تواجه الحكومة المصرية تبعات اقتلاع الأشجار المعمرة بوعود جديدة للتشجير، محاولة تقديم آلاف الشتلات باعتبارها تعويضًا عن رصيد بيئي تراكم خلال عقود، بينما تبقى الشوارع المحرومة من الظل أمام خسارة لا تمحوها بيانات الزراعة.

 

وتحاول خطط التخضير المعلنة في القاهرة والجيزة تجاوز السؤال الأثقل عن مسؤولية إهدار الأشجار القائمة، في وقت تحتاج فيه البدائل سنوات طويلة من الرعاية، دون ضمان بقائها أو استعادتها الوظائف البيئية للأشجار المقطوعة.

 

 

آلاف الشتلات لا تعيد الظل

 

ففي القاهرة، أعلن المحافظ إبراهيم صابر استهداف زراعة مليون نبتة خلال عام، بينها 60 ألف شجرة، مع توزيع المستهدفات على الأحياء، والاستعانة بمكتب استشاري لاختيار الأنواع المناسبة ووضع خطة التنفيذ.

 

وفي المقابل، تضمنت حصيلة التنفيذ المعلنة أكثر من ثلاثة آلاف شجرة ونحو 700 ألف من الشجيرات والنباتات، وهي أرقام تستوجب الفصل بين زيادة المزروعات واستعادة الغطاء الشجري الذي يوفر الظل فعلًا.

 

أما الجيزة، فأعلنت بدء أعمال تشجير ضمن مبادرة «100 مليون شجرة»، مع تعهدات باختيار أنواع مناسبة للمناخ وتوفير الصيانة والري، بعد إزالة أشجار بشارع جامعة الدول العربية وما أثارته من غضب واسع.

 

لكن الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، يرفض اختزال التعويض في عدد الأشجار، موضحًا أن قيمتها ترتبط بنوعها وعمرها والوظائف البيئية التي تؤديها داخل المدينة.

 

ويشير نور الدين إلى زراعة النخيل في بعض المواقع بدلًا من الأشجار واسعة التيجان، رغم اختلاف قدرته على توفير الظل وتخفيف الحرارة، بما يجعل تغيير النوع خسارة وظيفية حتى لو ارتفعت الأعداد.

 

وبالتالي، يصبح الاحتفاء بعدد النباتات وسيلة لتضخيم صورة الإنجاز حين يغيب قياس المساحات المظللة، فلا يستطيع صف من الشتلات الصغيرة أن يؤدي فورًا ما كانت تؤديه تيجان ممتدة فوق الأرصفة والطرقات.

 

فضلًا عن ذلك، يوضح نور الدين أن الأشجار القديمة بالمهندسين كوّنت مجموعًا جذريًا مستقرًا عبر عقود، بينما تبدأ الشتلات البديلة بجذور محدودة، وتحتاج إلى وقت طويل قبل بلوغ حالة مقاربة من الاستقرار.

 

ومن ثم، فإن الحكومة تطالب السكان عمليًا بانتظار نمو بديل لما كان موجودًا بالفعل، وتحمل سنوات فقدان الظل، بينما تقدم إنفاقًا جديدًا على التشجير باعتباره معالجة لخسارة كان تجنبها أولى.

 

 

غرس الأشجار لا يضمن بقاءها

 

وفي هذا السياق، يحذر نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، من أن إحلال الشتلات يستلزم رعاية وريًا منتظمين لنحو عشر سنوات أو أكثر، وفق تقديره لظروف الأشجار والمواقع المعنية.

 

كما يقدر احتمال موت الشتلات بعد زراعتها بما قد يصل إلى 25% نتيجة سوء الرعاية أو عوامل أخرى، ما يجعل إعلان أعداد المغروس وحده عاجزًا عن إثبات نجاح التعويض على الأرض.

 

وعليه، فإن احتمال فقدان ربع الشتلات يمثل عبئًا إضافيًا على مشروع التعويض، لكنه يظل تقديرًا لاحتمال الفاقد، ولا يغني عن متابعة ميدانية تعلن ما بقي حيًا وما مات وأسباب ذلك.

