقابل 117.294 مليونًا قبل عام، بزيادة تتجاوز 149 مليون دولار، لتتسع الفجوة الشهرية بوضوح بين التدفقات في الاتجاهين.
وبذلك، تجاوزت قيمة الواردات المصرية من إسرائيل خلال يونيو قيمة الصادرات إليها بنحو سبعة أمثال، وهي نسبة تجعل الحديث عن مجرد تنشيط متبادل للتجارة غير كافٍ لفهم طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الجانبين.
ومع أن النصف الأول من 2026 يقدم صورة أقل حدة، فإن الصادرات المصرية إلى إسرائيل ارتفعت إلى 174.1 مليون دولار، مقابل 140.1 مليونًا خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو بلغ 24.3%.
وفي المقابل، تراجعت الواردات خلال النصف الأول إلى نحو 1.188 مليار دولار، مقابل 1.234 مليارًا قبل عام، بينما بلغ إجمالي التجارة بين الجانبين قرابة 1.362 مليار دولار خلال ستة أشهر.
ومن جهتها، تربط نادية المرشدي، خبيرة الجمارك واللوجستيات، جانبًا من ارتفاع الواردات باحتياجات المصانع لمستلزمات الإنتاج، وترى أن ضعف قدرة الصناعة المحلية على توفير المدخلات يدفع الاقتصاد إلى مزيد من الاستيراد.
وبهذا المعنى، لا تبدو القفزة مجرد رقم منفصل في جدول التجارة الخارجية، بل ترتبط بمشكلة أوسع تتعلق بضعف التصنيع المحلي واعتماد مصانع مصرية على مدخلات مستوردة لا يوفرها الإنتاج الداخلي بالقدر الكافي.
وفي الوقت نفسه، تظهر بيانات 2025 أن الصادرات المصرية إلى إسرائيل شملت الأسمنت والمواد المعدنية والكيماويات والمعدات الكهربائية والبلاستيك ومنتجات غذائية وزراعية، بما يجعل العلاقة التجارية أوسع من سلعة واحدة أو مسار محدود.
كما بلغت صادرات الملح والكبريت والأحجار والجير والأسمنت نحو 88 مليون دولار في 2025، بينما سجلت الكيماويات غير العضوية 28.2 مليونًا والمعدات الكهربائية والإلكترونية نحو 27.1 مليون دولار.
ولذلك، تثير زيادة تدفق هذه السلع خلال مرحلة إقليمية مضطربة نقاشًا مشروعًا حول حدود الفصل بين الحسابات الاقتصادية والسياسة الخارجية، خصوصًا عندما تصبح المواد الأساسية والوسيطة جزءًا من تجارة مستمرة رغم الصراع المحيط.
الغاز يربط القاهرة بتل أبيب
وفي الجهة الأخرى، تتركز الواردات المصرية من إسرائيل بدرجة كبيرة في الطاقة، إذ بلغت واردات الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير نحو 2.28 مليار دولار خلال 2025 من إجمالي 2.34 مليار دولار.
ومن ثم، يصبح الغاز العامل الأثقل في تفسير العلاقة الاقتصادية، إذ تعتمد مصر على تدفقات إسرائيلية لتغطية جزء من الطلب المحلي بعدما تراجع الإنتاج المصري وارتفعت احتياجات الكهرباء والصناعة خلال الأعوام الأخيرة.
وفي هذا السياق، ترى نورهان حفزي، الباحثة والصحفية المتخصصة في العلاقات الدولية، أن التعاون في الغاز خلق اعتمادًا متبادلًا لكنه لم يعالج جذور الصراع، بل سمح باستمرار المصالح الاقتصادية رغم الخلاف السياسي.
كما تشير حفزي إلى أن الغاز الإسرائيلي يمثل حاليًا نحو 15% إلى 20% من الاستهلاك اليومي المصري، وهو مستوى يرفع حساسية منظومة الطاقة لأي اضطراب سياسي أو أمني يؤثر في الحقول أو خطوط الإمداد.
ورغم وصف الجانب المصري اتفاقات الغاز بأنها معاملات تجارية، فإن توقف التدفقات أو تراجعها خلال أزمات إقليمية سابقة انعكس سريعًا على الإمدادات المحلية، ما يوضح أن الاعتماد التجاري يحمل معه مخاطر استراتيجية مباشرة.
