طالبت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة مصر بإجراء تحقيقات مستقلة وشاملة في التقارير المتعلقة بانتهاكات خطيرة وقعت في شمال سيناء خلال سنوات عمليات مكافحة الإرهاب والنزاع المسلح، بما في ذلك مزاعم عن الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب والتهجير القسري وتدمير الممتلكات، إلى جانب تقارير عن مقابر جماعية.

 

وحذر 13 من أصحاب الولايات والإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة من أن المزاعم الواردة في مراسلاتهم بشأن شمال سيناء قد ترقى، إذا ثبتت، إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك احتمال وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مؤكدين ضرورة التحقيق والمساءلة وجبر الضرر.

 

وجاءت المطالب ضمن مراسلة رسمية وجهها الخبراء إلى حكومة عبدالفتاح السيسي في 13 يوليو 2026، تحت رقم AL EGY 3/2026، ونُشرت عبر قاعدة بيانات الإجراءات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان. وأوضح الخطاب أن المراسلة تمثل متابعة لتواصل مستمر مع الحكومة منذ عام 2012 بشأن الآثار الحقوقية لقوانين وسياسات وممارسات مكافحة الإرهاب.

 

 

60 مراسلة أممية خلال 14 عامًا

 

قال الخبراء إن الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة وجهت إلى الحكومة 60 مراسلة خلال السنوات الـ14 الماضية، تناولت مخاوف متكررة بشأن مدى اتساق إجراءات مكافحة الإرهاب مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

وبحسب المراسلة، أقرت الحكومة بأنها تتخذ إجراءات مكافحة الإرهاب وفقًا للقانونين الوطني والدولي، كما ردت على نحو ثلث المراسلات التي تلقتها. لكن الخبراء قالوا إن بعض الردود لم تتناول بصورة كاملة المخاوف الهيكلية أو المنهجية التي أثيرت، ولم توضح في حالات عدة الأساس القانوني والأدلة التي تستند إليها بعض الممارسات.

 

وركزت المراسلة الجديدة على 14 محورًا، شملت تعريفات الإرهاب، والاحتجاز التعسفي والمطول قبل المحاكمة، والاختفاء القسري، والتعذيب وسوء المعاملة، وتدوير القضايا، والمحاكمات غير العادلة، وعقوبة الإعدام، إلى جانب أوضاع المجتمع المدني وحقوق الأطفال، فضلًا عن الانتهاكات المزعومة المرتبطة بالعمليات الأمنية والعسكرية في شمال سيناء.

 

ويرى الخبراء أن زيارة ميدانية جديدة للمقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب يمكن أن توفر فرصة للحوار مع الحكومة المصرية وإجراء تقييم مستقل وتقديم تعاون فني بشأن مدى توافق إجراءات مكافحة الإرهاب مع المعايير الدولية.

 

وأشاروا إلى أن مصر استقبلت المقرر الخاص خلال زيارة رسمية عام 2009، داعين إلى تنفيذ زيارة متابعة بعد مرور 17 عامًا على الزيارة السابقة.

 

 

شمال سيناء في صدارة المخاوف

 

خصص الخبراء جزءًا رئيسيًا من المراسلة للأوضاع في شمال سيناء، مستندين إلى مراسلات سابقة تناولت تداعيات العمليات الأمنية والعسكرية منذ عام 2012.

 

وذكر الخطاب أن أصحاب الولايات الأممية سبق أن أثاروا، في مراسلات أعوام 2020 و2024 و2026، مخاوف تتعلق بما وصفوه بانتهاكات ممنهجة أو متكررة، من بينها القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والتهجير القسري، وتدمير الممتلكات، وفرض قيود شديدة على الحركة، فضلًا عن التأثير في التعليم وحقوق الأطفال والحقوق الثقافية.

