يعيد حديث قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن «الأشرار» و«تأليب مؤسسات الدولة» وضرورة حماية الجبهة الداخلية سؤالًا سياسيًا قديمًا حول موقع الاحتجاج الشعبي في حسابات السلطة، وحدود القلق الرسمي من تحوله إلى حركة واسعة.
وتضع دعوته المتكررة إلى منع «شق الصف» والتحرك السريع ضد محاولات التأليب هذه اللغة في سياق أمني واضح، خاصة أنها جاءت متزامنة مع تحركات تشريعية عاجلة واستدعاء الاستقرار بوصفه أولوية حاكمة.
خطاب أمني أمام مجتمع مضغوط
وفي هذا السياق، لا يقدم خطاب السيسي دليلًا مباشرًا على خوف شخصي من ثورة وشيكة، لكنه يعكس اهتمامًا بالغًا بمنع تراكم الغضب وتحوله إلى فعل جماعي يصعب ضبط مساره لاحقًا.
ومن جهة أخرى، يصبح وصف المعارضين أو منتقدي السياسات بأنهم «أشرار» جزءًا من لغة تقسم المجال العام بين دولة تقول إنها تحمي الاستقرار وأصوات يجري تقديمها باعتبارها مصدر تهديد محتمل.
وفوق ذلك، يرتبط هذا الخطاب ببيئة اقتصادية واجتماعية ضاغطة، إذ بلغ التضخم الحضري السنوي 14.5% في أغسطس 2026، ما يبقي تكاليف المعيشة عاملًا مؤثرًا في المزاج العام رغم تباطؤ التضخم نسبيًا.
وفي المقابل، لا يعني وجود السخط تلقائيًا قرب اندلاع انتفاضة، فالثورات لا تنتج من عامل واحد، لكن السلطات عادة تراقب مؤشرات الاحتجاج حين تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع انسداد المجال السياسي.
ومن هنا، يمكن قراءة التركيز على «الوعي» ومحاربة الإحباط ومنع التحريض بوصفه محاولة لضبط المجال العام قبل أن تنتقل الشكوى من نطاق فردي إلى مساحة جماعية أكثر تنظيمًا وتأثيرًا.
وبالتوازي، يعزز خطاب «نحن وأنتم» ورفض تقسيم المجتمع الانطباع بأن السلطة شديدة الحساسية تجاه أي سردية تضع المؤسسات في مواجهة المواطنين، لأن مثل هذه السرديات يمكن أن تتحول إلى وقود للاحتجاج.
وفي السياق نفسه، يتكرر في خطاب السلطة ربط الاستقرار بمنع الشائعات والإحباط والتحريض، وهو ربط ينقل الخلاف السياسي من مساحة النقاش العام إلى مساحة الأمن القومي وما يرافقها من أدوات رقابية وأمنية.
ذاكرة 2013 تلاحق المشهد
ومنذ انقلاب الجيش على أول رئيس مدني منتخب الدكتور محمد مرسي في 3 يوليو 2013، دخلت مصر مرحلة شهدت توسعًا كبيرًا في القيود على التظاهر والعمل السياسي، وفق تقارير حقوقية دولية وثقت اعتقالات واسعة واستخدامًا مفرطًا للقوة.
وبعد ذلك، شكّل فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013 نقطة فاصلة؛ إذ وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل مئات المحتجين، واعتبرت أن الانتهاكات الواسعة آنذاك قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ثم جاء قانون التظاهر الصادر في نوفمبر 2013 ليمنح أجهزة الأمن سلطات واسعة على تنظيم التجمعات، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية إطارًا قانونيًا شديد التقييد لحرية التجمع السلمي.
وعلى امتداد السنوات التالية، استمرت تقارير منظمات حقوقية في توثيق الحبس الاحتياطي المطول، وملاحقة المعارضين والصحفيين والمدافعين عن الحقوق، إلى جانب القيود الواسعة المفروضة على التظاهر والتنظيم المستقل.
وفي أحدث تقييماتها، قالت هيومن رايتس ووتش إن الاحتجاجات والتجمعات السلمية ظلت محظورة فعليًا خلال 2025، وإن السلطات واصلت استهداف صحفيين ومدافعين حقوقيين ومعارضين بسبب تعبير سلمي.
