دخلت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة في المغرب، بعدما عينها الملك محمد السادس يوم 29 سبتمبر 2026 لقيادة الحكومة وكلفها بتشكيلها، لتصبح أول امرأة تصل إلى هذا الموقع في تاريخ المملكة.
وتأتي الخطوة عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 سبتمبر بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، لكن هذا التقدم لا يمنحه أغلبية منفردة، ويضع المنصوري أمام مفاوضات لتكوين ائتلاف قادر على الحكم.
سابقة نسائية تحت اختبار السياسة
وفي المشهد السياسي المغربي، يمثل تعيين المنصوري سابقة تتجاوز دلالتها اسم الشخصية المكلفة؛ إذ يفتح للمرة الأولى موقع قيادة الحكومة أمام امرأة، بعد عقود ظلت فيها هذه المسؤولية حكرًا على الرجال.
كما يرتبط صعودها بمسار حزبي وإداري طويل؛ فقد تولت تنسيق القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة منذ فبراير 2024، وشغلت حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب رئاسة مجلس مراكش.
وفي خلفية هذا المسار، تعكس تجربة مراكش والعمل الوزاري خبرة في الإدارة المحلية والقطاعية، لكنها لا تقدم وحدها ضمانة للنجاح في تفاوض سياسي تتداخل فيه مصالح أحزاب متعددة.
غير أن القيمة الرمزية للقرار لا تحسم وحدها تقييم التجربة المقبلة؛ فالمعيار الذي سيواجه المواطنين هو ما تستطيع الحكومة إنجازه في الأسعار والعمل والخدمات، لا مجرد تحول صورة القيادة التنفيذية.
ومن هنا، تبدو المنصوري أمام فرصة ومسؤولية في آن واحد؛ فهي تدخل التاريخ بوصفها أول امرأة في الموقع، لكنها سترث أيضًا ملفات اقتصادية واجتماعية لن تتراجع حدتها بسبب هذا التعيين.
وعلى مستوى التمثيل، قد يمنح التكليف النساء المغربيات إشارة سياسية مهمة، لكنه لا يعني تلقائيًا اتساع فرصهن في مواقع القرار الأخرى، ما لم يظهر أثر ذلك في تشكيل الحكومة وسياساتها.
أما الحديث عن انتصار كامل لتمكين المرأة، فيظل سابقًا لأوانه قبل معرفة تركيبة الفريق الوزاري، وحدود مشاركة النساء فيه، وقدرة القرارات المقبلة على معالجة التفاوت الذي يمس حياتهن اليومية.
وفي الوقت نفسه، يضع المنصب خبرة المنصوري السابقة في التعمير والإسكان تحت مجهر أوسع؛ إذ ينتظر منها الانتقال من إدارة قطاع محدد ومدينة كبرى إلى تنسيق سياسات الدولة بأكملها.
وبذلك يبدأ الامتحان الحقيقي بعد انتهاء مراسم التعيين، عندما تتضح أسماء الشركاء في الائتلاف، وخريطة الحقائب، والبرنامج الذي ستقدمه الحكومة لتبرير الثقة السياسية التي تطلبها.
97 مقعدًا لا تكفي
وفي نتائج الانتخابات، حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدًا داخل مجلس يضم 395، وهي صدارة تمنحه موقع قيادة مشاورات التشكيل، لكنها تتركه بعيدًا عن الأغلبية اللازمة لتمرير قراراته منفردًا.
وفي الحساب البرلماني، تتطلب الأغلبية المطلقة 198 مقعدًا على الأقل، أي أن الحزب المتصدر يحتاج إلى 101 مقعد إضافي من شركائه، إذا أراد تأمين أغلبية عند التصويت.
ولذلك ستحتاج المنصوري إلى اتفاقات مع قوى سياسية أخرى، لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية؛ فاستقرار الحكومة يتطلب تفاهمًا بشأن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وموقف الأطراف من القرارات الصعبة.