 

وفي مراسلتها لعام 2020، قالت الإجراءات الخاصة إن حالة الطوارئ الممتدة والصلاحيات الواسعة لمكافحة الإرهاب، وما أثير بشأنها من أضرار للمدنيين وتهجير وقيود على الحركة وغياب الضمانات القضائية والمساءلة، أثارت مخاوف تتعلق بالتزامات مصر الدولية. وفي ردها آنذاك، قالت الحكومة المصرية إن العمليات الأمنية كانت ضرورية لمكافحة الإرهاب وحماية النظام العام، وإنها نُفذت وفقًا للقانون الوطني، بحسب المراسلة الأممية الجديدة.

 

وفي مراسلة أبريل 2026، تناول خبراء أمميون تقارير بشأن ما وصفوه باكتشاف مقبرة جماعية في شمال سيناء تضم رفات عدد يقدر بنحو 300 شخص، إلى جانب مزاعم أخرى عن عمليات قتل واعتقالات جماعية واختفاءات قسرية واحتجاز سري وتعذيب وتدمير واسع للممتلكات والبنية التحتية وتهجير جماعي وقيود على الحركة والوصول.

 

 

مقبرة جماعية تثير مطالب بالتحقيق

 

تعود القضية التي أثارت اهتمام الخبراء الأمميين إلى تحقيق نشرته مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان في سبتمبر 2025 بالتعاون مع مجموعة «فورنزيك أركيتيكتشر»، وهي مجموعة بحثية مقرها كلية جولدسميث بجامعة لندن، وفق ما أوردته المؤسسة.

 

وقالت المؤسسة إنها حددت موقعًا لمقبرة جماعية في منطقة صحراوية تقع على مسافة تقارب 20 كيلومترًا جنوب مدينة العريش، داخل منطقة عسكرية مغلقة أمام المدنيين منذ عام 2014.

 

وبحسب المؤسسة، أظهرت عمليات التحليل وجود حفرتين متجاورتين استُخدمتا للدفن على مراحل مختلفة، مع رصد عشرات الجماجم والعظام على سطح الأرض. وقدرت المؤسسة عدد الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا مدفونين في الموقع بأكثر من 300 شخص، كما تحدثت عن العثور على رفات لأشخاص كانوا يرتدون ملابس مدنية، مع مؤشرات قالت إنها قد تدل على تقييد بعضهم أو تعصيب أعينهم قبل الوفاة.

 

كما أشارت المؤسسة إلى صور أقمار صناعية قالت إنها أظهرت تحركات متكررة لمركبات ذات طبيعة عسكرية أو مركبات دفع رباعي حول الموقع خلال الفترة بين 2015 و2023، فضلًا عن وجود منشآت أمنية وعسكرية بالقرب منه.

 

وهذه التفاصيل تمثل مزاعم ونتائج بحثية عرضتها المؤسسة، بينما دعا الخبراء الأمميون إلى تحقيق مستقل للتحقق منها وتحديد المسؤوليات، بدلًا من التعامل معها باعتبارها وقائع محسومة مسبقًا.

 

وكانت مراسلة أممية سابقة في أبريل 2026 قد تناولت هذه القضية تحديدًا، وقال الخبراء فيها إن المعلومات التي تلقوها تضمنت مزاعم بشأن مقبرة جماعية وعمليات قتل واحتجاز واختفاء قسري وغيرها من الانتهاكات، مع الإشارة إلى أن المزاعم قد تنطوي، إذا ثبتت، على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

 

 

مطالب بكشف مصير المختفين

 

لم تقتصر توصيات الخبراء على المقابر الجماعية، إذ طالبوا أيضًا بالكشف عن مصير الأشخاص الذين أُبلغ عن اختفائهم خلال سنوات العمليات الأمنية في شمال سيناء.

 

ودعا الخطاب إلى التحقيق في حالات الاختفاء والوفيات غير المفسرة، والبحث عن الأشخاص الذين ما زال مصيرهم مجهولًا، وإبلاغ أسرهم بما توصلت إليه التحقيقات.

 

كما أوصى الخبراء بالكشف عن جميع أماكن الاحتجاز في شمال سيناء، وتسجيل المحتجزين بصورة منهجية، وضمان حصولهم سريعًا على محامين وإمكانية التواصل مع أسرهم، مع تقديمهم أمام سلطة قضائية في أقرب وقت.

