اعتمد عدد من القادة المصريين، على مدار التاريخ، على الغزوات العسكرية والحروب بالوكالة والدبلوماسية السرية لتأمين الهيمنة على حوض النيل وزعزعة استقرار إثيوبيا، وفقًا لما يطرحه تقرير بولس أوف أفريكا  الشريك الإعلامي لوكالة الأنباء الإثيوبية.


ولم تكن القصة تتعلق بالمياه وحدها، بل دارت حول النفوذ والخوف، وحول الطرف الذي يملك حق تحديد مستقبل نهر يعتمد عليه ملايين البشر.


وعلى مدار أكثر من قرن، دخلت مصر وإثيوبيا في تنافس شكلته حقيقة جغرافية ثابتة لا تتغير: تقع مصر في دولاب النهر، بينما تقع إثيوبيا في أعاليه.


وينبع النيل الأزرق، المعروف في إثيوبيا باسم «أباي»، من المرتفعات الإثيوبية. ومن هذه الحقيقة الجغرافية تنبثق مسألة أعمق: من يملك حق تحديد مسار التنمية عندما يقع مصدر الحياة في أعالي النهر، بينما يرتبط أمن المياه بدولة تقع في المصب؟


ولم يسلك التنافس المصري الإثيوبي مسارًا واحدًا ثابتًا، بل تغير مرارًا. بدأ بالاعتماد على الغزو، ثم انتقل إلى الدبلوماسية والضغط الإقليمي، وبعد ذلك اتجه إلى النفوذ المالي، قبل أن يتحول في القرن الحادي والعشرين إلى صراع محتدم حول مشروع سد النهضة الإثيوبي. ولا يمكن فهم الوضع الراهن دون تتبع الماضي واستراتيجياته ومخاوفه المتغيرة، إذ أضاف كل عصر طبقة جديدة إلى هذا التنافس.

 


عصر الطموح الإمبراطوري


خلال القرن التاسع عشر، وفي الفترة التي كان فيها التوسع حلًا لكل شيء بين عامي 1863 و1879، سعى الخديوي إسماعيل باشا إلى إعادة رسم الخريطة.
 

ودفعت مصر بقواتها جنوبًا وشرقًا بحثًا عن النفوذ في الأراضي المرتبطة بالبحر الأحمر وحوض النيل الأعلى. وكان يُنظر إلى السيطرة باعتبارها أمرًا يمكن انتزاعه عبر التقدم العسكري.
 

وفي عامي 1875 و1876، تقدمت الجيوش المصرية داخل الأراضي الإثيوبية، لكن الحملتين تعرضتا لهزائم كبيرة. ففي جندت عام 1875 وجورا عام 1876، في المنطقة التي تُعرف اليوم بإريتريا، ألحقت قوات الإمبراطور يوحنا الرابع هزائم كبيرة بالقوات المصرية.

 

وأدت تلك الهزائم إلى إنهاء محاولة مصر غزو إثيوبيا بالقوة، وظل الدرس حاضرًا: لم يكن التوسع العسكري قادرًا بسهولة على تحديد الطرف الذي يسيطر على المرتفعات الإثيوبية، كما لم يكن قادرًا على حسم مسألة السيطرة على منابع النيل.

 


الحروب بالوكالة والقوة الناعمة


دخلت دبلوماسية النيل في هذه المرحلة إلى قلب سياسات القرن الإفريقي، بين عامي 1956 و1970. وتحت قيادة جمال عبد الناصر، ابتعد الصراع عن منطق ساحات القتال وتحول إلى منظومة سياسية.


وأصبحت المنافسة على النيل تُدار عبر الدبلوماسية والتنافس الإقليمي والحروب بالوكالة والضغوط السياسية. وبحسب تقارير، استخدم عبد الناصر دعم قوى متمردة ومنافسة لعزل إثيوبيا.


ودعمت مصر النزعة الانفصالية الصومالية في صراع أوغادين، كما مولت حركات تمرد في إريتريا. وشملت السياسة المصرية كذلك عرقلة حصول إثيوبيا على قروض دولية لتمويل مشروعات البنية التحتية للمياه.


وشكل اتفاق مياه النيل بين مصر والسودان عام 1959 أحد أبرز رموز هذه المرحلة، إذ وزع استخدام مياه النيل دون مشاركة إثيوبيا ودول المنبع الأخرى في المفاوضات. ورفضت إثيوبيا الاتفاق، فيما استُبعدت دول المنبع من عملية صنع القرار.


