يعيد مصرع أربعة أشخاص وإصابة ستة آخرين على الطريق الدائري الأوسطي بالجيزة ملف السلامة المرورية إلى الواجهة، بعدما اصطدمت شاحنة بعدد من السيارات، لتتحول رحلة عادية فوق طريق حديث إلى مأساة جديدة.

 

ويضع الحادث حصيلة الإنفاق الضخم على الطرق أمام اختبار أكثر قسوة، إذ لم تعد القضية مرتبطة بعدد المحاور والكباري التي افتتحت، وإنما بقدرة المنظومة كاملة على منع الموت قبل وقوعه ومحاسبة أسباب تكراره.

 

 

الرقابة الغائبة تضاعف كلفة الطريق

 

فقد بدأت تفاصيل الحادث ببلاغ تلقته الأجهزة الأمنية عن تصادم على الطريق الدائري الأوسطي، قبل انتقال قوات الشرطة وسيارات الإسعاف إلى المكان، ونقل المصابين إلى مستشفى البدرشين وإيداع جثامين الضحايا بالمشرحة.

 

كما ألقت الأجهزة الأمنية القبض على سائق الشاحنة للاشتباه في تسببه بالتصادم، بينما بدأت النيابة المختصة تحقيقاتها لتحديد المسؤوليات والملابسات، في سيناريو يتكرر عقب الحوادث الكبيرة قبل أن تهدأ الضجة وتعود الطرق إلى روتينها المعتاد.

 

وفي أغسطس الماضي، شهد الطريق الأوسطي في نطاق البدرشين واقعة أخرى انتهت بمصرع شخصين وإصابة عشرة، بعدما اصطدمت شاحنة مسرعة بسيارات متوقفة، وهو ما يعكس تكرار الحوادث الثقيلة على المحور نفسه خلال فترات متقاربة.

 

وبحسب أسامة عقيل، أستاذ الطرق والنقل بكلية الهندسة في جامعة عين شمس، فإن ضعف الرقابة يمثل عاملًا بارزًا وراء استمرار الحوادث، لأن منظومة النقل لا يمكنها العمل بكفاءة وسط العشوائية في الطريق والمركبة والإدارة.

 

ومن وجهة نظر عقيل، لا يصح اختزال كل حادث في عبارة جاهزة تحمل السائق وحده المسؤولية، لأن الحادث ينتج عادة عن عدة عناصر متداخلة، تشمل تصميم الطريق وإدارته وحالة المركبة ومستوى الرقابة والسلوك البشري.

 

وفي الحالة الأخيرة، يعيد وجود شاحنة وسط التصادم سؤال النقل الثقيل إلى المقدمة، خصوصًا مع تكرار ظهور الشاحنات طرفًا رئيسيًا في حوادث قاتلة، بينما تظل مراقبة السرعات والحمولات وساعات القيادة عنصرًا حاسمًا في تقليل المخاطر.

 

وبذلك يصبح توقيف السائق والتحقيق معه جزءًا من المساءلة المطلوبة، لكنه لا يغني عن فحص الطريق ونقاط الدخول والخروج والإضاءة والعلامات والسرعات الفعلية، وإعلان ما إذا كانت أدوات الرقابة قد أدت مهمتها قبل وقوع الكارثة.

 

وعند مقارنة هذا المشهد بما طرحه عقيل بشأن تخصيص مسارات للشاحنات وعزلها عن المركبات الصغيرة، يظهر أن التعامل مع النقل الثقيل يحتاج إلى سياسة وقائية مستمرة، لا تحرك مؤقت عقب سقوط الضحايا.

 

 

مليارات الطرق أمام حصيلة دامية

 

أما الأرقام الرسمية فتجعل المسألة أكبر من حادث منفرد، فقد سجل عام 2025 وفاة 5,829 شخصًا في حوادث الطرق، مقابل 5,260 خلال 2024، بزيادة بلغت 10.8 بالمئة خلال عام واحد.

 

وبينما ارتفعت الوفيات، قفز عدد المصابين من 76,362 شخصًا خلال 2024 إلى 84,553 مصابًا في 2025، بزيادة 10.7 بالمئة، وهي أرقام تصعب معها معاملة نزيف الطرق باعتباره حوادث فردية متفرقة.

 

وفي أغسطس 2026 وحده، أعادت مأساة طريق الدواويس بالإسماعيلية النقاش نفسه بعدما أودى تصادم بحياة 18 شخصًا وأصاب أكثر من 30 آخرين، لتبقى الحوادث الجماعية قادرة على اقتحام المشهد رغم سنوات الإنفاق.