كما أن اتساع الائتلاف قد يوفر دعمًا برلمانيًا أوسع، لكنه يفتح باب التباين بين الأحزاب عند مناقشة الإنفاق العام والأجور والخدمات، وهي ملفات يصعب تأجيل الخلاف بشأنها طويلًا.
وفي المقابل، قد يجعل ضيق الأغلبية كل تصويت برلماني اختبارًا لاستمرار التفاهمات، خصوصًا إذا اصطدمت تعهدات الحملة الانتخابية بتكلفة التنفيذ أو بتوقعات المواطنين التي ارتفعت عقب إعلان النتائج.
ومن زاوية المشاركة، بلغت نسبة التصويت نحو 38 في المئة، وهي تذكير بأن تشكيل أغلبية داخل البرلمان لا يغني عن استعادة ثقة قطاع واسع لم يشارك في الاقتراع.
ولهذا، لا يكفي وصف نتيجة الحزب بالفوز دون النظر إلى حجم الامتناع؛ فالمسافة بين أصوات الصناديق وانتظارات المجتمع ستحدد قدرة الحكومة الجديدة على اكتساب سند يتجاوز حساب المقاعد.
وعند بدء المشاورات، ستكون أولى الإشارات السياسية في اختيار الحلفاء وطريقة توزيع المسؤوليات، لأن الاتفاق على الأسماء وحده لا يضمن انسجامًا عند مواجهة ضغوط المعيشة ومطالب الإصلاح.
المعيشة والخدمات تحددان وزن الإنجاز
وفي مقدمة الملفات، يبرز ارتفاع كلفة المعيشة وفرص العمل، وهما اختباران مباشران لأي حكومة جديدة؛ فالمواطن الذي ينتظر تحسن دخله لن يكتفي بخطاب احتفالي حول السابقة التاريخية.
وبالنسبة إلى سوق العمل، سيتعين تحويل التعهدات الانتخابية إلى فرص يمكن قياسها بعدد الوظائف وجودتها، مع توضيح التمويل والجدول الزمني، لأن الوعود العامة لا تعالج قلق الشباب.
كما تتطلب الوعود المتعلقة بالإسكان والخدمات العامة جداول تنفيذ واضحة وموارد معلنة، حتى يستطيع الجمهور قياس التقدم الفعلي، بدل الاكتفاء بعناوين واسعة يصعب مساءلة المسؤولين عنها لاحقًا.
وعلى صعيد الاستثمارات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، ستواجه الحكومة أسئلة بشأن توزيع العوائد والأولويات، ومدى استفادة المدن والمناطق الأقل حظًا من المشروعات، فضلًا عن كلفة الإنفاق العام.
ومن ثم، سيكون التوازن بين المشاريع الكبرى والاحتياجات اليومية معيارًا حساسًا؛ فنجاح البنية التحتية لا يمحو أثر بطالة مستمرة أو مدرسة متعثرة أو خدمة صحية يصعب الوصول إليها.
وفي ملف النساء، يمكن للمنصوري تحويل الدلالة التاريخية لتعيينها إلى سياسات ملموسة عبر توسيع فرص العمل والمشاركة، بشرط ربط التعهدات بقرارات قابلة للقياس والمراجعة أمام الرأي العام.
كذلك ستحتاج الحكومة إلى إظهار طريقة تعاملها مع الأصوات المعارضة، لأن قوة المؤسسة التنفيذية تقاس أيضًا بقدرتها على الاستماع للمطالب والرد عليها بوضوح، لا بحجم الائتلاف وحده.
وفي النهاية، يفتح تعيين المنصوري صفحة غير مسبوقة في المغرب، لكن عنوانها النهائي لن تكتبه رمزية المنصب؛ سيكتبه أداء الحكومة في البرلمان، وما يلمسه الناس في بيوتهم وأعمالهم وخدماتهم.