وفي الوقت نفسه، أصبحت سياسة النيل مرتبطة بصورة وثيقة بسياسات المنطقة. ولم يعد النزاع محصورًا على ضفاف النهر، بل امتد إلى البحر الأحمر وإريتريا والصومال والسودان، وتشابك مع حسابات أوسع لتوازن القوى في القرن الإفريقي.


وهنا تعمق التنافس، إذ تحولت قضية الأمن المائي إلى استراتيجية إقليمية.

 


من ساحة المعركة إلى غرفة المفاوضات


دخل النيل خلال الفترة من 1970 إلى 1981 إلى صميم حسابات الأمن القومي. وتحت قيادة أنور السادات، تغيرت اللهجة مجددًا، إذ لم يعد النيل يُعامل باعتباره قضية اقتصادية بالدرجة الأولى، بل أصبح مسألة أمنية.


وبحسب روايات وتقارير، هدد السادات باللجوء إلى العمل العسكري المفتوح ضد المقترحات الإثيوبية الخاصة ببناء سدود على النيل. وخلال حرب أوغادين عام 1977، سلحت مصر القوات الصومالية، فيما تشكلت تحالفات استراتيجية بهدف تطويق إثيوبيا وإضعافها. وتزامن تصاعد الصراع الإقليمي مع زيادة حدة النزاع حول النيل.


وتوثق دراسات تاريخية تقديم مصر مساعدات عسكرية إلى الصومال خلال الحرب، كما تعكس مخاوف من أن يؤدي عدم الاستقرار في إثيوبيا إلى زعزعة استقرار السودان، وهو ما قد يضر بالموقف الاستراتيجي المصري.


وأصبحت اللهجة أكثر مباشرة أيضًا، إذ حذر السادات من أن تدخل إثيوبيا في وصول مصر إلى مياه النيل قد يدفع القاهرة إلى استخدام القوة.


وتشير إحدى الدراسات الأكاديمية إلى طرح فكرة عدم وجود «بديل» عن القوة إذا تعرضت المصالح المصرية في مياه النيل للتهديد. وعكس ذلك تحولًا في طريقة التفكير، من خلاف حول التنمية إلى الاستعداد العسكري، ومن التفاوض إلى رسم خطوط حمراء.


وخلال فترة حكم حسني مبارك بين عامي 1981 و2011، تراجعت أهمية المواجهة المباشرة، وأصبحت الضغوط أكثر هدوءًا وتعقيدًا وبيروقراطية. واعتمدت مصر بصورة أكبر على الدبلوماسية والنفوذ الدولي، فيما وُصفت الاستراتيجية بأنها احتواء إقليمي سري، شمل دعم حركات تمرد مسلحة داخل إثيوبيا، وعرقلة التمويل، وإقامة وجود استخباراتي في دول مجاورة، بحسب ما تذكره مصادر.


وتركز الصراع الأكثر وضوحًا في هذه المرحلة على تمويل مشروعات البنية التحتية الإثيوبية للمياه. وتصف مصادر معارضة مصرية للتمويل الدولي مشروعات اعتقدت القاهرة أنها قد تؤثر في تدفقات النيل. لكن من المهم تجنب التبسيط، إذ إن القول إن مبارك استخدم حق النقض ضد كل قرض مخصص لبناء سد إثيوبي يظل ادعاءً أوسع من الأدلة المتاحة.


ومع ذلك، ظل الاتجاه العام واضحًا؛ إذ سعت مصر إلى الحفاظ على موقعها القائم في دبلوماسية النيل، بينما ضغطت إثيوبيا بصورة أكبر من أجل الحصول على حرية تطوير مواردها. واستمر الصراع، لكن بأدوات جديدة شملت القروض والمؤسسات والموافقات الفنية والتوقيت الدبلوماسي.


وفي عهد عبد الفتاح السيسي، مزجت مصر بين الدبلوماسية الرسمية والردع العسكري والاحتواء الإقليمي. فمن ناحية، عززت مصر التحالفات العسكرية والدفاعية مع دول مجاورة، وتشير استراتيجيات أوردتها تقارير إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية ومحاولات لتطويق إثيوبيا جيوسياسيًا عبر شراكات مع دول المنطقة.


ومن ناحية أخرى، وسعت مصر تركيزها الأمني في منطقة البحر الأحمر وحولها، وبالقرب من نقاط الاختناق البحرية الحيوية مثل باب المندب. وأصبح تعزيز العلاقات الأمنية مع إريتريا وإظهار الوجود البحري بالقرب من القرن الإفريقي جزءًا من هذا النهج.