 

ومن الناحية المالية، أعلنت الجهات الرسمية أن خطة تطوير قطاعات النقل خلال 2014 و2024 بلغت نحو تريليوني جنيه، بينها 530 مليار جنيه خُصصت لمشروعات الطرق والكباري وحدها، بما يضع النتائج أمام حجم غير مسبوق من الأموال.

 

ولذلك لا يعني ارتفاع الوفيات أن كل ما أُنفق على الطرق ذهب هدرًا، لكنه يضرب فكرة الاكتفاء بحجم الإنشاءات دليلًا على النجاح، لأن المعيار الأكثر مباشرة يبقى عدد الأرواح التي تستطيع المنظومة حمايتها بالفعل.

 

وفي هذا السياق، يرى سامي مختار، خبير السلامة على الطرق بالجمعية المصرية لرعاية ضحايا الطرق وأسرهم، أن الحوادث ترتبط بثلاثة عناصر هي الطريق والمركبة والإنسان، مع وجود خلل في مواصفات بعض الطرق.

 

ومن ثم يشدد مختار على ضرورة الرقابة الصارمة عند استلام الطرق بعد تنفيذها ومعالجة ما يعرف بالنقاط السوداء التي تتكرر فيها الحوادث، بدل الاكتفاء بافتتاح الطريق ثم التعامل مع الخلل بعد سقوط الضحايا.

 

وبهذا تصبح المشكلة في ترتيب الأولويات داخل فاتورة الإنفاق نفسها، لأن مليارات الإنشاء تفقد جزءًا من جدواها إذا لم يصاحبها تمويل كاف للصيانة والرقابة والإنقاذ السريع ومراقبة السرعات وتأهيل السائقين وتحليل مواقع الحوادث المتكررة.

 

 

السلامة اليومية أسبق من الإنشاء

 

لكن المفارقة الأوضح تظهر عندما تصبح مشروعات ضخمة بتكاليف هائلة محاطة باحتياجات سلامة أبسط كثيرًا، مثل حواجز سليمة ولافتات واضحة وإنارة مناسبة ومسافات رؤية كافية ومراقبة مستمرة للشاحنات والمركبات شديدة الخطورة.

 

وفي بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نفسها، تظهر حوادث الطرق باعتبارها ظاهرة تستنزف الموارد البشرية والمادية، مع الإشارة إلى عدم توافر المواصفات الفنية والمعايير الدولية في بعض الطرق ضمن عوامل المشكلة.

 

وبحسب محمد الصادق عوف، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة حلوان، فإن تأمين سلامة الطرق لا يحتاج بالضرورة إلى تكلفة مالية ضخمة، بينما تشمل الأولويات الحواجز والعلامات الإرشادية ومعالجة المواقع التي تتكرر فيها الحوادث.

 

ومن هنا تبدو الفجوة أكثر إحراجًا، لأن توفير مليارات لإنشاء طرق ومحاور جديدة يفترض أن يصاحبه استعداد دائم لتحمل تكلفة إجراءات أقل بكثير، لكنها تمس حياة مستخدم الطريق بصورة مباشرة في كل رحلة.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إعفاء السائقين من المسؤولية، فالسرعة والقيادة الخطرة وتعاطي المخدرات والإرهاق والحمولات الزائدة كلها عوامل قاتلة، لكن مسؤولية الإدارة تبدأ تحديدًا من بناء نظام يمنع المخالفة ويرصدها قبل تحولها إلى جنازة.

 

وعلى الطريق الدائري الأوسطي، تصبح تلك المعادلة أكثر إلحاحًا مع حركة الشاحنات والسيارات بسرعات مرتفعة، إذ إن أي فقدان للسيطرة على مركبة ثقيلة يمكن أن يحول خطأ يستغرق ثواني إلى سلسلة اصطدامات لا تمنح الآخرين فرصة للنجاة.

 

ومن ناحية أخرى، فإن الإعلان عن إعادة حركة المرور إلى طبيعتها بعد رفع آثار الحوادث لا يعني عودة الوضع إلى طبيعته فعليًا، لأن بقاء الأسباب من دون معالجة يترك الطريق مفتوحًا أمام تكرار السيناريو نفسه.

 

وبين أرقام الوفيات المتصاعدة ومئات المليارات التي وجهت للطرق، يصبح السؤال متعلقًا بكفاءة الإنفاق لا بحجمه فقط، وبما إذا كانت الأموال توجه بالقدر نفسه إلى الرقابة والصيانة والسلامة مثلما توجه إلى الخرسانة والأسفلت.

 

وفي النهاية يضيف حادث السبت أربعة أسماء جديدة إلى فاتورة ثقيلة، بينما تبقى قيمة أي طريق في قدرته على إيصال مستخدميه أحياء، لا في طوله وعدد حاراته أو المبالغ المعلنة لإنشائه وتطويره.