 

كذلك، تؤكد مراجعة علمية شملت 56 دراسة عن أشجار المدن أن معدلات الموت تميل إلى الارتفاع خلال السنوات الخمس الأولى بعد الغرس، وأن الرعاية والصيانة من العوامل المتكررة المرتبطة بالبقاء.

 

وبينما تتصدر أرقام الزراعة البيانات الحكومية، يظل الاختبار الحقيقي ممتدًا إلى ما بعد انتهاء الجولات والتقاط الصور، حين تحتاج كل شتلة إلى متابعة مستمرة، وتصبح أخطاء الري والإهمال تهديدًا للاستثمار كله.

 

لذلك، لا تكفي عبارة «آليات للصيانة» لتقديم ضمان جاد، ما لم تقترن بموازنات معلنة، ومسؤوليات محددة، وسجلات متابعة، ونسب بقاء منشورة تسمح بمحاسبة الجهة المنفذة على النتائج بعد مرور المواسم.

 

إلى جانب ذلك، تفرض إعادة زراعة الشتلات النافقة تكلفة جديدة تشمل الشراء والنقل والغرس والرعاية، فتتكرر النفقات بينما يتأجل التعويض، ويظل المواطن ينتظر شجرة قادرة على حمايته من الشمس في الشارع.

 

وفي المحصلة، لا تبدأ الأشجار الجديدة حياتها بضمان حكومي للنمو، وإنما بشروط بيئية وفنية يجب توفيرها باستمرار، وأي خطاب يتجاهل هذه الشروط يحول التخضير إلى وعد يسهل إعلانه ويصعب الوفاء به.

 

 

التخضير لا يمحو مسؤولية الاقتلاع

 

من جهته، يؤكد المهندس الزراعي أحمد هلال أن الأشجار الجديدة لا تؤدي تلقائيًا وظيفة الأشجار التي سبقتها بعشرات السنين، لأن الجذع والتاج والمساحة الورقية والجذور تتكون جميعها عبر نمو متراكم طويل.

 

ويضيف هلال أن إزالة الأشجار لا ينبغي اعتبارها نتيجة حتمية للتطوير، موضحًا أن الاستعانة بخبرات التخطيط والزراعة قبل التنفيذ كانت قادرة على تقليص الخسائر، عبر أساليب علمية للحفاظ على الأشجار القديمة.

 

وبناءً على ذلك، فإن المشكلة تبدأ قبل وصول معدات الإزالة، عند تصميم مشروعات لا تمنح الشجرة القائمة وزنها البيئي، ثم تستدعي الخبراء لاحقًا لاختيار بدائل لما كان ينبغي إدماجه في التخطيط.

 

وفي مطلع سبتمبر، وجهت منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، بحصر الأشجار المقطوعة في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وتحديد أسباب إزالتها بدلًا من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة ملائمة للمكان.

 

غير أن توجيه الحصر بعد القطع يترك سؤال المسؤولية قائمًا، فمضاعفة أعداد المزروعات لا تجيب عن ضرورة الإزالة، ولا تحدد ما إذا كانت بدائل الحفاظ قد دُرست قبل اتخاذ القرار وتنفيذه.

 

بالتوازي، يشير نور الدين إلى تشتت مسؤولية الأشجار بين المحليات ووزارة الزراعة، بينما يحتاج التعامل مع الأشجار المعمرة إلى إشراف متخصص يقرر ما يمكن الحفاظ عليه أو نقله وما تستدعي الضرورة إزالته.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح إعلان القاهرة الحفاظ على الأشجار القائمة وعدم تقليمها إلا للضرورة التزامًا يجب اختباره ميدانيًا، عبر إجراءات تمنع تكرار الإزالة وتتيح مراجعة القرارات قبل وقوع الخسارة مجددًا.

 

وأخيرًا، تستطيع الشتلات أن توسع الغطاء الأخضر مستقبلًا إذا نجت ونمت، لكنها لا تبرئ الحكومة من إهدار أشجار ناضجة، ولا تختصر عقود النمو، ولا تعيد اليوم ظلًا أزالته المعدات خلال ساعات.