وفي أبريل 2026، تجاوزت واردات مصر من الغاز الإسرائيلي مليار قدم مكعبة يوميًا بعد تراجع حاد في مارس، ثم ارتفعت في مايو إلى نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا.
وبالتالي، لا يمكن فصل القفزة في الواردات خلال يونيو عن هيكل طاقة أصبح الغاز الإسرائيلي عنصرًا كبيرًا فيه، ولا عن تراجع إنتاج بعض الحقول المصرية وارتفاع تكلفة البدائل المستوردة من الغاز المسال.
ومن ناحية أخرى، يمنح هذا الاعتماد إسرائيل سوقًا كبيرة ومستقرة لصادراتها، بينما تستفيد مصر من الغاز لتغطية الطلب المحلي وتشغيل منشآت الإسالة، وهي معادلة تجارية تحمل مكاسب للطرفين ومخاطر متفاوتة لكل منهما.
ومع استمرار الضربات والضحايا في غزة رغم وقف إطلاق النار القائم منذ أكتوبر 2025، تصبح استمرارية هذا الترابط الاقتصادي موضع جدل داخلي، خاصة مع تزايد المطالب الأوروبية بفرض قيود على أنشطة مرتبطة بالمستوطنات.
أوروبا تشدد قيود المستوطنات
وفي أوروبا، لا يوجد حتى الآن حظر موحد شامل من الاتحاد على منتجات المستوطنات، لكن هذه السلع محرومة أصلًا من المعاملة الجمركية التفضيلية التي تمنح للمنتجات القادمة من داخل حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا.
وفي تطور أحدث، فرضت هولندا منذ 22 سبتمبر 2026 حظرًا على استيراد وشراء وبيع السلع القادمة من المستوطنات، بينما دخل قانون مماثل في أيرلندا حيز التنفيذ خلال سبتمبر.
كما أعلنت مجموعة من الدول الأوروبية ودول أخرى نيتها فرض قيود وطنية أو دعم إجراءات أوروبية على تجارة المستوطنات، وهو اتجاه يوسع المسافة بين التجارة مع إسرائيل وبين التعامل الاقتصادي مع المستوطنات تحديدًا.
ومن جانبه، يحذر هشام البستاني، الباحث في الاقتصاد السياسي للطاقة بمركز الدراسات الدولية في باريس، من أن الاعتماد العربي المتزايد على الطاقة الإسرائيلية يمنح شبكات الطاقة وزنًا سياسيًا يتجاوز الحساب التجاري المباشر.
وفي قراءته للعلاقات الإقليمية، يربط البستاني توسع الطاقة الإسرائيلية بنشوء علاقات اعتماد قد تحد من هامش الحركة لدى الدول المستوردة، خصوصًا عندما تصبح الكهرباء والصناعة مرتبطتين بإمدادات يمكن أن تتأثر بأزمة سياسية.
وبالمقابل، لا تعني القيود الأوروبية وقف التجارة الشاملة مع إسرائيل، كما لا تعني القفزة المصرية في يونيو أن إجمالي تجارة النصف الأول ارتفع، إذ تراجع الإجمالي قليلًا مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
لكن التركيز على هذه الملاحظة وحدها يتجاهل حقيقة أن شهر يونيو شهد تسارعًا استثنائيًا في الاتجاهين، وأن الصادرات المصرية سجلت نموًا سنويًا يقارب 148% بينما ارتفعت الواردات بأكثر من 127%.
وفي النهاية، تضع الأرقام الرسمية العلاقة الاقتصادية أمام صورة أكثر تعقيدًا من الخطابات السياسية، فالتجارة مستمرة، والطاقة تعمق الاعتماد المتبادل، والأسواق المصرية والإسرائيلية تتبادل سلعًا أساسية رغم بيئة إقليمية شديدة التوتر.
ومن هنا، يبقى جوهر القضية في شفافية القرار الاقتصادي وتفسير أولوياته للرأي العام، وتوضيح مكاسب التجارة وتكاليفها ومخاطر الاعتماد على الطاقة، بدل ترك الأرقام الضخمة تتحرك بعيدًا عن نقاش عام واضح.