وبهذه الخلفية، يصبح استدعاء مفردات «حماية الدولة» و«الجبهة الداخلية» أكثر دلالة، لأن منظومة الحكم طورت منذ 2013 أدوات أمنية وقانونية تحد بشدة من الحشد خارج الأطر الرسمية.
ومن ثم، لا تبدو المسألة مرتبطة بخطاب عابر فقط، بل بنمط حكم يعتبر السيطرة على المجال العام شرطًا أساسيًا للاستقرار، ويعامل احتمالات التعبئة الشعبية بوصفها ملفًا أمنيًا قبل كونها خلافًا سياسيًا.
ومن زاوية تاريخية، ساهمت القيود المتراكمة منذ 2013 في إضعاف قنوات التعبير المنظم، ما يعني أن الغضب حين يظهر قد يفتقد المسارات الوسيطة القادرة على احتوائه أو تحويله إلى تفاوض سياسي سلمي.
منع الاحتجاج قبل تشكله
وفي الأيام الأخيرة، زاد الانتباه إلى هذا الاتجاه مع حديث السيسي عن ضرورة «التدخل والتحرك السريع» ضد ما وصفه بمحاولات التأليب، وهي عبارة توحي بأولوية الاستجابة المبكرة قبل اتساع أي موجة غضب.
وفي الوقت نفسه، انعقد مجلس النواب في 30 سبتمبر 2026 بجلسة غير عادية لمناقشة تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية عامًا، قبل يوم واحد من افتتاح دور الانعقاد الجديد في 1 أكتوبر.
ومع أن الجلسة ارتبطت رسميًا بملف تشريعي محدد، فإن تزامنها مع تصاعد الخطاب حول الأمن الداخلي والجبهة الداخلية أضاف إلى المشهد إحساسًا بأن مؤسسات الدولة تتحرك تحت ضغط ملفات متسارعة.
ومن ناحية أخرى، يظل ربط هذه التحركات بخوف مؤكد من ثورة استنتاجًا يتجاوز الأدلة المتاحة، لأن أجهزة الدولة قد تستخدم اللغة نفسها في مواجهة احتجاجات محدودة أو أزمات إعلامية أو حملات إلكترونية.
لكن في المقابل، فإن تاريخ السنوات الماضية يجعل القلق من الشارع عنصرًا منطقيًا في تفسير شدة الخطاب، خصوصًا بعدما أصبحت القيود على التظاهر والتعبير جزءًا ثابتًا من إدارة المجال السياسي.
وعلاوة على ذلك، تشير تقارير حقوقية حديثة إلى استمرار الاعتقالات المرتبطة بالتعبير، بما في ذلك استهداف صحفيين ومستخدمين لمواقع التواصل، ما يوضح أن الدولة لا تفصل بين المجال الرقمي واحتمالات التعبئة الواقعية.
وفي ضوء ذلك، يمكن فهم الاستجابة المبكرة للانتقادات بوصفها سياسة وقائية تستهدف منع تشكل شبكات احتجاج واسعة، لا باعتبارها دليلًا منفردًا على قرب ثورة، بل كجزء من إدارة مستمرة لمخاطر التعبئة.
وفي المحصلة، توجد قرينة عامة تثبت أن انتفاضة وشيكة تقترب على الانفجار، لكن خطاب السيسي نفسه يضع «تماسك الجبهة الداخلية» ومنع التأليب في قلب أولويات الدولة، بما يعكس حساسية واضحة تجاه الغضب الجماعي الذي يجتاح معظم الطبقات في مصر.
وأخيرًا، يبقى السؤال الأهم سياسيًا لا نفسيًا: لماذا تحتاج سلطة تملك أدوات أمنية وتشريعية واسعة إلى استدعاء خطر «شق الصف» باستمرار، ولماذا يتحول الاحتجاج المحتمل إلى هاجس مركزي في خطابها العام، إلا أن السلطة القمعية دائما وخوفها وحذرها هو من الشعب ومن أي تحرك ولوكان ضئيلا فإنه من الممكن ان يتوسع ويتطاير ويعيد ما فعلته ثورة 25 يناير؟.