 

وتضمنت التوصيات كذلك دعوة مصر إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، باعتبارها إحدى الخطوات المرتبطة بتعزيز الضمانات القانونية لمنع الاختفاء القسري ومحاسبة المسؤولين عنه.

 

 

تحذير من جرائم حرب محتملة

 

العبارة الأكثر خطورة في المراسلات الأممية ارتبطت بتقييم طبيعة الانتهاكات المزعومة وحجمها.

 

ففي مراسلة أبريل، قال الخبراء إن المزاعم المتعلقة بشمال سيناء قد تنطوي على انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك احتمال ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 

وفي المراسلة اللاحقة في يوليو، جدد الخبراء هذا القلق، مشيرين إلى مزاعم بشأن عمليات قتل واختفاء واحتجاز وتعذيب وتهجير قسري وتدمير للممتلكات، إضافة إلى المقابر الجماعية، مع التأكيد على ما وصفوه بغياب التحقيق المستقل والمساءلة وجبر الضرر.

 

ولا يعني هذا التحذير أن الأمم المتحدة خلصت إلى ثبوت ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وإنما يعكس تقييم أصحاب الولايات لطبيعة المزاعم والحاجة إلى تحقيق مستقل لتحديد الوقائع والمسؤوليات.

 

 

إصلاح قوانين مكافحة الإرهاب

 

وسع الخبراء نطاق توصياتهم ليشمل الإطار القانوني والمؤسسي لمكافحة الإرهاب في مصر، مطالبين بمراجعة القوانين والإجراءات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والأمن والطوارئ في شمال سيناء لضمان توافقها مع القانون الدولي.

 

كما شددوا على ضرورة خضوع إجراءات مكافحة الإرهاب لرقابة داخلية وخارجية فعالة، بما في ذلك وجود مؤسسات مدنية مستقلة عن الجهات القائمة على عمليات مكافحة الإرهاب وعن السلطة التنفيذية، على أن تمتلك هذه الجهات صلاحيات قانونية وموارد وخبرات تمكنها من أداء دورها.

 

وفي السياق نفسه، أثار الخبراء مخاوف أوسع بشأن الاحتجاز المطول قبل المحاكمة، والاختفاء القسري، والتعذيب، وظروف الاحتجاز، وما أسموه تدوير القضايا، مؤكدين أن الاحتجاز السابق للمحاكمة يجب أن يظل استثنائيًا ومتناسبًا وألا يتحول إلى عقوبة قبل صدور حكم قضائي.

 

 

دعوة لمساءلة وجبر الضرر

 

من جانبها، رحبت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان بالمراسلة الأممية، ودعت الحكومة المصرية إلى توجيه دعوة رسمية للمقرر الخاص المعني بمكافحة الإرهاب لإجراء زيارة متابعة، مطالبة بأن تشمل الزيارة محافظة شمال سيناء وأن تتضمن لقاءات مستقلة مع الضحايا وأسرهم ومنظمات المجتمع المدني.

 

كما أيدت المؤسسة توصية إجراء تحقيق مستقل في التقارير المتعلقة بالمقابر الجماعية، وتحديد هويات الضحايا وإبلاغ ذويهم والتعامل مع الرفات بصورة تحفظ كرامتهم.

 

وتؤكد المراسلة الأممية في ختامها أن مواجهة الإرهاب وحماية الأمن القومي تظل من مسؤوليات الدول، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن إجراءات مكافحة الإرهاب يجب أن تلتزم بالقانون الدولي، وأن الرقابة المستقلة والمساءلة وسبل الانتصاف وجبر الضرر تمثل جزءًا من ضمانات حماية الحقوق.

 

وبذلك تضع المراسلة الجديدة ملف شمال سيناء أمام مسار حقوقي دولي أكثر اتساعًا، لا يقتصر على توثيق المزاعم، وإنما يطالب أيضًا بتحقيق مستقل في الوقائع، والكشف عن مصير المختفين، وتحديد المسؤوليات، وتعويض المتضررين، ومراجعة الأطر القانونية التي تحكم عمليات مكافحة الإرهاب.