وظهرت كذلك أدوات النفوذ بالوكالة والنفوذ الاستراتيجي في هذا السياق. واتهمت إثيوبيا مصر بالاستفادة من الاضطرابات الداخلية، مثل الصراع في تيغراي، للضغط على أديس أبابا وتأخير تشغيل سد النهضة.


ودأبت مصر على وصف أي اضطراب في وصولها إلى مياه النيل بأنه مسألة وجودية. ووصف مسؤولون أمن المياه بالنسبة إلى دول المصب بأنه «خط أحمر»، محذرين من عواقب كبيرة إذا تعرض وصول مصر إلى مياه النيل للتهديد.


وظل العزل الدبلوماسي والمالي كذلك ضمن أدوات الضغط، إذ لجأت مصر إلى منظمات دولية، من بينها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، للضغط ضد خطط إثيوبيا لملء السد والحد من التمويل الدولي.


وعبر هذه المراحل، تغيرت الأدوات، لكن الاستراتيجية الأساسية، وفقًا للتقرير، ظلت متمثلة في إبقاء إثيوبيا تحت الاحتواء. ففي عهد إسماعيل باشا، حاولت مصر التوسع العسكري المباشر، بينما انتقلت ساحة المعركة في عهد عبد الناصر إلى المنافسة الإقليمية بالوكالة والعزلة الدبلوماسية.


أعاد السادات صياغة قضية النهر باعتبارها مسألة أمنية صريحة، في حين اعتمد مبارك على الحواجز المالية الهادئة والضغوط السرية، بينما جمع السيسي بين الردع العسكري وتحالفات التطويق والضغط المالي والدبلوماسي.


ويرى التقرير أن استراتيجية الاحتواء أخفقت، رغم عقود من الضغوط المنسقة والصراعات بالوكالة، وأن صمود إثيوبيا تحدى محاولات تقييد نموها، وصولًا إلى بناء سد النهضة وتشغيله، باعتباره دليلًا، وفق رؤية التقرير، على أن أي استراتيجية احتواء لا يمكنها تغيير مستقبل المرتفعات الإثيوبية بصورة دائمة.


ولا شك في أهمية النهر بالنسبة إلى مصر، كما يؤكد التقرير حق إثيوبيا في تطوير موارد «أباي». ويكشف استمرار الخلاف عن محدودية الاتفاقات التي تُبرم دون مشاركة جميع دول الحوض، إذ لا تستطيع تلك الاتفاقات وحدها تسوية ما ينبغي أن تتشاركه دول المنبع والمصب.


وتقدم هذه المسيرة التاريخية الطويلة تحذيرًا واضحًا، بحسب التقرير. فلا ينشأ الاستقرار من الهيمنة أو العزلة أو المنافسة بالوكالة، كما لا يتحقق عبر التهديدات التي تحبس الدول المجاورة في حالة دائمة من انعدام الأمن.


وقد تتحول المياه إلى سلاح في إطار خاطئ، لكنها تستطيع كذلك أن تصبح شريان حياة مشتركًا في إطار مناسب.


ولن يحسم مستقبل حوض النيل بالقوة وحدها، بل سيحسمه إطار يتعامل مع أمن المياه وحقوق التنمية معًا، ويجمع المصالح المشروعة لمختلف دول الحوض حول طاولة واحدة.
 

ويبقى السؤال ملحًا، وليس تاريخيًا فحسب: هل يتحول النيل إلى اتفاق بين الجيران، أم يصبح ساحة معركة أخرى تتخفى في صورة دبلوماسية؟


وفي عالم اليوم المترابط، تبدو رسالة هذا التنافس الطويل واضحة، وفقًا للتقرير: تنتمي سياسات المياه القائمة على مبدأ المكسب لطرف واحد والخسارة لآخر إلى حقبة مضت. وتجعل الحقائق على الأرض، من النمو السكاني وتغير المناخ إلى الضغوط الاقتصادية المتزايدة، من المستحيل على دولة واحدة احتكار مستقبل النيل أو فرض مساره.


ولا يمكن تحقيق أمن دول المصب عبر احتواء دول المنبع أو زعزعة استقرارها. ولا يمكن أن ينشأ الاستقرار الحقيقي والدائم إلا عندما تتجاوز جميع دول الحوض المطالبات الموروثة من الحقبة الاستعمارية، وتتجه إلى مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه.

 

https://www.ena.et/web/eng/w/eng_9643677